كانت الرطوبة في الممر المؤدي إلى مكتب الدكتور عاصم خانقة، أشبه بهواء حُبس في قنينة زجاجية منذ عقود.
تنفستْ سولارا ببطء، محاوِلةً تهدئة الارتجاف الخفي في أطراف أصابعها الذي كاد يفضح هلعها الداخلي.
في حقيبتها الجلدية الصغيرة، يقبع التقرير الطبي الأخير لوالدها؛ الأرقام الصغيرة المطبوعة باللون الأحمر، التي تشرح حال والدها صحي السيء، لم تكن مجرد مؤشرات حيوية أو تحليلات مخبرية باردة، بل كانت عداداً زمنياً ينهش ما تبقى من استقرارهما المالي والنفسي.
كل نبضة قلب لوالدها باتت تُشترى بالدواء، والدواء يُشترى بالمنحة والمساعدات الأكاديمية، لكن المنحة والمساعدات المالية بأكملها تقف الآن خلف ذلك الباب الخشبي الثقيل الذي تفصله عنها خطوات معدودة.
تأملت مقبض الباب النحاسي. كانت السيناريوهات تتضارب في رأسها كأمواج هائجة:
ما الذي يريده رئيس القسم منها في هذا الوقت المتأخر؟
هل كُشفت محاولاتها لتأجيل دفع الرسوم؟
أم أن هناك خطأ في أوراق المنحة؟
طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة، حذرة، تكاد لا تُسمع.
جاءها صوته الرخيم، المسترخي بنبرةٍ تحمل تعادلاً فجاً بين السلطة المطلقة واللامبالاة الساخرة:
أدخل..
دفت الباب ولجت. كان الدكتور عاصم يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب البني الداكن، محاطاً برفوف من الكتب المجلدة
لم يرفع عينيه عن الأوراق أمامه فوراً.
تركها واقفة لثوانٍ طالت كأنها ساعات، قاصداً إشعارها بضآلة حجمها في معادلته الأكاديمية، وكسر أي كبرياء قد تتسلح به قبل البدء في الحديث.
نطق اسمها أخيراً دون ألقاب، ومطّ الشفتين بابتسامة باهتة ومصطنعة، من تلك الابتسامات التي لا تصل أبداً إلى عينيه الحادتين كشفرتين:
سولارا.. ،كنتُ بانتظارك..
اجلسي..
قالت وصوتها متزن رغماً عن العاصفة التي تجتاح صدرها، متمسكة بحقيبتها محاولة أخطاء توترها:
شكراً دكتور، أفضّل الوقوف..
أريد فقط معرفة سبب تجميد توصية المنحة الخاصة ببحث التخرج.
الشؤون الأكاديمية أبلغتني صباح اليوم أن ملفي معلق بالكامل بناءً على تقرير شخصي صادر من مكتبك، ثم قُمت باستدعائي .
شبك عاصم أصابعه فوق المكتب، ومال بجسده إلى الأمام قليلاً، مسلطاً عليها نظرة فاحصة، ثم قال:
المنحة، نعم .
العجلة في هذه الأمور لا تفيد يا سولارا، التدقيق واجب، خصوصاً في ظل الظروف الغامضة والمقلقة التي تمر بها الجامعة هذه الأيام، إذ أن هذه الامتيازات لا يحصل عليها الكثير هذا العام.
لسنا في وارد توزيع أموال ومقاعد مجانية دون التثبت من الجدارة الأخلاقية والاستحقاقية قبل الأكاديمية.
انقبضت أحشاؤها، وشعرت بوخزة حادة في معدتها.
ماذا تقصد بالجدارة الأخلاقية؟
بحثي حاز على التقييم الأول في المرحلة التمهيدية، وأنت تعلم...
قال الاسم بنبرة متباطئة مقصودة
- زميلتكِ..
رغد ...
- أجل ما بها ؟
- اختفاؤها المفاجئ منذ ثلاثة أيام يثير الكثير من التساؤلات والهمس في أروقة الكلية.
والتحقيقات الأولية التي تجريها إدارة الأمن بالجامعة تشير إلى أن آخر شخص شوهد يتحدث إليها في ممر المختبرات القديمة المهجورة في قبو الجامعة.. كنتِ أنتِ.
صمت قليلاً قبل أن يكمل ..
والأدهى من ذلك، أن مسودة بحثها المفقود تشابهت بشكلٍ مريب، بل متطابق بشكل كبير جداً في بعض الفصول، مع الأفكار التي طرحتِها في مشروعكِ، الذي يتكلم عن روايتك المحدثة.
شعرت سولارا وكأن الأرض تميل تحت قدميها:
أرجوا المعذرة دكتور، لكن ما هذا الهراء!؟.
هذا اتهام باطل!
رغد صديقتي المقربة، ونحن نعمل في خطين متوازيين تماماً.
أنت تعلم يا دكتور أنني أمضيت الليالي بطولها في المكتبة لجمع مراجعي، لم أسرق جهداً من أحد، ووالدي...
قاطعها الدكتور ببرود، وقال بنبرة خالية من أي وازع أو تعاطف إنساني:
والدكِ مريض، في حالة حرجة، وأيامه واضحة الحساب..
أعلم كل شيء.
ولهذا السبب تحديداً، كنتُ أظن أنكِ ستكونين أكثر حكمة وذكاءً في التعامل مع الموقف.
اتهامٌ بالسرقة الأدبية أو الضلوع في اختفاء طالبة، حتى لو ثبتت براءتكِ منه بعد أسابيع من التحقيق ، الأدلة في الحاضر كفيلة بإلغاء منحتكِ فوراً كإجراء احترازي، وربما يعمل بعض الحاقدين على تشويه سمعتكِ الأكاديمية تماماً، وربما.. وهو الأهم بالنسبة لكِ، حرمان والدكِ من التغطية العلاجية الاستثنائية التي توفرها الجامعة للمتفوقين وعائلاتهم.
الخيار بالكامل في يدكِ الصغيرتين، يا سولارا، لا نريد أن تتشوه سمعة الجامعة بسبب اختفاء فتاة، وهناك طلاب اخرين يحتاجون لهذه الامتيازات لذلك أريدك إن جاءت عائلة رغد للجامعة أو حتى بعض عناصر الشرطة لتحقيق في ظاهرة الاختفاء هذه ، أن تقولي الأمر بنفسك، أنت آكثر من يعرف عنها معلومات يا سولارا...
ساد صمت ثقيل، لم يكن يقطعه سوى طنين المصباح المكتبي وتكات ساعة الحائط التي بدت كأنها تسخر من أزمتها.
