NOVELFLEX

زفرة الحبيس

ربيع الرماد · بقلم 17 طيف

"في قلبي قنبلة من الصراخ؛ لو أطلقتها، لدمرت كل شيء حولها، وجعلت المكان أسوأ من الجحيم... لن يثور عليها أي وحش، لذلك أحاول كتمها على وسادة..."

"In my heart is a bomb of screaming; if I released it, it would destroy everything around it, making the place worse than hell... no monsters would turn against it, so I try to muffle it on a pillow..."

ثمة دمار أخرس ينمو خلف ملامحنا الهادئة… نولد بنصف صرخة ونمضي ما تبقى من العمر في محاولة خنق النصف الآخر كي لا يرتد إلينا على شكل زلزال يبتلع وجودنا… ليس الحزن وعكاً عابراً في طقس الروح بل هو السكون المخيف الذي يسبق تصدع الجبال… جحيم كوني يتخذ من الأضلاع مرقداً ينهش الذاكرة ويقتات على جمر التلهف دون أن يترك خلفه رماداً يُرى…

نحن لا نصمت لأننا لا نملك صوتاً بل لأن الكلمات شحيحة جداً أمام طوفان الخراب الذي يغلي في الأعماق؛ كالبحر الذي يحرس غرقاه في القاع بينما سطحه يبدي للناظرين سلاماً ونعيماً… في غيابة هذا الكتمان المهيب يتحول المرء إلى منارة تحترق من الداخل لتضيء للعابرين دروبهم بينما يتآكل جسدها في الخفاء… كل نفس نتجرعه يمر عبر الحنايا كمدية مسنونة تقطع حبال البوح وتعيد صياغة الوجع على هيئة وقار زائف

إنها التكلفة الباهظة للبقاء شامخاً حين ترفض الكبرياء أن تمنح الأنظار متعة رؤية شروخك… هكذا نمضي؛ نحمل موتنا المؤجل في جعبة الصمت ونواري فحيحه خلف قناع من الجمال المستعار… نقتات على مرارة الخذلان المتراكم ونتعلم كيف نبتسم للغريب وفي الصدر بركان لو وثب لأحال الصبح غيهباً معتماً ولجعل من ملامح الكون قفراً يباباً..

حتى الوسادة التي نلجأ إليها في غسق الليل لم تعد ملاذاً بل غدت ضريحاً شاهداً على زفراتنا الخرساء… نغمد النصل في الكبد بعناية بالغة ونحسب أن هذا الصبر هو غاية النبل بينما نحن نذوب ببطء كشمعة ترفض العويل… في النهاية نكتشف أننا لسنا سوى جثث متحركة؛ وجوهها تفيض بالسكينة وأعماقها تعج بضجيج قهر أزلي لا ينتهي

(1)

أكتمت في صدري الهياج جحيما ... ورأيت دمعي في المآقي رجيما

نبض الفؤاد كأن في خفقاته ... رعدا يدك الراسيات عزيما

لو ان صرختي العنيفة أفلتت ... لغدت بساحات الوجود هجوما

ولأحرقت ريح السموم معالما ... وغدا الفضاء من اللهيب سديما

لكنني قيدت وحش مواجعي ... وأبيت أن أجلو الأسى تعميما

أغمدت نصل الحزن في كبدي وما ... رمت العويل من العيون قسيما

كالبحر يطوي في العميق فواجسا ... والوجه يبدي للرعاة نعيما

قد صرت في صمتي المهيب منارة ... تذوي وتأبى أن تبوح كليما

حتى الوساد غدا لبوحي مرقدا ... يمتص جمر تلهفي تأثيما

(2)

كأن بصدري من لظى القهر جلمدا ... يفت عظامي صرخةً وتمردَا

حبيسُ نداءٍ لو أُزيحَ لثامُه ... لأحرقَ صمتُ الوجدِ روحاً ومسجدَا

ولانفجرتْ في الكائناتِ مَرارةٌ ... تُصير وجهَ الكَونِ قفراً ومَورِدَا

أكفكفُ طوفانَ الضجيجِ بأضلعي ... وأحسَبُ أنَّ الصبرَ للحرِّ مَقصدَا

فيا صرخةً ضاقت بها سعةُ المدى ... وجادت بأوجاعِ الثكالى تجسداً

أواري فحيحَ الموتِ في طي جُعبةٍ ... وأجعلُ من صمتي نهاراً وموعدَا

وأن ودادي إذ غفا فوقَ زفرتي ... غدا كضريحٍ يفتدي مَن تهجَّدَا

كتمتُ شهيقَ النارِ خوفَ دمارِها ... فصِرتُ أنا والجمرُ في الصدرِ وحَّدَا

(3)

