وقف "كيرنان" الصغير مكانه، ونظرات الحيرة تملأ عينيه. كان هناك سؤال وحيد يعتصر عقله: لماذا تتجاهلني هذه المرأة إلى هذا الحد؟ إذا كانت تربيني لأكون عبدًا في هذا البيت كما أخبرتني "راهي"، فلماذا لا تصدر لي أمرًا واحدًا؟ لماذا لا توبخني، أو تضربني كما يفعل فارير؟ ما سر هذا البرود القاتل؟
كان مشتتًا في بحر أفكاره، ولم يعده إلى الواقع إلا صوت خشخشة العملات المعدنية.
التفت ليجد "يوستينا" وهي تجمع الأموال من على الطاولة. نظر إليها بانبهار تام؛ كانت الفتاة ذات الاثنين وعشرين عامًا ساحرة الجمال، تشبه والدتها كثيرًا في الملامح الحادة، وتشاركها ذات الشعر الذهبي الأخّاذ الذي يتدلى على كتفيها.
تمنى كيرنان في سِرّه لو أن هذه الفتاة الجميلة تتحدث معه بلطف، لكن أمنيات الصغار لا وزن لها في "بيت رومينيا".
فوجئ بها تلتفت نحوه بعد أن انتهت من جمع الأموال. رمقته بنظرات باردة كشفرة الحلاق، وقالت بحدة تقطر سمًا:
— "إلى ماذا تنظر أيها الرضيع المقزز؟!"
انقبض جسده الصغير، بينما تابعت هي بنبرة أعلى:
— "هل سمعت كلام والدتي قبل قليل؟ إياك والطموح الأعمى! لا تحاول أن تفعل أي شيء أو تتقرب منها. سأعطيك نصيحة إضافية.. والدتي شديدة الذكاء والحذر، وتعرف كيف تقرأ وجوه من حولها بدقة، فلا تظن للحظة أنك ستستطيع التأثير عليها ب براءتك المزيفة هذه.. هل فهمت؟!"
صرخت بوجهه في الجملة الأخيرة، ثم استدارت ب كبرياء ترتطم أقدامها بالأرض، متجهة نحو خزانة الأموال، تاركة خلفها طفلاً يتنفس ببطء وسط صمت القاعة المظلمة.
لم يرجف لـ "كيرنان" جفن من هذا الصراخ.
على عكس ما توقعت "يوستينا"، انفرجت شفتاه الصغيرتان عن ابتسامة ساخرة خفية. في عقله، كان يهمس لنفسه: «على الأقل.. الأمر كان يستحق المحاولة».
التفت وغادر القاعة بخطى هادئة، لكن عقله كان يغلي. استقر في ذهنه قرار واحد: «يجب أن أسأل راهي عن سر هذا التجاهل.. عسى أن أجد عندها جواباً يخرجني من هذه الحيرة العميقة».
انطلق كيرنان مسرعاً عبر الممرات المظلمة حتى وصل إلى غرفتها. طرق الباب طرقات مسرعة متتالية، نبضات قلبه كانت تسابق أصابعه. فور أن فتحت "راهي" الباب، اندفع إلى الداخل كالإعصار، وسألها دون مقدمات وعيناه تتوقدان حيرة:
— "راهي.. لماذا تتجاهل هذه السيدة وجودي إلى هذا الحد؟!
لماذا لا توبخني، أو تأمرني، أو حتى تضربني؟!"
ابتسمت راهي فور سماعها سؤاله، وظهرت على وجهها علامات فهم عميق. تحركت ببطء وجلست على طرف سريرها، ثم نظرت إليه قائلة:
— "لأنك لا تستحق الآن يا كيرنان."
لمع الغضب في عيني الطفل، وانعقد حاجباه وهو يصيح بنبرة حادة:
— "لا أستحق؟! كيف؟!"
أكملت راهي ببرود شديد، كأنها تسكب ماءً بارداً على نيرانه المشتعلة:
— "نعم، أنت الآن مجرد عالة.. تأكل، وتشرب، وتنام دون أي فائدة تذكر لها. لو انتبهت هذه السيدة لوجودك الآن، لتخلصت منك فوراُ دون تردد. من حسن حظك أنها تتجاهلك.. ويكفيك ما تلاقيه من تعذيب فارير اليومي."
صمتت للحظة، ثم تقدمت منه قليلًا، وتغيرت نبرتها لتصبح أكثر جدية وقسوة:
— "اسمعني جيداً يا عزيزي الصغير.. هؤلاء الناس، فوائدك هي ضررهم، وفوائدهم هي ضررك! فلا تبحث أبداً عن فائدتك وسطهم، واشكر الظروف دائماً على تجاهلهم لك.. هل فهمتني؟"
سقطت كلماتها الأخيرة كالمطرقة على رأس كيرنان، لتبدد كل شكوكه، وتزرع في داخله فهماً جديداً ومظلماً للعالم الذي يعيش فيه.
قرر "كيرنان" في أعماقه أن يلتزم بنصيحة "راهي"، وأن يحول هذا التجاهل التام من لعنة إلى درع يحميه ويستمتع بوجوده.
قطعت راهي حبل أفكاره المتشابكة، مخرجة إياه من تشتته العميق بنبرة حانية:
— "الآن.. دعنا ننام، وغداً قد يكون لكل مشكلة حلها. اذهب واغتسل ثم عد للنوم، سأسبقك أنا."
تحركت راهي ببطء، واستلقت على سريرها دافنة جسدها تحت غطائها الحريري الدافئ.