تلاقت عيناها الخائفتين بعينيه، فرأت فيهما شهوة السيطرة الدنيئة. تابع عاصم ونبرته تزداد لزوجة:
"إما أن نتفاهم حول صياغة جديدة للتقرير الأكاديمي ومشروعكِ، وتوقعي على إقرار يفيد بأن رغد هي من اقتبست من أبحاثكِ لتبرئة ساحتكِ تماماً، والتعاون معي في سياقٍ آخر سأحدده لكِ لاحقاً.. أو أترك الملف يأخذ مجراه القانوني والإداري، وعندها لن تلومي إلا نفسكِ حين تجدين والدكِ بلا دواء، وتجدين نفسكِ مطرودة خلف أسوار هذه الجامعة...
☆________________ سولارا _________________☆
كان الابتزاز عارياً، قبيحاً، وخالياً من أي تجميل أو مواربة.
شعرت برغبة عارمة في الصراخ في وجهه، في تمزيق الأوراق الملقاة أمامه، في تحطيم هذا المكتب الفخم فوق رأسه المثقل بالمؤامرات.
لكن صورة والدي وهو يبتسم لي بوجهه الشاحب المستند إلى وسادته المهترئة في البيت، منتظراً عودتي ببشارة تجديد المنحة، قيدت يدي وشلت لساني.
أنفاسي تلاحقت بشكل جنوني، وشعرت بضغط عصبي هائل يتركز خلف جبهتي، وكأن خلايا دماغي توشك على الانفجار من فرط القهر والكمد العاجز.
☆_________________ الراوية _________________☆
بدون أن تنطق بكلمة واحدة، لأن أي كلمة كانت ستخرج ممزوجة بالبكاء الذي ترفض أن يراه هذا الطاغية، استدارت وخرجت، دافعة الباب بكل ما أوتيت من قوة خانقة، تاركة خلفها ضحكة مكتومة وصوت خطواتها اللاهثة وهي تركض في الممر.
لم تكن تدري كيف قادتها قدماها عبر الممرات المتداخلة للجامعة. كانت تتحرك بدافع الهرب، هرباً من وجه عاصم، من تهديده القذر، ومن حقيقة عجزها المطلق أمام منظومة تملك كل الأوراق بينما لا تملك هي سوى شرفها الأكاديمي وصحة والدها المهددة.
وجدت نفسها تنزل السلالم الإسمنتية الضيقة والمظلمة المؤدية إلى القبو في مبنى الجامعة القديم، حيث يقبع الأرشيف المتروك للجامعة، وبعض الأوراق القديمة التي كانت تبحث فيها هي وصديقتها الصحفية رغد .
المكان هناك مهجور، موحش، ولم يدخله إنسي منذ سنوات طويلة بعد أن تم رقمنة كافة الوثائق والملفات الحديثة ونقلها إلى السيرفرات الإلكترونية.
الرائحة في الأسفل كانت تزكم الأنوف؛ مزيجٌ خانق من الغبار المتراكم منذ عقود، والورق المتآكل الذي أفسدته الرطوبة، ورائحة العفن الخفيف التي تميز الأماكن التي غابت عنها الشمس للأبد.
دفت الباب الحديدي الضخم للأرشيف، فأصدر صريراً حاداً، طويلاً، ومزعجاً مزق سكون المكان الموحش كأنه صرخة احتجاج من جوف الأرض.
تحركت بخطى متعثرة بين الممرات الضيقة، حيث كانت الرفوف الخشبية والمعدنية الطويلة ترتفع حتى السقف، مثقلة بملفات منسية، وسجلات طلاب تخرجوا أو ماتوا، وصحف صفراء ممزقة.
كانت تمشي في متاهة من النسيان، حيث الأرقام على الرفوف تتسلسل بعشوائية مربكة؛ (4)، (7)، (20)، (2).. كأن المكان نفسه يرفض الترتيب.
انحرفت يميناً، ثم يساراً، متجاهلة الرفوف التي غطتها خيوط العنكبوت. مرت دقائق شعرت فيها بضغط الصمت، كان قلبها يدق بانتظامٍ يوازي وقع خطواتها على الأرضية الإسمنتية الباردة. توقفت أمام صفٍ من الخزائن المتراصة التي بدت كأنها توابيت حديدية صغيرة، أخذت تتفحص الأرقام بتركيزٍ منهك؛ لم يكن الأمر سهلاً، فبعض الأرقام مُسحت بفعل الصدأ، وبعضها غطته طبقة سميكة من الأتربة.
كانت تبحث في زاوية، عن قبر مؤقت تختبئ فيه من العالم بأكمله ومن وجه واقعها الذي يطاردها ...
هناك، في الزاوية الأكثر عتمة حيث لا يصل حتى ضوء الممرات الخافت، كانت تقبع خزانة حديدية رمادية اللون، مائلة قليلاً إلى الأمام كأنها توشك على السقوط، وقد حُفر على جانبها العلوي الرقم (13) بخطٍ أسود سميك باهت ومقشر.
مدت أصابعها المرتجفة، التي طبعت أثراً واضحاً على طبقة الغبار التي تغطي المعدن، وضغطت على المقبض الصدئ.
تحرك المقبض بصعوبة، مصدراً صوتاً معدنياً جافاً أشبه بصرخةٍ مكتومة، وما إن انفرج الباب قليلاً، حتى اندفعت موجة كثيفة من الغبار العتيق ورائحة الزمن المحبوس، مما جعلها تسعل بشدة وتغمض عينيها، محاولةً استيعاب أن ما تبحث عنه بات الآن في متناول يدها.
حين فتحتهما، رأت الرف الأوسط؛ لم يكن يحتوي على ملفات إدارية كبقية الرفوف، بل كان هناك صندوق خشبي صغير مائل للحمرة، مصنوع من خشب الأبنوس، غير متناسق مع بقية الأثاث المعدني البارد للمكان.
فتحت الصندوق بيدين ترتعشان. بداخلة كانت ترقد مخطوطة سميكة للغاية، مجلدة بخيط خشن متين، أطراف أوراقها مأكولة بفعل العته والزمن، وعنوانها مكتوب بحبر أسود ثقيل كُتب بخط يدوي مضطرب، عنيف، لكنه يحمل أناقة غريبة وقاتمة:
"ترانيم الظل الراحل"....
وتحت العنوان الرئيسي، كُتب بخط أصغر ومائل:
إلى الذين انطفأوا قبل أوانهم.. إلى الذين سحقتهم البيادق...
تجمدت سولارا في مكانها وعادة بذاكرتها إلى أسبوع مضى...
