انقشع ليل المدينة عن صباحٍ خريفي شاحب. لم تكن خيوط الشمس تحمل دفئاً، بل كانت مجرد إضاءة بيضاء محايدة تسللت عبر زجاج الحافلة لتكشف الملامح الجامدة للركاب.
استيقظت سولارا، غير مدركة لتلك الراحة التي شعرت بها ليلة الامس...
فتحت دفترها وقرأت ما كتبته تلك التي تدعى اسيا، في بادئ الامر كانت تشعر بقليل من خوف الممزوج بغرابة لكنها سرعان ما شعرت براحة اذ أن هناك طاقة أمانة تستطيع أن تستدعيها لكبح خوفها وتوترها....
تذكرت أن اليوم سوف يكون يوم صعب في جامعة، لكنها سرعان ما أدركت أنها تستطيع أن تستدعي آسيا...
ثم قالت في نفسها إن اليوم يا آسيا سيكون صعباً.
لذلك تولي الإشراف عليه...
"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."
☆_______________ آسيا _______________☆
جلستُ في المقعد الخلفي، أراقب حركة الشارع بركود تام.
كانت سولارا في أعماقي تحاول الاستيقاظ، تضرب جدران وعيي برغبة عارمة في البكاء كلما تذكرتْ وجه والدها وهو يودعها عند الباب، لكنني كنتُ أضغط عليها، أعيدها إلى القاع الصامت؛ فاليوم ليس يوم العواطف.
اليوم تُدار النقلة الأولى على رقعة عاصم.
حين وطئت أمامي ساحة الجامعة، كان الجو مشحوناً بترقب غير معتاد، كان مشهد مختلفاً هذه المرة بطريقة غريبة....
سيارتا شرطة تتربعان أمام المبنى الرئيسي، والطلبة يتجمعون في حلقات صغيرة يتبادلون الهمسات.
تحركتُ بينهم كظلٍ لا يثير الانتباه، حتى وصلتُ إلى مبنى الكلية. عند نهاية الممر، كان هناك عسكري يقف أمام باب مكتب رئيس القسم، وبجانبه الدكتور عاصم الذي كان يبدو متوتراً، يمسح حبات العرق عن جبينه رغم برودة الطقس.
ما إن رآني عاصم حتى التمعت عيناه ببريق خبيث، منادياً:
"سولارا!
يا ابنتي تعالى إلى هنا لو سمحتِ.
هناك من يريد التحدث إليكِ"...
دخلتُ المكتب ولم يكن هناك أثر للخوف في نبضي.
الغرفة التي ارتعدتْ فيها سولارا بالأمس بدت لي اليوم مجرد مسرح دمى صغير. خلف المكتب كان يجلس المحقق صلاح، رجل أربعيني بعينين غائرتين ونظرة فاحصة اعتادت تشريح أكاذيب المجرمين.
لم أنتظر أن يأذن لي بالجلوس، سحبتُ المقعد الخشبي بهدوء وجلست، وضعتُ حقيبتي على ركبتي وثبتُّ نظري في عينيه مباشرة. رأيتُ في ملامحه ارتباكاً طفيفاً؛ فالفتيات في سن سولارا عادةً ما ينهرن باكيات في ظروف كهذه، لكنه واجه كتلة من الجليد .
سأل المحقق صلاح وهو يفتح دفتراً صغيراً يبدوا أنه مدونة ما:
إذن يا ابنتي ، أريد منكِ ألا تخافي فقط نريد أن نأخذ بعض المعلومات....
- هل أنتِ سولارا، زميلة رغد في السكن الجامعي والمشروع الأكاديمي، وسمعت أنك صديقتها أيضاً ؟
- صحيح كلامك يا حضرة المحقق....
- الدكتور عاصم أفاد بأنكِ كنتِ آخر من التقى بها في ممر قبو الجامعة القديم، وأن هناك خلافاً بينكما حول سرقة مشروع تتعلق ببحث التخرج.
- ما رأيك، هل هذا الكلام، هل هو صحيح..
☆_______________آسيا_______________☆
لم ألتفت نحو عاصم الواقف عند الباب، بل ظللتُ مسمرة نظرتي بوجه المحقق، سولارا بداخلي خائفة ومترردة وأنا أحاول أن أسيطر على موقف بأسلوبي خاص، بعيداً عن خوفها الداخلي...
الخلاف الأكاديمي لا يصنع اختفاءً مفاجئاً يا سيادة المحقق.
والدكتور عاصم يخلط بين التدقيق في المراجع وتشابهها وبين الخلاف.