أكتمتُ في الأضلاعِ هولاً مُرعبا ... ورأيتُ كوني بالمرارةِ مُجدبا

بصدري انفجارٌ لو أبحتُ لظاهُ في... فجاجِ المَدى لأحالَ صبحَكَ غيهبا

لدمرتُ آفاقاً وأحرقتُ أنفُساً ... وصارَ وجودُ الخلقِ رَمساً ومهربا

فيا صرخةً عذراءَ ضاقتْ بأضلعي ... وعادَ صداها في الحنايا مُعذبا

أغصُ بموتٍ لا يموتُ، وإنما ... يلوكُ فؤادي كالغريبِ مَغربا

أنا جثةٌ تمشي، وفي عمقِ صمتِها ... زلازلُ حقدٍ لو تلوتُ لتلهبا

أُداري عويلَ الروحِ خلفَ ملامحي ... وأجعلُ من صمتي ضريحاً مُذهبا

فلا تسألِ المسحوقَ عن سر دمعِهِ ... ففي صمتِهِ بركانُ حزنٍ لو وَثَبَا

لأهلكَ مَن فوقَ الترابِ، وصيَّرَ الـ ... ـحياةَ جحيماً، والخلائقَ حَصْبا

(4)

بصدري صرخةٌ لو أطلقتها ... لهدَّت في المدى صمَّ الجبالِ

ولانفجرَ الوجودُ ضجيجَ قهرٍ ... وصارَ الكونُ ضرباً من خيالِ

جحيمٌ في الحنايا لستُ أدري ... متى يرمي بشهبٍ من نبالِ؟

أخافُ إذا بحتُ به لعمرِي ... دمــاراً لا يُـــرد بأي حــــالِ

فأكتمُهُ وأكتمُهُ بعمقٍ ... وأخفي الموتَ في ثوبِ الجمالِ

كتمتُ النارَ حتى صرتُ جَمراً ... يذوبُ الروحُ في قيدِ الرمالِ

(5)

أجرُّ نَفاسي كأنّي بـرئـتـي ... أُساقُ لـمـوتٍ لستُ منهُ بـنـاجِ

خُذلتُ من الدنيا ومن كلّ واثقٍ ... وضـاعَ بـليـلِ الـوحدةِ اسـتـهـاجِي

كـرهتُ وُجـودي والـورى ومَـعـالـمِي ... وكـلَّ ضـيـاءٍ لـلـنَّـهـارِ سِــراجِ

فـيـا وجعاً يـقـتـاتُ مـن نـبـضِ مُـهجتي ... ويـسـقـي فـؤادي مُـرَّ كـلِّ زُجـاجِ

أنا صرخةٌ خَـرسـاءُ ضـاقَ بـهـا الـمَـدى ... تـمـوتُ وتـحـيـا فـي لـظىً وعَـجـاجِ

(6)

أجُرُّ نَفاسي كأنَّ بـرئـتـي ... مَسـامـيرَ تَنبتُ في حـشـايَ عـذابـا

خُذلتُ من الأحبابِ حتى كرهتُهم ... وصرتُ أرى وجـهَ الـحـيـاةِ خـرابـا

وحيدٌ وقـد ضـاقَ الـوجودُ بـوحـدتـي ... ومـا نـلـتُ مـمَّـن أرتـجـيـهِ جـوابـا

كأنَّ فـؤادي مـضـغـةٌ بـيـنَ نـاجـذٍ ... تـمـوتُ سـمـومـاً أو تـذوبُ عـقـابـا

أنا جـثَّـةٌ تـهـوى الـفـناءَ ولـم تَـجِـد ... مـن الـمـوتِ إلا الـقـهـرَ والأوصـابـا

(7)

حتى النَّفَسْ في صدريَ المكسورِ ... يغدو سِكيناً بغيرِ شُعورِ

خُذلتُ من الدنيا ومن أحبابِها ... حتى كرهتُ ملامحي وحُضوري

وحيدٌ وقـد ضـاق الوجودُ بـوحدتـي ... والناسُ حولِي غُربةٌ بقبورِ

لا شيءَ يـؤلـمُ كـالـخـذلانِ بـعـدمـا ... أعطيتُ كلي فاحترقْتُ بنوري

أنا جثةٌ مـشيُـها لـلـقـبـرِ بـسمـةٌ ... تـخفي وراءَ الـصـمتِ ألفَ ثُـبـورِ

والخَتْمُ أني رُغمَ نـزفِ مَواجِـعـي ... مـا عـدتُ أرجـو بَـرأَ كـسـرِ كُـسـوري