NOVELFLEX

الدرس الأول

إيريبوس:سليل الظلام · بقلم hassanalamraweey

انطلق كيرنان مسرعاً بعدما خرج من غرفة راهي، ممرراً نظراته البريئة على الفتيات اللواتي يقابلهن في الرواق، يلقي عليهن التحية بعفوية طفولية. ومع أنهن لم يكنّ يملكن حنان راهي، إلا أنه تذكر نصيحتها دائماً: "حاول دائماً كسب الآخرين في صفك، فقد يكونون ذوي منفعة لك يوماً ما".

تابع ركضه حتى وصل إلى الباب الخلفي للمبنى الفاخر، لتنفتح أمامه ساحة ترابية واسعة، تعجّ بالمعدات الثقيلة وحلبات التدريب القتالي.

وهناك، وسط الغبار، كان فارير يتدرب كالعادة على رفع الأوزان الحديدية الضخمة، وعضلات جسده المفتولة تتصبب عرقاً. التفت السائق الضخم نحو كيرنان، ورشقه بنظرة حادة كالنصل، قبل أن يهدر بصوته الخشن الأجش:

— "لقد تأخرت أيها الرضيع! أين كنت وماذا كنت تفعل؟"

أجابه كيرنان بثقة عجيبة، لا يمكن تصديق أنها تنبع من جسد طفل لم يتجاوز السابعة:

— "لقد تأخرت في النوم.. أنا آسف يا فارير."

توقف فارير عن الحِراك، ورمى الثقل من يده ليرتطم بالأرض محدثاً دويّاً مكتوماً. سار بجسده العاري من النصف الأعلى بخطوات وئيدة ومهددة نحو الصغير، حتى وقف أمامه مباشرة، حاجباً عنه ضوء الشمس بجسده العملاق.

وفجأة، وبلا أي إنذار، رفع فارير قدمه الغليظة وركل بطن كيرنان بقوة مفرطة.

طار جسد الصغير في الهواء قبل أن يسقط على التراب متقوقعاً على نفسه، وهو يقبض على بطنه بشدة من أثر الألم الصاعق الذي سلب أنفاسه. كادت الدموع أن تنهمر من عينيه لولا أنه حبسها بكل ما أوتي من قوة؛ فالمعادلة هنا واضحة، والدرس الأول الذي تلقاه في هذه الساحة هو أن البكاء سيجعل فارير ينهال عليه بضربات أشد فظاعة ولن يتوقف حتى ينقطع صوته تماماً.

لمح فارير التماع الدموع المحبوسة في عيني الصغير، فارتسمت على وجهه الخشن ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة متهكمة:

— "أحسنت أيها الفتى.. لقد نجحت في حبس دموعك هذه المرة. في المرات السابقة، كنت تصرخ باكياً كعادتك منذ تلك الليلة الأولى التي وجدتك فيها، وهو ما كان يمنحني متعة مضاعفة في ضربك. لكنك الآن حرمتني من تلك اللذة."

تحولت ملامحه فوراً إلى البرود القاسي وتابع آمراً:

— "لا يهم.. قف الآن ومارس تمريناتك المعتادة."

استدار فارير وتوجه نحو أوزانه الحديدية مستأنفاً تدريبه وكأنه لم يطرح طفلاً أرضاً قبل ثوانٍ. في تلك الأثناء، كان كيرنان يخوض معركته الخاصة؛ استجمع كل ذرة قوة في جسده الضئيل ليقف على قدميه، متحمساً لئلا يستفز هذا الوحش مجدداً ويجبره على العودة إليه بنكال أشد.

وقف كيرنان أخيراً، ورغم أن أحشاءه كانت تتمزق من شدة الألم وأثر الركلة، إلا أنه كتم وجعه بالكامل، وتحامل على جسده الواهن، متوجهاً بخطوات ثقيلة ليمارس تدريباته اليومية المعتادة وسط الغبار.

كان كيرنان في تلك اللحظات يشعر بصغر حجمه وبشاعة العالم من حوله؛ فالتراب يدخل رئتيه الصغيرتين، وجسده يئن من الكدمات، ولا توجد يد واحدة في هذا المكان يمكن أن تمتد لتمسح عنه الألم دون مقابل. وفي غمرة هذا الصراع الصامت بين طفل وجسده المتعب، انشق صمت الساحة فجأة برداء أحمر قانٍ يتهادى ببريق خطير؛ كانت السيدة أستريا قد وصلت إلى المكان.