رغد لم تكن خصمتي، بل كانت تبحث عن شيء محدد في الأرشيف القديم، شيء يتعلق بـتاريخ المنح وطرق التي تجري بها القواعد في هذه الجامعة.
ربما من الأفضل أن تسأل الدكتور عاصم عن سبب قلقه من الأبحاث التي تجرى في ذلك القبو.
شحب وجه عاصم فجأة، وخطا خطوة للأمام قائلاً بغضب مكتوم:
"ما هذا الهراء؟!
المحقق يسألكِ عن مكان زميلتكِ، وأنت آخر من كان معها، فكيف تهينيني ، أجيبي بقدر سؤاله ولا تطيلي الحديث بتفاهات."
☆_______________ سولارا ______________☆
كنتُ أسمع حواري مع المحقق وأنا أرتجف في قاع المظلم.
آسيا تلعب بالنار!
إنها تلمح لفساد عاصم أمام الشرطة دون دليل قاطع.
أردتُ أن أصرخ بها:
توقفي! سيلغون منحتنا، سيموت أبي بلا دواء!...
لكن يديها اللتين أتحكم بهما الآن كانتا مسترخيتين تماماً فوق الحقيبة، ولم تمنحني آسيا حتى فرصة لتغيير نبرة الصوت.
كانت تدير المواجهة بكبرياء انتحاري مرعب...
☆________________آسيا________________☆
التفت المحقق صلاح نحو عاصم، ثم أعاد نظره إليّ، وبدا أن لغتي الفصحى المتزنة وثقتي المطلقة قد أثارت فضوله الذكي:
"الأرشيف القديم؟ وماذا عساها أن تجد هناك؟"
أخرجتُ من حقيبتي ورقة صغيرة مطوية، كنت قد نقلتُ فيها الشيفرة الأولى من مخطوطة، وضعتها على المكتب ودفعتا بأطراف أصابعي نحوه.
هذه أبيات شعرية تركتها رغد في كتاب استعرتهُ منها قبل أسبوع. تقول الأبيات:
إذا غاب الوزير خلف الحجاب
فابحث عن الحصان في خزانة الحساب..
في جامعتنا يا سيادة المحقق، خزانة الحساب ليست مجرد مجاز، بل هي الخزانة رقم 13 في قبو الأرشيف السري.
هناك بدأت رغد بحثها، كونها شخصية فضولية تحب الاستكشاف اي شئ جديد لصناعة محتوى غريب ، وهناك تملك الجامعة أسراراً تفوق حجم بحث تخرج بسيط.
ساد صمت مطبق في الغرفة. المحقق صلاح التقط الورقة وتأمل الخط، بينما كان عاصم يتراجع خطوة للخلف وهو يشعر بأن رقعة الشطرنج التي أعدها لسحق سولارا، بدأت قطعها تتحرك في اتجاهات لم يحسب لها حساباً. حصان الشرطة دخل اللعبة،
لكن آسيا هي من كانت تحرك البيادق ببرود قاتل.
تغيرت تعابير وجه المحقق صلاح فوراً؛ انخفضت حاجباه، والتقط الورقة بيده متفحصاً الحبر والخط ونوعية الورق بدقة، ثم رفع عينيه ببطء شديد يسودها صمت رهيب نحو الدكتور عاصم.
في تلك اللحظة، شحب وجه عاصم بالكامل، وتلاشت حمرته الأكاديمية الفخمة، واستحالت ملامحه إلى قناع مشوه من الذعر المكتوم والاضطراب الذي حاول مواراته بالتحرك نحو النافذة.
قال عاصم ونبرته تهتز وتتقطع لأول مرة منذ بدء المواجهة:
"إنه كلام فتاة لا تدرك ما تقول يا سيادة المحقق، أرجوا ألا تأخذ كلامها على محمل الجد .؟"
"هذه مجرد ترهات وهلوسات طالبة تعاني من ضغوط الامتحانات وضيق الوقت، تحب أن تلعب مع صديقتها دور المستكشفات .... الأرشيف القديم مغلق بالكامل بقرار رسمي من مجلس الأمناء منذ سنوات طويلة، ولا يحتوي في جوفه سوى على أوراق تالفة وسجلات منتهية الصلاحية لا قيمة لها."
وقف المحقق صلاح من خلف مكتبه بحركة حاسمة، وأغلق دفتره الجلدي الأسود مسبباً صوتاً جافاً.