حيث تم رفض مساعدة رغد في إكمال دراستها وإعالة أسرتها، فقررت أن تبحث عن أي شئ يمكن أن يسقط نظام الظلم في هذه الجامعة، فعمدت البحث عن مخطوطة بإسم ترانيم الظل الراحل، في هذا المكان المظلم، وتذكرت وصيتها حيث قالت لها أن تكمل البحث عنها في هذا القبو إن حدث لها شئ أو فشلت ، لعلها تستعيد حقها....
لكنها اختفت قبل أن تجد أي معلومة تساعدها، لذلك عمدت سولارا إلى البحث عن أي شئ يستطيع أن يقف بصفها أن جاءت شرطة لتسألها عن اختفاء زميلتها...
جلست سولارا على الأرض الإسمنتية الباردة، وأسندت ظهرها المتعب إلى الخزانة الحديدية، وفتحت الصفحة الأولى غير آبهة باتساخ ثيابها.
بدأت تقرأ بنهم وجنون، باحثة عن أي شيء، عن أي عالم آخر يفصلها عن واقعها المرير ويوقف النزيف النفسي والقلق الذي في صدرها.
كانت المخطوطة تحتوي على رواية تتحدث عن فتاة تُدعى آسيا، فتاة وُصفت في السطور الأولى بأنها كتلة من الجليد الأسود المتحرك فتاة ماتت بداخلها كل القدرة على البكاء أو الخوف، لا تهتز للتهديد، ولا تضعف أمام الابتزاز، تدير الصراعات والمعارك من حولها ببرود رخامي قاتل، وتحول كل مشاعرها الإنسانية وعواطفها اللامادية إلى حسابات دقيقة، جافة، وصارمة كقطع الشطرنج على رقعة مصيرية.
وبدأت تقرأ....
الخوف هو الثغرة الوحيدة التي يتسلل منها الطغاة إلى حصونكم، فإذا أغلقتِ باب الشعور بالكامل، وصهرتِ قلبكِ ليصبح جليداً، استحال عليهم العثور على مفتاح لكسركِ أو ثغرة لابتزازكِ.
في لعبة القوة، من يشعر أولاً.. يخسر أولاً.
كانت هذه العبارة المكتوبة في الصفحة العاشرة ترن في ذهن سولارا كجرس نحاسي ضخم في وادٍ فارغ.
شعرت بصدى الكلمات يتغلغل في خلايا جسدها. ومع كل سطر إضافي تقرأه، كان الضغط العصبي خلف جبهتها يزداد بشكل لا يطاق...
ثم نطقت جملة مكتوبة في منتصف صفحة كاملة:
☆"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."☆
في تلك اللحظات وبعد أن نطقت بهذه الكلمات
شعرت بجسدها يبرد تدريجياً، وأطراف أصابعها تنمل وتنقطع عنها الدماء.
الخوف اللاهب والقهر الحارق اللذان كانا يعتصران أحشاءها ويخنقان أنفاسها بدآ يتلاشيان ببطء غريب، ليحل محلهما فراغ شاسع، رمادي، ومستقر بشكل مرعب.
لم يكن هذا مجرد تأثر بكلمات كتاب؛ بل كانت تلك آلية الدفاع القصوى التي فجرها جهازها العصبي الذاتي الموشك على الاحتراق التام؛ لقد انسلخت سولارا الضعيفة إلى الداخل، وتلبّست وعي وشخصية آسيا الباردة لتنجو من الموت كمداً.
أغمضت سولارا عينيها من فرط الإجهاد والتعب النفسي، وراحت في غيبوبة نوم مفاجئة، عميقة، وخالية من الأحلام، بينما كانت يداها لا تزالان تقبضان على المخطوطة بقوة تشنجية.
حين انفتحت جفناها مجدداً بعد ساعات، لم تكن سولارا الخائفة المتوترة الضعيفة المستسلمة هي مَن استيقظت.
نظرت حولها في العتمة الدامسة التي فرضها هبوط الليل على قبو الأرشيف.
لم تكن هناك أي رجفة في جسدها، ولا دمعة عالقة في محاجر عينيها. وقفت بسلاسة ومرونة فائقة، ونفضت الغبار والأتربة عن تنورتها بحركات بطيئة، رتيبة، وموزونة بدقة متناهية كأنها آلة مبرمجة.
عيناها اللتان كانتا تفيضان بالقلق والذعر قبل ساعات، أصبحتا الآن ساكنتين تماماً...
الخوف على المنحة؟ التهديد بالطرد؟ خسارة علاج والدها؟ كل هذه الكوابيس التي كانت تدفع سولارا نحو الانتحار قبل قليل، بدت الآن مجرد معادلات رياضية تافهة وبسيطة، يمكن تفكيكها وحلها ببرود وهدوء ودون أي انفعال.
التقطت صور للمخطوطة لطباعتها، عوضا عن أخذ مخطوطة الأصلية ، لكي لا يشك أحد أنها وصلت إلى هنا فيتخلص منها كما فعلوا برغد، ووضعتهما في مكان آمن.
وضعت المخطوطة داخل حقيبتها بعناية فائقة.
مشت بخطى واثقة وثابتة، تضرب الأرض بجرأة نحو المخرج الحديدي.
لم تعد تلك الطالبة المذعورة المكسورة التي دخلت التسوية وهي تبكي بحرقة؛ وكأن تلك فتاة التي تدعى اسيا من رحم الرماد والانهيار الذي كان بداخلها، وهي الآن مستعدة لترتيب النقلة الأولى على رقعة الشطرنج المعتمة هذه، وبدء تصفية الحسابات.
لم تكن طريق العودة إلى البيت مجرد مسافة تقطعها الحافلة بين أزقة المدينة المنهكة، بل كانت لـآسيا مساحة زمنية لتفكيك جزيئات الانفعال البشري وإعادة تركيبها.
كانت تدرك بوعيها البارد الجديد أن جسد سولارا يحمل ذاكرة عضلية وعاطفية لا يمكن شطبها دفعة واحدة، بل يجب إدارتها كأداة.
قبل أن تضع المفتاح في قفل الباب الحديدي للشقة، وقفت في ليل الممر البارد، أغمضت عينيها، تلاشت ثقة التي اخذتها من آسيا وعاد قناع سولارا الحقيقي .
كان عليها محاكاة انحناءة الكتفين الطفيفة التي تسبب بها الخوف، ورسم تلك الابتسامة الدافئة التي تولد عادةً من رحم الشفقة والبر بالوالد.
فتحت الباب. انبعثت رائحة مألوفة، مزيج خانق من حساء العدس المطهو على عجالة ورائحة الأبخرة الكيميائية المنبعثة من زجاجات الدواء المصطفة فوق الطاولة الخشبية المقشرة.