توجه كيرنان الصغير إلى حمام الغرفة، وغسل عن جسده وعقله عناء ذلك اليوم الطويل والمشحون. بعد أن اغتسل وجفف نفسه، عاد بخطى هادئة ودلف تحت الغطاء، ليرتمي بين أحضان راهي الدافئة.
أغلق عينيه الصغيرتين مستسلماً للنوم، وهو يشحن طاقته ويستجمع شجاعته استعداداً لعودة أيام الجحيم مرة أخرى.. عودة تعذيب "فارير" وقسوته مع إشراقة صباح الغد
مع أول خيط من خيوط الفجر، استيقظ "كيرنان" قبل الجميع.
انطلق مسرعاً إلى الحمام يقضي حاجته ويغتسل، وعقله يرسم خطة استباقية؛ لقد قرر هذه المرة أن يسبق "فارير" إلى الساحة الترابية، عسى أن يرى هذا الوحش التزامه فيدعه وشأنه.
خرج من الحمام، وأغلق الباب بنعومة فائقة لكي لا يوقظ "راهي". تحرك على أطراف أصابعه كطيف عابر حتى غادر الغرفة، وأوصد الباب خلفه بهدوء تام.
سار في ممرات البيت التي كانت خالية تماماً؛ فالفتيات كلهن غارقات في النوم، ولم يحن بعد وقت فتح المكان لاستقبال الزبائن.
وصل كيرنان إلى الساحة الترابية الواسعة، وبدأ على الفور تدريباته الرياضية المعتادة. استمر يركض ويقمع جسده الصغير حتى بدأت الحركة تدب في أرجاء البيت، واستيقظت الفتيات لمواصلة عملهن اليومي.
وفي تلك اللحظة، دخل "فارير" من البوابة.
توجه الضخم فوراُ إلى الساحة الترابية، لكن خطاه تباطأت فجأة؛ لقد فوجئ بوجود كيرنان هناك! كانت هذه هي المرة الأولى التي يسبقه فيها هذا الصغير الذليل إلى مكان التدريب.
ارتسمت على شفتي فارير ابتسامة مشوهة ومرعبة، وجلجَل الجحيم في عينيه اللتين يملأهما الجنون. تقدم نحو الطفل بخطوات ثقيلة هزت بساط الأرض، وقال بصوته الأجش القاسي:
— "مر وقت طويل.. أيها الرضيع الباكي!"
توقف كيرنان عما كان يفعله. التفت بكامل جسده ليواجه عملاق الجسد القابع أمامه، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة غريبة لم يعتد فارير رؤيتها عليه.
قال كيرنان بنبرة هادئة ومستفزة:
— "بالطبع مر وقت طويل يا فارير.. وفي الحقيقة، يجب أن أشكرك على هذا الغياب الطويل؛ فلولاه لما استطعت الحديث مع السيدة أستريا."
ثبت عيني الصغير في عيني الوحش المذهول، وتابع:
— "ألم تسمعني بالأمس قبل أن تغادر وأنا أطلب منها الأوامر؟ الصراحة.. غيابك أثر على المكان كثيراً، ولقد اشتقت إليك بالفعل يا فارير."
انعقد حاجب الديكتاتور الضخم، وعبس وجهه بخليط من الغضب القاتل والحيرة الشديدة مما يسمعه من هذا الرضيع الصغير. زأر فارير بصوت مرعد:
— "أتكذب عليَّ أيها الأحمق؟!"
ودون إنذار، اندفعت قدم فارير الثقيلة لتضرب بطن كيرنان بعنف، ملقية بجسده الصغير على التراب.
انكمش كيرنان على نفسه محتضناً بطنه من شدة الألم، لكنه اعتصر وجعه واعتلى صوته اللاهث وسط الساحة:
— "بالطبع لن تصدقني.. لكن إن كنت عاجزاً عن التصديق، فاذهب واسأل السيدة بنفسك، وهي ستخبرك بكل شيء!"
اشتعل الغضب في رأس فارير مجدداً؛ كيف يجرؤ هذا العبد على تحديه؟ انهال عليه بلكمة عنيفة استقرت في رأسه.
صرخ كيرنان من شدة الوجع، لكنه استجمع كل ذرة شجاعة في قفصه الصدري وصرخ بصوت عالٍ هز أرجاء المكان:
— "أتحاول أن تقتلني أيها الأحمق؟! هل تظن أن السيدة ستسمح بموتي بعد أن استثمرت فيّ كل هذا الوقت وكل هذا المال؟! أيها الغبي!"
تسمرت يد فارير في الهواء.
تراجع الضخم خطوة إلى الخلف وعلامات المفاجأة ترتسم على ملامحه القاسية. لقد شعر فجأة بوجود خطب ما؛ فكيف يعقل لطفل لم يتجاوز السابعة أن يتحدث بهذه الثقة والجرأة؟ ومن أين له بهذه المصطلحات عن الاستثمار والمال؟ هل فعلاً تكلمت معه السيدة أستريا بالأمس وصنعت منه سراً لها؟
توقف فارير تماماً عن الضرب، وبدأ عقله المحدود يحاول استيعاب المؤامرة. سأل بصوته الخشن والأجش:
— "من الذي علمك هذه الكلمات أيها الرضيع؟!"
بصق كيرنان الدماء من فمه، ونظر إليه بعينين تلمعان بمكر أسود رغم الألم، وقال:
— "ومن تظن برأيك أيها الغبي؟ السيدة أستريا بالطبع! لقد أخبرتها بكل ما تفعله بي خلف ظهرها، وهي من قالت لي هذه الكلمات.. هي لن تسمح أبداً بمقتلي، ففي النهاية.. أنا حيوانها الأليف.
حيوان السيدة الأليف
إيريبوس:سليل الظلام · بقلم hassanalamraweey