نظر إلى سولارا بنظرة مطولة تحمل الكثير من التقدير والغموض ثم قال:
"شكراً لكِ يا آنسة سولارا. شهادتكِ وإفادتكِ تمت تدوينهما بالكامل في المحضر الرسمي.
يمكنكِ المغادرة الآن والتوجه إلى قاعة المحاضرات لمتابعة يومكِ الدراسي، وسنستكمل نحن فحص هذه المعطيات الجديدة بطريقتنا الخاصة."
انسحبت سولارا من المقعد بذات الهدوء الرتيب والاتزان الصارم. التقطت حقيبتها، وتحركت بخطى واثقة نحو مخرج المكتب الخشبي.
وقبل أن تضع يدها على المقبض لتفتح الباب، التفتت برأسها قليلاً لتلتقي عيناها بعيني الدكتور عاصم لثانية واحدة أخيرة؛ لم تكن نظرة تشفٍّ عابرة أو تهديد صبياني، بل كانت نظرة رمادية، ساخرة، ومستقرة، كنظرة لاعب شطرنج محترف يراقب بيدقاً يخطو خطوته الأولى برعب نحو الهاوية الحتمية...
لم تكن ردهة الكلية قد استعادت هدوءها بعد عندما انصرف رجال الشرطة.
كانت الخطوات المبتعدة للمحقق صلاح تترك خلفها صدىً ثقيلاً على الأرضية الرخامية المتآكلة.
تحركت آسيا نحو المخرج الجانبي المؤدي إلى حدائق الكلية الخلفية، حيث تقل حركة المشاة وتتحول الممرات إلى مساحات معزولة تفوح منها رائحة شجر السرو والندى الراكد.
لم تكد تقطع نصف الممر حتى سمعت وقع خطوات سريعة، عنيفة، تنم عن غضب مكتوم يلاحقها.
لم تلتفت، ولم تسرع خطوتها، بل حافظت على إيقاعها الرتيب حتى تجاوزها ظل ضخم حجب عنها الضوء الضئيل المتسلل من النوافذ العلوية.
كان الدكتور عاصم يقف أمامها الآن، مستنداً بذراعيه على الجدارين الجانبيين للممر الضيق، ليغلق عليها منفذ العبور بالكامل.
كان وجهه محتقناً، والوريد في صدغه الأيمن ينبض بعنف كأنه يوشك على الانفجار.
تلاشت المسافة الأكاديمية تماماً، وحلت محلها غريزة حوت يشعر بأن الشبكة بدأت تضيق حول زعانفه.
خرج صوته فحيحاً منخفضاً، حاداً كالشفرة، متجنباً أن يصل الصدى إلى الردهة الرئيسية :
- أنتِ تلعبين بالنار يا سولارا...
من أين لكِ بتلك المعلومات؟..
لا بل من أين اكِ بهذه الثقة العمياء...
ومن سمح لكِ بنبش القذارات في قبو لا يخصكِ؟
رغد كانت غبية، ظنت أن الورق القديم قد يحميها ، أو أته سوف يعيد لها حقها في طابور المساعدات، لكنها عوقبت وفشلت.
وأنتِ تسيرين في ذات الجنازة.
نظرت آسيا إلى عينيه المحمرتين دون أن ترمش.
كان جمودها مستفزاً، كأنها تنظر إلى جدار إسمنتي صامت وليس إلى رجل يملك مصيرها الأكاديمي....
قالتها بنبرة منخفضة للغاية، لكنها كانت حاسمة ومستقرة:
- النار لا تحرق الجليد يا دكتور، بل تحوله إلى ماء يغرق الجميع،"
رغد لم تكن غبية، خطؤها الوحيد أنها واجهتك بلغة العاطفة والعدالة، وهي لغة لا تفهمها المنظومة هنا، أنت تستحق أن يتحدث معك باللغة التي تفهما ..
أما أنا، فلا أبحث عن عدالة؛ أنا أرتّب النقلات فقط.
الحصان الذي وضعته أمام المحقق صلاح لم يكن اتهاماً، بل كان تحذيراً لك لتدرك أن الرقعة لم تعد ملكك وحدك، لا تظن أنك الوحيد البارع في لعبة الشطرنج.
مال عاصم برأسه نحوها، وتراجعت نبرته الغاضبة ليحل محلها تهديد مبطن وأكثر قذارة:
والدكِ.. أبو أحمد.
هل تظنين أن جسده الواهن سيتحمل انقطاع المصل الأسبوعي؟
لجنة المنح ستجتمع بعد غدٍ صباحاً، وبكلمة واحدة مني، سيتحول تقريركِ الطبي إلى ورق مهمل في سلة المهملات، وتتحول منحتكِ إلى طالب آخر.