كان والدها، أبو أحمد، مستلقياً على أريكته المتهالكة في غرفة المعيشة، يتدثر بعباءة صوفية رمادية غطت نحول جسده الذي نهشه المرض. كان وجهه شاحباً كجدار قديم، لكن عينيه الغائرتين التمعتا ببريق قلق ما إن وقعتا عليها.
خرج صوته متهدجاً، مصحوباً بسعلة جافة حاول كتمها في كفه المرتعشة.
تأخرتِ كثيراً يا ابنتي...
شغلني البال عليكِ، والجامعة في هذه الأيام لم تعد مكاناً آمناً بعد ما سمعناه عن اختفاء تلك الطالبة..
اقتربت منه بخطوات رتيبة، انحنت وطبعت قبلة على جبينه المتعرج. كان الجبين ساخناً بفعل الحمى الخفيفة، لكن شفتيها كانتا ببرودة الصقيع.
حاولت تليين نبرتها لتطابق صوتها الهادئ المعتاد وقالت:
المكتبة كانت غاصة بالطلبة يا أبي، وتدقيق مراجع الفصل الأخير من البحث استغرق من وقتي أكثر مما توقعت.
كيف حالك أنت، وحال جرعة المساء؟
هل تناولتها في موعدها؟
تناولتها، وجارتنا أم أمجد أحضرت لي الحساء جزاها الله خيراً.
نظر إلى عينيها ملياً، وكأن حساً أبوياً غامضاً يخبره بأن الفتاة الواقفة أمامه ليست بكامل تفاصيلها التي يعرفها ..
لكن وجهكِ يحمل جموداً غريباً يا سولارا، وعيناكِ.. تبدوان كأنها تنظران إلى شيء لا أراه.
هل ضايقكِ أحد في الكلية؟
هل هناك مشكلة في المنحة؟
ثبتت نظرتها دون أن يرف لها جفن، ولم تسمح لترددها الكامن في الأعماق أن يطفو على السطح أمام والدها أبداً...
ابتسمت بزاوية شفتيها محاولة الثبات وثقة وقالت:
بل على العكس تماماً يا أبي.
الأمور تسير وفق ما خططت له بدقة.
المسؤولون أبدوا اهتماماً استثنائياً بمسودة بحثي، وتجديد المنحة بات مسألة وقت وإجراءات روتينية لا غير.
ارتح أنت ولا تشغل بالك بالجامعة.
ساعدته على الاستلقاء، ودثرت قدميه بعناية ميكانيكية تخلو من اللهفة لكنها تؤدي الواجب بأعلى كفاءة، ثم انسحبت هادئة نحو غرفتها.
أغلقت باب غرفتها الصغيرة بالمزلاج. كانت الغرفة تعكس تفاصيل سولارا لقديمة:
باقة من الورد المجفف المعلق مقلوباً على الحائط، بضع روايات كلاسيكية مرتبة بعناية، وإضاءة صفراء خافتة تمنح المكان شعوراً بالدفء الزائف. تنصلت آسيا من ذلك كله ببرود.
جلست خلف المكتب الخشبي الصغير، ولم تخلع ثيابها ولا حذاءها؛ كانت في حالة استنفار تليق بجندي على جبهة.
أخرجت المخطوطة القديمة ترانيم الظل الراحل من حقيبتها ووضعتها جانباً كمرجع أساسي، ثم مدت يدها واستلت من الدرج المكسور الدفتر البنفسجي – المستودع السري الذي تدون فيه ضعفها، كوابيسها، ومشاعرها المفرطة.
فتحت صفحة بيضاء، وأمسكت بقلم الحبر الأسود. لم تكن حركة يدها تشبه خط سولارا المعتاد بأحرفه الدائرية المندفعة التي تعكس التردد؛ بل تحرك السن بحركة حادة، مائلة، وقاطعة كالشفرات الإسمنتية.
حينها عادت شخصية آسيا تملك سولارا مرة أخرة كتبت آسيا في الدفتر، مستهدفة وعي سولار المستتر خلف حجب الدفاع العصبية:
لقد تسلمتُ القيادة الليلة يا سولارا نيابة عنكِ.
عاصم ظن أنه يبتز فتاة مكسورة الجناح يمكن سحق مستقبلها بتقرير أكاديمي مبطن، ولم يدرك بغبائه وجشعة أنه فتح الباب للشخص الخطأ.
سأحميك من قسوة العالم، سوف أكون خيرا حليف لكِ يا سولارا ، وسأستعيد المنحة، وسأجبر هذا الطاغية على دفع الثمن من رصيده الأكاديمي والأخلاقي.
لكن بالمقابل، عليكِ أن تظلي في قاع الظل لبعض الوقت؛ مشاعركِ الرقيقة وخوفكِ اللاهب هما الوقود الذي يتغذى عليه هؤلاء.
الخوف خطيئة سيكولوجية لا نملك ترف ارتكابها الآن.
أن كنت تريدي أن تستدعيني يا سولارا. قولي أو أكتبي
☆"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."☆.
حينها فقط آتي لأمنحك قوة لمواجهة هذا العالم...
وضعت آسيا القلم جانبا ، ثم تصفحت المخطوطة التي بحوزة سولارا تصفحت الأوراق الأخيرة للمخطوطة تحت الضوء الشاحب، لتتوقف عند إحدى الصفحات الذي كتبت بخط يد مرتجفة :
عاصم ليس سوى قطعة حصان في لعبة الشطرنج.
تتحرك بشكل ملتوٍ لحماية الملك المختبئ خلف المكاتب العاجية.
لحظة صمت في الأرجاء ...
هذا... هذا خط يشابه خط رغد، إذن يبدوا أن رغد وصلت لهذه المخطوطة بالفعل، وعرفت حقيقة هذه المنظومة بالكامل ، لكن يبدوا أنهم أوقفوها قبل إخباري بذلك....
أدركت آسيا اللعبة تماماً؛ اختفاء رغد لم يكن جريمة شغف أو غياب عشوائي، بل تصفية حسابات أدبية وسياسية داخل أسوار الجامعة، وعاصم هو الأداة التنفيذية التي تحاول الآن التضحية بـبيدق جديد اسمه سولارا لإغلاق الملف.
أغلقت الدفتر البنفسجي والمخطوطة التي قامت بطباعتها، ووضعتهما في مكان آمن.
استلقت على سريرها بكامل هندامها، وعيناها معلقتان بالسقف، تراقب ظلال الليل وهي تتحرك.
لم تكن تشعر بالنعاس، بل كانت عجلاتها الفكرية تدور ببرود مرعب، ترتب النقلات، وتصيغ الردود، مستعدة للمواجهة الصباحية التي ستصدم الجميع في الكلية.