في لمحة عين، توقف فارير عن رفع أثقاله، وهرع كيرنان لقطع تمريناته. وقف الاثنان متجاورين في طاعة تامة أمام السطوة الطاغية للسيدة؛ فارير بجسده الضخم الذي يشبه الجبل، وكيرنان القابع بجواره كأنه عقلة إصبع ضئيلة لا تكاد تُرى. ساد صمت مطبق، وكان الاثنان ينتظران بخنوع أن تبدأ هي بالحديث.

وجهت أستريا عينيها الخضراوين الحادتين نحو كيرنان، ورمقته بنظرة فاحصة دقيقة؛ لم تكن نظرة أمومة أو عطف، بل كانت نظرة تاجر يتفقد حيوانه الأليف، يقيس ببرود إن كان حجمه قد ازداد وكثر لحمه، أم أنه مجرد استثمار خاسر لا ينمو.

تحت وطأة تلك النظرات الثقيلة والمهيبة، لم يجرؤ كيرنان على رفع رأسه؛ بل ظل شاخصاً بعينيه نحو الأرض، والتراب يغطي قدميه الصغيرتين.

وجهت أستريا أنظارها الباردة نحو فارير، وتساءلت بصوتها الرخيم العذب:

— "ها.. ما أخبار هذا الرضيع يا فارير؟"

رد فارير منحنياً برأسه قليلاً:

— "إنه يتحسن، سيدتي."

علقت أستريا باقتضاب:

— "رائع."

ثم ضيقت عينيها الخضراوين وتابعت بنبرة حاسمة التفتت فيها بكامل جسدها نحو السائق الضخم:

— "أريدك في مهمة فورية يا فارير. اذهب الآن إلى قرية رامين؛ هناك فتاة من فرع 'بيت رومينيا' سرقت مالاً من أحد من المسئولين المهمين وهربت. أريدك أن تأتيني برأسها.. لا تعد إليّ دونه، أفهِمت؟ وإلا سيكون رأسك أنت هو ما سيُقطع مكانه."

في تلك اللحظة، ارتجف جسد فارير الضخم، وتلاشت كل مظاهر السادية والوحشية التي كان يمارسها قبل قليل على الصغير كيرنان. طأطأ رأسه وابتلع ريقه، ثم رد بصوت خاضع يملؤه الرعب:

— "بالطبع.. سمعاً وطاعة، سيدتي."

رأى كيرنان كل ما حدث، وراقب بعينيه السوداويتين جسد فارير الضخم وهو يرتجف خوفاً أمام السيدة. في تلك اللحظة، رنّت ضحكة صامتة في قرارة نفسه تشفياً من هذا الوحش الذي كان يطأه بقدمه قبل قليل.

هذا المشهد تحديداً هو ما جعل كيرنان لا يهاب فارير في أعماقه؛ فقد أدرك الحقيقة العارية.. هذا الرجل العملاق لا قيمة له هنا في الحقيقة، وهو مجرد أداة بيد أستريا. طالما أن السيدة الكبيرة تريده حياً وتخطط للاستفادة منه، فلن يجرؤ فارير أبداً على قتله أو تجاوزه الخطوط الحمراء.

تذكر كيرنان كلمات راهي وتأكد من صدقها؛ فارير ليس سوى جبان يتنمر على من هو أضعف منه، وينحني بذلّ أمام من يملك السلطة والسطوة.

بينه وبين نفسه، وفي عتمة الظل المحيط به، بصق كيرنان على الأرض اشمئزازاً واحتقاراً لهذا الوحش الزائف.

بعد أن انتهت أستريا من حديثها، التفتت بجسدها الساحر متوجهة بخطوات واثقة إلى داخل البيت. كان كيرنان واقفاً في مكانه، متجمداً وينتظر تحرك فارير أولاً كنوع من الحيطة، لكنه لم يكد يلتقط أنفاسه حتى فوجئ بقبضة حديدية غاشمة تصيب وجهه الصغير مباشرة.

ارتدّ كيرنان بعيداً بقوة الصدمة، ليرتطم بالتراب مجدداً. تلمس وجهه المتورم الذي اشتعل بالألم، وبصق دماءً قانية امتزجت بغبار الساحة؛ لقد تسببت الضربة العنيفة في كسر بعض ضروسه اللبنية.

كان فارير يقف فوقه، يلهث بغضب أعمى وعيناه تتطاير منهما الشرار، كأنه يفكر في الانقضاض عليه ويسحقه تماماً ليداري الخوف الذي شعر به أمام سيدته. لكنه في النهاية كبح جماح وحشيته، واختار التراجع، فاستدار متوجهاً نحو بيته ليستعد لرحلته الدموية إلى قرية رامين، تاركاً الصغير يلملم جراحه في عتمة الساحة الخلفية.