سيموت والدكِ في سريره وأنتِ تبحثين عن رموز شطرنج في الأرشيف.
تذكري هذا جيداً قبل أن يطلبكِ المحقق مجدداً، فكري ما مقدار الغضب الذي سوف ينهال عليك إن تجاوزتي حدودك مرة اخرى...
اعتدل في وقفته، ونفض سترته بحركة حانقة، ثم استدار ومشى مبتعداً بخطى ثقيلة، تاركاً خلفه ثقلاً نفسياً كافياً لسحق أي فتاة في العشرين من عمرها.
لكن آسيا لم تتحرك، انتظرت لثوانٍ حتى اختفى صوته تماماً، ثم مدت يدها وجست نبض معصمها الأيسر؛ كان منتظماً، هادئاً، ولم يتجاوز السبعين نبضة في الدقيقة.
أصلحت وضع حقيبتها على كتفها، واستدارت لتكمل طريقها نحو التسوية.
عاصم قدّم لها لتوّه المعلومة الأهم دون أن يدري:
لجنة المنح تجتمع بعد غد، وهذا يعني أن لديها أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة لإنهاء اللعبة وكش ملك.
عادت آسيا إلى التسوية، تسللت إلى الممرات المظلمة للأرشيف بخطوات لا تردد فيها حتى بلغت الخزانة رقم (13).
سحبت المخطوطة الأصلية التي تركتها في المرة السابقة "ترانيم الظل الراحل" من صندوق الأبنوس.
هذه المرة، لم يكن الهدف القراءة السطحية، بل تفكيك البنية التحتية للنص؛ فعاصم أكد لها دون وعي أن الماضي والحاضر يشتبكان في هذا المكان.
قلبت الصفحات المتآكلة حتى بلغت منتصف المخطوطة، حيث يتغير إيقاع الحبر مستحيلاً إلى لون بني داكن، باهت ومخلوق بالزيت.
كان هذا الجزء يحتوي على نصوص أدبية تبدو في ظاهرها تشريحاً سيكولوجياً لشخصيات روائية انتحرت، لكن بالتدقيق في الهوامش السفلى، تبين أن الكاتب المنتحر قبل ستة أعوام (كان يوقع باسم الظل الراحل) قد ترك اعترافات ممتدة بالتواريخ والأسماء.
كانت النصوص تتحدث عن شبكة ابتزاز مالي وأكاديمي أدارتها رؤوس كبيرة في الجامعة عام 2021، وهي ذات السنة التي أشارت إليها رموز رغد.
الشبكة كانت تستهدف ملفات المنح والتبرعات الخارجية المقدرة بمئات الآلاف، وتجبر الأساتذة الشرفاء على التوقيع على تقارير مزورة تحت التهديد بتشويه السمعة أو حرمان عائلاتهم من الرعاية، تماماً كما يفعل عاصم الآن.
وقعت عيناها على سطر مكتوب بخط يبدوا حديث نسيباً في نهاية الصفحة المئة:
الملك لا يجلس في قاعة المحاضرات، الملك يدير القلعة من مبنى رئاسة الجامعة.
عاصم ليس سوى عضوا حراسة يتقاضى ثمن صمته بكرسي العمادة القادم.
الملف الأصلي لعام ٢٠21 مخفي خلف اللوحة الزيتية في مكتب رئيس القسم.. النقلة القادمة تتطلب التضحية بالوزير.
استقامت آسيا في جلستها، وأطبقت على المخطوطة بقوة.
الصورة اكتملت بالكامل؛ اختفاء رغد كان بسبب وصولها إلى هذا الحد من الشيفرة ومحاولتها مواجهة الرؤوس الكبيرة في رئاسة الجامعة دون غطاء حمائي.
عاصم ذعر لأن الورقة التي قدمتها آسيا للمحقق صلاح تعني أن الشرطة ستبدأ بالنبش في القبو، وإذا وصلوا إلى اللوحة الزيتية في مكتبه، ستنتهي المنظومة بأكملها.
نظرت آسيا إلى العتمة المحيطة بها، وشعرت بوعي سولارا يتحرك في الأعماق برعب وجزع على حياة والدها والمنحة المهددة بعد غد. لكن آسيا أخرست ذلك الصوت الداخلي ببرود رخامي؛ فالخطة الآن انتقلت من الدفاع إلى الهجوم الشامل.