الفصل الأول:
أحياناً، يكون أثقل ما يحمله المرء، نبضات قلبه المكسورة...
كانت الرطوبة في الممر المؤدي إلى مكتب الدكتور عاصم خانقة، أشبه بهواء حُبس في قنينة زجاجية منذ عقود.
تنفستْ سولارا ببطء، محاوِلةً تهدئة الارتجاف الخفي في أطراف أصابعها الذي كاد يفضح هلعها الداخلي.
في حقيبتها الجلدية الصغيرة، يقبع التقرير الطبي الأخير لوالدها؛ الأرقام الصغيرة المطبوعة باللون الأحمر، التي تشرح حال والدها صحي السيء، لم تكن مجرد مؤشرات حيوية أو تحليلات مخبرية باردة، بل كانت عداداً زمنياً ينهش ما تبقى من استقرارهما المالي والنفسي.
كل نبضة قلب لوالدها باتت تُشترى بالدواء، والدواء يُشترى بالمنحة والمساعدات الأكاديمية، لكن المنحة والمساعدات المالية بأكملها تقف الآن خلف ذلك الباب الخشبي الثقيل الذي تفصله عنها خطوات معدودة.
تأملت مقبض الباب النحاسي. كانت السيناريوهات تتضارب في رأسها كأمواج هائجة:
ما الذي يريده رئيس القسم منها في هذا الوقت المتأخر؟
هل كُشفت محاولاتها لتأجيل دفع الرسوم؟
أم أن هناك خطأ في أوراق المنحة؟
طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة، حذرة، تكاد لا تُسمع.
جاءها صوته الرخيم، المسترخي بنبرةٍ تحمل تعادلاً فجاً بين السلطة المطلقة واللامبالاة الساخرة:
أدخل..
دفت الباب ولجت. كان الدكتور عاصم يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب البني الداكن، محاطاً برفوف من الكتب المجلدة
لم يرفع عينيه عن الأوراق أمامه فوراً.
تركها واقفة لثوانٍ طالت كأنها ساعات، قاصداً إشعارها بضآلة حجمها في معادلته الأكاديمية، وكسر أي كبرياء قد تتسلح به قبل البدء في الحديث.
نطق اسمها أخيراً دون ألقاب، ومطّ الشفتين بابتسامة باهتة ومصطنعة، من تلك الابتسامات التي لا تصل أبداً إلى عينيه الحادتين كشفرتين:
سولارا.. ،كنتُ بانتظارك..
اجلسي..
قالت وصوتها متزن رغماً عن العاصفة التي تجتاح صدرها، متمسكة بحقيبتها محاولة أخطاء توترها:
شكراً دكتور، أفضّل الوقوف..
أريد فقط معرفة سبب تجميد توصية المنحة الخاصة ببحث التخرج.
الشؤون الأكاديمية أبلغتني صباح اليوم أن ملفي معلق بالكامل بناءً على تقرير شخصي صادر من مكتبك، ثم قُمت باستدعائي .
شبك عاصم أصابعه فوق المكتب، ومال بجسده إلى الأمام قليلاً، مسلطاً عليها نظرة فاحصة، ثم قال:
المنحة، نعم .
العجلة في هذه الأمور لا تفيد يا سولارا، التدقيق واجب، خصوصاً في ظل الظروف الغامضة والمقلقة التي تمر بها الجامعة هذه الأيام، إذ أن هذه الامتيازات لا يحصل عليها الكثير هذا العام.
لسنا في وارد توزيع أموال ومقاعد مجانية دون التثبت من الجدارة الأخلاقية والاستحقاقية قبل الأكاديمية.
انقبضت أحشاؤها، وشعرت بوخزة حادة في معدتها.
ماذا تقصد بالجدارة الأخلاقية؟
بحثي حاز على التقييم الأول في المرحلة التمهيدية، وأنت تعلم...
قال الاسم بنبرة متباطئة مقصودة
- زميلتكِ..
رغد ...
- أجل ما بها ؟
- اختفاؤها المفاجئ منذ ثلاثة أيام يثير الكثير من التساؤلات والهمس في أروقة الكلية.
والتحقيقات الأولية التي تجريها إدارة الأمن بالجامعة تشير إلى أن آخر شخص شوهد يتحدث إليها في ممر المختبرات القديمة المهجورة في قبو الجامعة.. كنتِ أنتِ.
صمت قليلاً قبل أن يكمل ..
والأدهى من ذلك، أن مسودة بحثها المفقود تشابهت بشكلٍ مريب، بل متطابق بشكل كبير جداً في بعض الفصول، مع الأفكار التي طرحتِها في مشروعكِ، الذي يتكلم عن روايتك المحدثة.
شعرت سولارا وكأن الأرض تميل تحت قدميها:
أرجوا المعذرة دكتور، لكن ما هذا الهراء!؟.
هذا اتهام باطل!
رغد صديقتي المقربة، ونحن نعمل في خطين متوازيين تماماً.
أنت تعلم يا دكتور أنني أمضيت الليالي بطولها في المكتبة لجمع مراجعي، لم أسرق جهداً من أحد، ووالدي...
قاطعها الدكتور ببرود، وقال بنبرة خالية من أي وازع أو تعاطف إنساني:
والدكِ مريض، في حالة حرجة، وأيامه واضحة الحساب..
أعلم كل شيء.
ولهذا السبب تحديداً، كنتُ أظن أنكِ ستكونين أكثر حكمة وذكاءً في التعامل مع الموقف.
اتهامٌ بالسرقة الأدبية أو الضلوع في اختفاء طالبة، حتى لو ثبتت براءتكِ منه بعد أسابيع من التحقيق ، الأدلة في الحاضر كفيلة بإلغاء منحتكِ فوراً كإجراء احترازي، وربما يعمل بعض الحاقدين على تشويه سمعتكِ الأكاديمية تماماً، وربما.. وهو الأهم بالنسبة لكِ، حرمان والدكِ من التغطية العلاجية الاستثنائية التي توفرها الجامعة للمتفوقين وعائلاتهم.
الخيار بالكامل في يدكِ الصغيرتين، يا سولارا، لا نريد أن تتشوه سمعة الجامعة بسبب اختفاء فتاة، وهناك طلاب اخرين يحتاجون لهذه الامتيازات لذلك أريدك إن جاءت عائلة رغد للجامعة أو حتى بعض عناصر الشرطة لتحقيق في ظاهرة الاختفاء هذه ، أن تقولي الأمر بنفسك، أنت آكثر من يعرف عنها معلومات يا سولارا...
ساد صمت ثقيل، لم يكن يقطعه سوى طنين المصباح المكتبي وتكات ساعة الحائط التي بدت كأنها تسخر من أزمتها.
