NOVELFLEX

طيف خفي

إيريبوس:سليل الظلام · بقلم hassanalamraweey

طوال هذا الشهر، كان كيرنان يعيش أفضل فترات حياته منذ أن بدأ يستعيد وعيه بالوجود. كان بعيداً كل البعد عن ضغوط تعذيب "فارير" اليومية، وعن نظرات اللامبالاة التي يرمقه بها الجميع. ويا للمفارقة، فقد تبين أن تلك اللامبالاة، وتناسي الجميع لوجوده، كانا أفضل ما يمكن أن يحدث له؛ إذ منحاه حرية مطلقة.
في الأوقات التي تنشغل فيها "راهي" بعملها، كان يستغل العزلة ليدرب جسده الصغير الغض بلا ضغط أو ألم. لم يكن تركيزه منصباً على بناء العضلات فحسب، بل كان يتعمد تدريب نفسه على الخفة، والسرعة، والتحرك بنعومة فائقة كأنه طيف عابر لا يصدر أدنى صوت. تحول إلى ظل خفي، يمرن قدميه على القفز والمناورة، يحدوه الأمل في أن تفيده هذه الخفة يوماً ما للتسلل والهرب دون أن يشعر به أحد. أما في أوقات فراغ "راهي"، فكان يغرق في القراءة، والكتابة، والتعلم، مستمتعاً بشروحاتها وحكاياتها الشائقة.
لكن، كيف للحياة أن تظل صفية هادئة دائماً؟
في وضح النهار، وأمام بوابة القرية المشرعة، أقبلت العربة الحمراء المزينة بالصور الحميمية الفاضحة. كان يجلس في مقدمتها السائق الضخم ذو الملامح القاسية: "فارير". كانت تلك الألوان والصور علامة مسجلة تعلن للجميع أن العربة ومن فيها يتبعون "بيت رومينيا"؛ وهي إشارة كافية لتجعل أي قاطع طريق يفكر ألف مرة قبل أن يجرؤ على السطو عليها، وإلا سيجد نفسه مطارداً من حشود من الرجال الأشداء. لم يكن الأمر لأن "بيت رومينيا" يملك جيشاً خاصاً به، فهو في النهاية مجرد بيت للدعارة، بل لأن علاقات سيدته "أستريا" بزعماء القرى وأصحاب المناصب النافذة في المدينة جعلت منها خطراً محدقاً يلتهم أي عدو.
اندفعت العربة الحمراء إلى داخل القرية. ألقى "فارير" تحية عابرة على الحارس "ريان"، حارس الدورية النهارية للبوابة، فرد الحارس التحية بروتين لولا أنه لم لمح صرة من الخيش بجانب "فارير" تتقاطر منها دماء قانية، متخذة شكل رأس بشري يقبع في جوفها. لم يبالِ "ريان" كثيراً بالأمر، فالمعتاد من "بيت رومينيا" وسطوة سيدته يوحي بأن صاحب هذا الرأس قد اقترف جرماً عظيماً استحق عليه هذا المصير الأسود.
توقفت العربة أخيراً أمام "بيت رومينيا". سأل "فارير" حارسي البيت وهو لم يبرح مقعده في المقدمة:
— "هل من زبائن بالداخل؟"
أجابه أحدهما: "نعم".
تأفف "فارير" بضيق متمتماً: "إذن سأظل هنا حتى ينتهي العمل". لم يكن يجرؤ على العودة إلى منزله قبل أن يسلم هذا الرأس إلى سيدته، ويزف إليها نبأ إتمام المهمة التي أرسلته من أجلها.
ظل في مكانه مرابطاً حتى خيم الليل، وانقطع توافد الزبائن العاديين. لم يكن يأتي في الليل إلا الزبائن المهمون وأصحاب المناصب الحساسة، وكان هؤلاء يترددون نادراً؛ إذ قضت قوانين "بيت رومينيا" الصارمة بأن يكون العمل بالنهار فقط، أما الليل فتقفل فيه الأبواب في وجوه عامة الناس.
أمسك "فارير" بالصرة التي تضم الرأس المقطوع، ودلف بها إلى عمق البيت. كانت الفتيات والسيدات العاملات مصطفات جنباً إلى جنب كالمعتاد في نهاية كل يوم، لتسلم كل واحدة منهن ما جلبته من أموال وتأخذ حصتها من الغنيمة.
في صدر القاعة، كانت "أستريا" تجلس على أريكتها الفاخرة المميزة، تلك الأريكة التي لا يجرؤ كائن من كان على الاقتراب منها. كانت تطوق بيمينها كأس نبيذ معتق، وتتطلع إلى تلال الأموال المجموعة أمامها، بينما تقف خلفها ابنتها "يوستينا" تشدو بصوتها الساحر العذب على وقع معزوفات موسيقية تعزفها فرقة من الفتيات الصغيرات اللواتي يداعبن الألحان طوال اليوم لترفيه الزبائن. كانت "يوستينا" هي مغنية البيت الفاتنة؛ فقد نأت بها أمها "أستريا" عن العمل في الدعارة كبقية الفتيات. لكن في "بيت رومينيا"، كان لكل فرد عمله المحدد، حتى "أستريا" نفسها كانت تخصص خدماتها حصرياً لأصحاب المناصب الرفيعة والمسؤولين الكبار في المدينة.