تلاقت عيناها الخائفتين بعينيه، فرأت فيهما شهوة السيطرة الدنيئة. تابع عاصم ونبرته تزداد لزوجة:
"إما أن نتفاهم حول صياغة جديدة للتقرير الأكاديمي ومشروعكِ، وتوقعي على إقرار يفيد بأن رغد هي من اقتبست من أبحاثكِ لتبرئة ساحتكِ تماماً، والتعاون معي في سياقٍ آخر سأحدده لكِ لاحقاً.. أو أترك الملف يأخذ مجراه القانوني والإداري، وعندها لن تلومي إلا نفسكِ حين تجدين والدكِ بلا دواء، وتجدين نفسكِ مطرودة خلف أسوار هذه الجامعة...
☆________________ سولارا _________________☆
كان الابتزاز عارياً، قبيحاً، وخالياً من أي تجميل أو مواربة.
شعرت برغبة عارمة في الصراخ في وجهه، في تمزيق الأوراق الملقاة أمامه، في تحطيم هذا المكتب الفخم فوق رأسه المثقل بالمؤامرات.
لكن صورة والدي وهو يبتسم لي بوجهه الشاحب المستند إلى وسادته المهترئة في البيت، منتظراً عودتي ببشارة تجديد المنحة، قيدت يدي وشلت لساني.
أنفاسي تلاحقت بشكل جنوني، وشعرت بضغط عصبي هائل يتركز خلف جبهتي، وكأن خلايا دماغي توشك على الانفجار من فرط القهر والكمد العاجز.
☆_________________ الراوية _________________☆
بدون أن تنطق بكلمة واحدة، لأن أي كلمة كانت ستخرج ممزوجة بالبكاء الذي ترفض أن يراه هذا الطاغية، استدارت وخرجت، دافعة الباب بكل ما أوتيت من قوة خانقة، تاركة خلفها ضحكة مكتومة وصوت خطواتها اللاهثة وهي تركض في الممر.
لم تكن تدري كيف قادتها قدماها عبر الممرات المتداخلة للجامعة. كانت تتحرك بدافع الهرب، هرباً من وجه عاصم، من تهديده القذر، ومن حقيقة عجزها المطلق أمام منظومة تملك كل الأوراق بينما لا تملك هي سوى شرفها الأكاديمي وصحة والدها المهددة.
وجدت نفسها تنزل السلالم الإسمنتية الضيقة والمظلمة المؤدية إلى القبو في مبنى الجامعة القديم، حيث يقبع الأرشيف المتروك للجامعة، وبعض الأوراق القديمة التي كانت تبحث فيها هي وصديقتها الصحفية رغد .
المكان هناك مهجور، موحش، ولم يدخله إنسي منذ سنوات طويلة بعد أن تم رقمنة كافة الوثائق والملفات الحديثة ونقلها إلى السيرفرات الإلكترونية.
الرائحة في الأسفل كانت تزكم الأنوف؛ مزيجٌ خانق من الغبار المتراكم منذ عقود، والورق المتآكل الذي أفسدته الرطوبة، ورائحة العفن الخفيف التي تميز الأماكن التي غابت عنها الشمس للأبد.
دفت الباب الحديدي الضخم للأرشيف، فأصدر صريراً حاداً، طويلاً، ومزعجاً مزق سكون المكان الموحش كأنه صرخة احتجاج من جوف الأرض.
تحركت بخطى متعثرة بين الممرات الضيقة، حيث كانت الرفوف الخشبية والمعدنية الطويلة ترتفع حتى السقف، مثقلة بملفات منسية، وسجلات طلاب تخرجوا أو ماتوا، وصحف صفراء ممزقة.
كانت تمشي في متاهة من النسيان، حيث الأرقام على الرفوف تتسلسل بعشوائية مربكة؛ (4)، (7)، (20)، (2).. كأن المكان نفسه يرفض الترتيب.
انحرفت يميناً، ثم يساراً، متجاهلة الرفوف التي غطتها خيوط العنكبوت. مرت دقائق شعرت فيها بضغط الصمت، كان قلبها يدق بانتظامٍ يوازي وقع خطواتها على الأرضية الإسمنتية الباردة. توقفت أمام صفٍ من الخزائن المتراصة التي بدت كأنها توابيت حديدية صغيرة، أخذت تتفحص الأرقام بتركيزٍ منهك؛ لم يكن الأمر سهلاً، فبعض الأرقام مُسحت بفعل الصدأ، وبعضها غطته طبقة سميكة من الأتربة.
كانت تبحث في زاوية، عن قبر مؤقت تختبئ فيه من العالم بأكمله ومن وجه واقعها الذي يطاردها ...
هناك، في الزاوية الأكثر عتمة حيث لا يصل حتى ضوء الممرات الخافت، كانت تقبع خزانة حديدية رمادية اللون، مائلة قليلاً إلى الأمام كأنها توشك على السقوط، وقد حُفر على جانبها العلوي الرقم (13) بخطٍ أسود سميك باهت ومقشر.
مدت أصابعها المرتجفة، التي طبعت أثراً واضحاً على طبقة الغبار التي تغطي المعدن، وضغطت على المقبض الصدئ.
تحرك المقبض بصعوبة، مصدراً صوتاً معدنياً جافاً أشبه بصرخةٍ مكتومة، وما إن انفرج الباب قليلاً، حتى اندفعت موجة كثيفة من الغبار العتيق ورائحة الزمن المحبوس، مما جعلها تسعل بشدة وتغمض عينيها، محاولةً استيعاب أن ما تبحث عنه بات الآن في متناول يدها.
حين فتحتهما، رأت الرف الأوسط؛ لم يكن يحتوي على ملفات إدارية كبقية الرفوف، بل كان هناك صندوق خشبي صغير مائل للحمرة، مصنوع من خشب الأبنوس، غير متناسق مع بقية الأثاث المعدني البارد للمكان.
فتحت الصندوق بيدين ترتعشان. بداخلة كانت ترقد مخطوطة سميكة للغاية، مجلدة بخيط خشن متين، أطراف أوراقها مأكولة بفعل العته والزمن، وعنوانها مكتوب بحبر أسود ثقيل كُتب بخط يدوي مضطرب، عنيف، لكنه يحمل أناقة غريبة وقاتمة:
"ترانيم الظل الراحل"....
وتحت العنوان الرئيسي، كُتب بخط أصغر ومائل:
إلى الذين انطفأوا قبل أوانهم.. إلى الذين سحقتهم البيادق...
تجمدت سولارا في مكانها وعادة بذاكرتها إلى أسبوع مضى...
حيث تم رفض مساعدة رغد في إكمال دراستها وإعالة أسرتها، فقررت أن تبحث عن أي شئ يمكن أن يسقط نظام الظلم في هذه الجامعة، فعمدت البحث عن مخطوطة بإسم ترانيم الظل الراحل، في هذا المكان المظلم، وتذكرت وصيتها حيث قالت لها أن تكمل البحث عنها في هذا القبو إن حدث لها شئ أو فشلت ، لعلها تستعيد حقها....
لكنها اختفت قبل أن تجد أي معلومة تساعدها، لذلك عمدت سولارا إلى البحث عن أي شئ يستطيع أن يقف بصفها أن جاءت شرطة لتسألها عن اختفاء زميلتها...
جلست سولارا على الأرض الإسمنتية الباردة، وأسندت ظهرها المتعب إلى الخزانة الحديدية، وفتحت الصفحة الأولى غير آبهة باتساخ ثيابها.
بدأت تقرأ بنهم وجنون، باحثة عن أي شيء، عن أي عالم آخر يفصلها عن واقعها المرير ويوقف النزيف النفسي والقلق الذي في صدرها.
كانت المخطوطة تحتوي على رواية تتحدث عن فتاة تُدعى آسيا، فتاة وُصفت في السطور الأولى بأنها كتلة من الجليد الأسود المتحرك فتاة ماتت بداخلها كل القدرة على البكاء أو الخوف، لا تهتز للتهديد، ولا تضعف أمام الابتزاز، تدير الصراعات والمعارك من حولها ببرود رخامي قاتل، وتحول كل مشاعرها الإنسانية وعواطفها اللامادية إلى حسابات دقيقة، جافة، وصارمة كقطع الشطرنج على رقعة مصيرية.
وبدأت تقرأ....
الخوف هو الثغرة الوحيدة التي يتسلل منها الطغاة إلى حصونكم، فإذا أغلقتِ باب الشعور بالكامل، وصهرتِ قلبكِ ليصبح جليداً، استحال عليهم العثور على مفتاح لكسركِ أو ثغرة لابتزازكِ.
في لعبة القوة، من يشعر أولاً.. يخسر أولاً.
كانت هذه العبارة المكتوبة في الصفحة العاشرة ترن في ذهن سولارا كجرس نحاسي ضخم في وادٍ فارغ.
شعرت بصدى الكلمات يتغلغل في خلايا جسدها. ومع كل سطر إضافي تقرأه، كان الضغط العصبي خلف جبهتها يزداد بشكل لا يطاق...
ثم نطقت جملة مكتوبة في منتصف صفحة كاملة:
☆"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."☆
في تلك اللحظات وبعد أن نطقت بهذه الكلمات
شعرت بجسدها يبرد تدريجياً، وأطراف أصابعها تنمل وتنقطع عنها الدماء.
الخوف اللاهب والقهر الحارق اللذان كانا يعتصران أحشاءها ويخنقان أنفاسها بدآ يتلاشيان ببطء غريب، ليحل محلهما فراغ شاسع، رمادي، ومستقر بشكل مرعب.
لم يكن هذا مجرد تأثر بكلمات كتاب؛ بل كانت تلك آلية الدفاع القصوى التي فجرها جهازها العصبي الذاتي الموشك على الاحتراق التام؛ لقد انسلخت سولارا الضعيفة إلى الداخل، وتلبّست وعي وشخصية آسيا الباردة لتنجو من الموت كمداً.
أغمضت سولارا عينيها من فرط الإجهاد والتعب النفسي، وراحت في غيبوبة نوم مفاجئة، عميقة، وخالية من الأحلام، بينما كانت يداها لا تزالان تقبضان على المخطوطة بقوة تشنجية.
حين انفتحت جفناها مجدداً بعد ساعات، لم تكن سولارا الخائفة المتوترة الضعيفة المستسلمة هي مَن استيقظت.
نظرت حولها في العتمة الدامسة التي فرضها هبوط الليل على قبو الأرشيف.
لم تكن هناك أي رجفة في جسدها، ولا دمعة عالقة في محاجر عينيها. وقفت بسلاسة ومرونة فائقة، ونفضت الغبار والأتربة عن تنورتها بحركات بطيئة، رتيبة، وموزونة بدقة متناهية كأنها آلة مبرمجة.
عيناها اللتان كانتا تفيضان بالقلق والذعر قبل ساعات، أصبحتا الآن ساكنتين تماماً...
الخوف على المنحة؟ التهديد بالطرد؟ خسارة علاج والدها؟ كل هذه الكوابيس التي كانت تدفع سولارا نحو الانتحار قبل قليل، بدت الآن مجرد معادلات رياضية تافهة وبسيطة، يمكن تفكيكها وحلها ببرود وهدوء ودون أي انفعال.
التقطت صور للمخطوطة لطباعتها، عوضا عن أخذ مخطوطة الأصلية ، لكي لا يشك أحد أنها وصلت إلى هنا فيتخلص منها كما فعلوا برغد، ووضعتهما في مكان آمن.
وضعت المخطوطة داخل حقيبتها بعناية فائقة.
مشت بخطى واثقة وثابتة، تضرب الأرض بجرأة نحو المخرج الحديدي.
لم تعد تلك الطالبة المذعورة المكسورة التي دخلت التسوية وهي تبكي بحرقة؛ وكأن تلك فتاة التي تدعى اسيا من رحم الرماد والانهيار الذي كان بداخلها، وهي الآن مستعدة لترتيب النقلة الأولى على رقعة الشطرنج المعتمة هذه، وبدء تصفية الحسابات.
لم تكن طريق العودة إلى البيت مجرد مسافة تقطعها الحافلة بين أزقة المدينة المنهكة، بل كانت لـآسيا مساحة زمنية لتفكيك جزيئات الانفعال البشري وإعادة تركيبها.
كانت تدرك بوعيها البارد الجديد أن جسد سولارا يحمل ذاكرة عضلية وعاطفية لا يمكن شطبها دفعة واحدة، بل يجب إدارتها كأداة.
قبل أن تضع المفتاح في قفل الباب الحديدي للشقة، وقفت في ليل الممر البارد، أغمضت عينيها، تلاشت ثقة التي اخذتها من آسيا وعاد قناع سولارا الحقيقي .
كان عليها محاكاة انحناءة الكتفين الطفيفة التي تسبب بها الخوف، ورسم تلك الابتسامة الدافئة التي تولد عادةً من رحم الشفقة والبر بالوالد.
فتحت الباب. انبعثت رائحة مألوفة، مزيج خانق من حساء العدس المطهو على عجالة ورائحة الأبخرة الكيميائية المنبعثة من زجاجات الدواء المصطفة فوق الطاولة الخشبية المقشرة.