انتظر "فارير" عند الأعتاب مستأذناً، وفور أن لمحته "أستريا"، أشارت إليه ببرود أن يقترب. تقدم "فارير" حاملاً صرة الرأس بعد أن جفت دماؤها، إذ لم يكن ليتجرأ على الدخول والدماء ما زالت تنزف منها. نزع رداءه الجلدي الأسود، وفرشه على الأرض بعناية، ثم وضع الصرة فوقه وفك عقدتها.
انكشف الغطاء... وظهر رأس فتاة فاتنة الجمال، كانت عيناها ما زالتا متسعتين بذهول الموت، مما بث الرعب والقشعريرة في قلوب جميع النساء الحاضرات.
كان "كيرنان" واقفاً في أقصى المؤخرة، يترقب من بعيد تلبية أي أمر قد تطلبه "أستريا"، مدركاً أن أي خطأ أو توارٍ عن الأنظار قد يكلفه حياته في لحظتها. ارتعد جسده الصغير عندما وقعت عيناه على الرأس؛ كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها رأساً بشرياً مفصولاً عن جسده. ومع ذلك، استقر قلبه وثبت بشكل عجيب. لقد اعتاد رؤية رؤوس الحيوانات المذبوحة، بل إن "فارير" نفسه أجبره مراراً على ذبح الكثير منها.
في تلك اللحظة الخاطفة، لمع سؤال عميق في عقله الصغير: "ما الفرق بين الرأس البشري ورؤوس المخلوقات الأخرى؟ كلنا في النهاية كائنات بائسة تتصارع وتفنى في هذا العالم الفوضوي". كانت تلك حكمة سوداوية غريبة يمتلكها طفل لم يتجاوز السابعة من عمره.
نظرت "أستريا" إلى الرأس بملامح جليدية، لكن خلف ذلك البرود الظاهري، كان يختبئ في أعماق عينيها بريق باهت من الشفقة والتعاطف، مخفياً بعناية لكي لا يظهر أبداً.
صاحت بصوت حاد النبرات، تردد صداه في أرجاء القاعة:
— "هذه الفتاة... بعد أن أطعمتها وكسوتها، وانتشلتها من موت محتم، وجعلت لها بيتاً يأويها وحماية قصوى لا يجرؤ أحد على اختراقها... خانت كل هذا! أساءت لسمعة 'بيت رومينيا' الذي منحها كل شيء تملكه، ولولاه لماتت من البرد والجوع. سرقت أموالاً من أحد زبائننا المهمين، وتجرأت على الهرب! فانظروا كيف كانت نهايتها... ماذا جنت غير الموت؟"
ساد صمت ثقيل، ثم تابعت وعيناها تمسحان الوجوه:
— "كل واحدة منكن هي رهينة هذا البيت. حياتكن بالكامل ملك لسيدته، لأنني أنا من وهبتكن هذه الحياة، وأنا وحدي الأحق بأخذها. سأنصحكن جميعاً بنصيحة واحدة: إياكن والطموح الأعمى! والآن... كل واحدة إلى غرفتها!"
تفرقت الفتيات كطير ذعره الصياد، وانطلقت كل واحدة إلى غرفتها بخطى متسارعة. التفتت "أستريا" إلى فارير وقالت:
— "وأنت يا فارير... خذ هذا الرأس واحرقه، ثم عد إلى بيتك".
رد "فارير" بخضوع تام: "بالتأكيد سيدتي".
انحنى والتقط الرأس بصرته متدثراً برداءه الجلدي، ثم قفل خارجاً.
كان "كيرنان" لا يزال متسمراً في مكانه، والأفكار تتلاطم في عقله الصغير؛قائلا لنفسه:هيا بسرعة قبل أن يخرج فارير.

في هذه المرة، استجمع شجاعته وخطا خطوات نحو "أستريا"، وبعينين تفيضان ببرائة الطفولة وصوت ناعم رخيم قال:
— "وأنا يا سيدتي... هل تأمريني بشيء؟"
نظرت "أستريا" إلى "كيرنان" ببرودها المعتاد.
لم تنطق بكلمة. وضعت كأس النبيذ من يدها على الطاولة بهدوء مستفز، ثم التفتت إلى ابنتها وأمرتها بنبرة جافة:
— "يوستينا.. اجمعي هذا المال وضعيـه في الخزانة."
هبت واقفة، وانطلقت تجاه غرفتها بخطوات واثقة، متجاهلة وجود كيرنان بالكامل كأنه مجرد هواء شفاف، أو طيف لا يراه أحد.