كان والدها، أبو أحمد، مستلقياً على أريكته المتهالكة في غرفة المعيشة، يتدثر بعباءة صوفية رمادية غطت نحول جسده الذي نهشه المرض. كان وجهه شاحباً كجدار قديم، لكن عينيه الغائرتين التمعتا ببريق قلق ما إن وقعتا عليها.
خرج صوته متهدجاً، مصحوباً بسعلة جافة حاول كتمها في كفه المرتعشة.
تأخرتِ كثيراً يا ابنتي...
شغلني البال عليكِ، والجامعة في هذه الأيام لم تعد مكاناً آمناً بعد ما سمعناه عن اختفاء تلك الطالبة..
اقتربت منه بخطوات رتيبة، انحنت وطبعت قبلة على جبينه المتعرج. كان الجبين ساخناً بفعل الحمى الخفيفة، لكن شفتيها كانتا ببرودة الصقيع.
حاولت تليين نبرتها لتطابق صوتها الهادئ المعتاد وقالت:
المكتبة كانت غاصة بالطلبة يا أبي، وتدقيق مراجع الفصل الأخير من البحث استغرق من وقتي أكثر مما توقعت.
كيف حالك أنت، وحال جرعة المساء؟
هل تناولتها في موعدها؟
تناولتها، وجارتنا أم أمجد أحضرت لي الحساء جزاها الله خيراً.
نظر إلى عينيها ملياً، وكأن حساً أبوياً غامضاً يخبره بأن الفتاة الواقفة أمامه ليست بكامل تفاصيلها التي يعرفها ..
لكن وجهكِ يحمل جموداً غريباً يا سولارا، وعيناكِ.. تبدوان كأنها تنظران إلى شيء لا أراه.
هل ضايقكِ أحد في الكلية؟
هل هناك مشكلة في المنحة؟
ثبتت نظرتها دون أن يرف لها جفن، ولم تسمح لترددها الكامن في الأعماق أن يطفو على السطح أمام والدها أبداً...
ابتسمت بزاوية شفتيها محاولة الثبات وثقة وقالت:
بل على العكس تماماً يا أبي.
الأمور تسير وفق ما خططت له بدقة.
المسؤولون أبدوا اهتماماً استثنائياً بمسودة بحثي، وتجديد المنحة بات مسألة وقت وإجراءات روتينية لا غير.
ارتح أنت ولا تشغل بالك بالجامعة.
ساعدته على الاستلقاء، ودثرت قدميه بعناية ميكانيكية تخلو من اللهفة لكنها تؤدي الواجب بأعلى كفاءة، ثم انسحبت هادئة نحو غرفتها.
أغلقت باب غرفتها الصغيرة بالمزلاج. كانت الغرفة تعكس تفاصيل سولارا لقديمة:
باقة من الورد المجفف المعلق مقلوباً على الحائط، بضع روايات كلاسيكية مرتبة بعناية، وإضاءة صفراء خافتة تمنح المكان شعوراً بالدفء الزائف. تنصلت آسيا من ذلك كله ببرود.
جلست خلف المكتب الخشبي الصغير، ولم تخلع ثيابها ولا حذاءها؛ كانت في حالة استنفار تليق بجندي على جبهة.
أخرجت المخطوطة القديمة ترانيم الظل الراحل من حقيبتها ووضعتها جانباً كمرجع أساسي، ثم مدت يدها واستلت من الدرج المكسور الدفتر البنفسجي – المستودع السري الذي تدون فيه ضعفها، كوابيسها، ومشاعرها المفرطة.
فتحت صفحة بيضاء، وأمسكت بقلم الحبر الأسود. لم تكن حركة يدها تشبه خط سولارا المعتاد بأحرفه الدائرية المندفعة التي تعكس التردد؛ بل تحرك السن بحركة حادة، مائلة، وقاطعة كالشفرات الإسمنتية.
حينها عادت شخصية آسيا تملك سولارا مرة أخرة كتبت آسيا في الدفتر، مستهدفة وعي سولار المستتر خلف حجب الدفاع العصبية:
لقد تسلمتُ القيادة الليلة يا سولارا نيابة عنكِ.
عاصم ظن أنه يبتز فتاة مكسورة الجناح يمكن سحق مستقبلها بتقرير أكاديمي مبطن، ولم يدرك بغبائه وجشعة أنه فتح الباب للشخص الخطأ.
سأحميك من قسوة العالم، سوف أكون خيرا حليف لكِ يا سولارا ، وسأستعيد المنحة، وسأجبر هذا الطاغية على دفع الثمن من رصيده الأكاديمي والأخلاقي.
لكن بالمقابل، عليكِ أن تظلي في قاع الظل لبعض الوقت؛ مشاعركِ الرقيقة وخوفكِ اللاهب هما الوقود الذي يتغذى عليه هؤلاء.
الخوف خطيئة سيكولوجية لا نملك ترف ارتكابها الآن.
أن كنت تريدي أن تستدعيني يا سولارا. قولي أو أكتبي
☆"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."☆.
حينها فقط آتي لأمنحك قوة لمواجهة هذا العالم...
وضعت آسيا القلم جانبا ، ثم تصفحت المخطوطة التي بحوزة سولارا تصفحت الأوراق الأخيرة للمخطوطة تحت الضوء الشاحب، لتتوقف عند إحدى الصفحات الذي كتبت بخط يد مرتجفة :
عاصم ليس سوى قطعة حصان في لعبة الشطرنج.
تتحرك بشكل ملتوٍ لحماية الملك المختبئ خلف المكاتب العاجية.
لحظة صمت في الأرجاء ...
هذا... هذا خط يشابه خط رغد، إذن يبدوا أن رغد وصلت لهذه المخطوطة بالفعل، وعرفت حقيقة هذه المنظومة بالكامل ، لكن يبدوا أنهم أوقفوها قبل إخباري بذلك....
أدركت آسيا اللعبة تماماً؛ اختفاء رغد لم يكن جريمة شغف أو غياب عشوائي، بل تصفية حسابات أدبية وسياسية داخل أسوار الجامعة، وعاصم هو الأداة التنفيذية التي تحاول الآن التضحية بـبيدق جديد اسمه سولارا لإغلاق الملف.
أغلقت الدفتر البنفسجي والمخطوطة التي قامت بطباعتها، ووضعتهما في مكان آمن.
استلقت على سريرها بكامل هندامها، وعيناها معلقتان بالسقف، تراقب ظلال الليل وهي تتحرك.
لم تكن تشعر بالنعاس، بل كانت عجلاتها الفكرية تدور ببرود مرعب، ترتب النقلات، وتصيغ الردود، مستعدة للمواجهة الصباحية التي ستصدم الجميع في الكلية.