كانت عقارب الساعة الجدارية في الصالة الصغيرة تشير إلى الرابعة والربع فجراً، حين انفتحت جفنا سولارا فجأة في عتمة غرفتها المطبقة.
استيقظ الجسد، لكن الوعي الذي عاد إلى السطح هذه المرة لم يكن وعي آسيا الرخامي، بل كانت سولارا الحقيقية، الضعيفة، التي غابت عن الوعي طوال ساعات المساء الماضية كمن غرق في بئر عميقة بلا قاع.
كان سكون الفجر في الشقة القديمة يفوح برائحة المسكنات الراكدة، ممزوجة ببرودة قارسة تسللت من شقوق النافذة الخشبية لتستقر في عظامها.
تردد صدى أنفاس والدها، أبو أحمد، الثقيلة والمتقطعة من خلف الستار الفاصل للصالة، وكان كل صوت شهيق يخرج من صدره المتعب ينزل على قلبها كضربة سوط.
شعرت بثقل غريب يكبّل أطرافها، وكأن دماءها تحولت إلى رصاص مسكوب. تذكرت كل شيء؛ تذكرت كيف واجهت آسيا المحقق صلاح ببرود انتحاري، وكيف ألقت بورقة الشيفرة على مكتبه، وتذكرت وهو الأشد رعباً فحيح الدكتور عاصم في الممر الجانبي وهو يهددها بقطع دواء عن والدها وشطب اسمها من كشوفات المنحة التعليمية.
جلست على حافة السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وأسندت ذقنها عليهما وهي ترتجف بعنف تشنجي لم تقو على كبحه.
الخوف، ذلك الوحش الكامن الذي نجحت آسيا في تخديره وعزله، استيقظ الآن بكامل ضراوته وجوعه، لينهش ما تبقى من تماسكها النفسي.
فكرة أن لجنة المنح الأكاديمية ستجتمع بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، وأن اسم والدها قد يُشطب نهائياً من كشوفات الرعاية الطبية الاستثنائية التي توفرها الجامعة، كانت كفيلة بجعل دموعها الحبيسة تنفجر بغزارة، حارقةً وجنتيها الشاحبتين.
همست بصوت مبحوح ومخلوق بالبكاء وهي تتأمل كفيها المرتعشتين في الظلام:
ماذا فعلتِ بنا يا آسيا؟.
"لقد ألقيتِ بنا في جوف العاصفة.. نحن لا نملك نفوذاً، ولا ظهراً يحمينا، وعاصم يستطيع سحقنا بجرّة قلم واحدة.
كيف تجرأتِ على تهديده بالشرطة؟"
نهضت من سريرها بتعثر، وقادتها قدماها الحافيتان فوق البلاط البارد نحو المطبخ الصغير لتعد جرعة الدواء الصباحية لوالدها. كان الضوء الأصفر الشاحب للمصباح الصغير يعكس ظلال أواني الطهي القديمة المترتبة على الرفوف.
سحبت علبة المصل الكيميائي من الثلاجة، وقرأت الأرقام المطبوعة على غلافها بتدقيق يملؤه الذعر؛ لم يتبق في الأنبوب الزجاجي سوى جرعتين فقط، وثمن العلبة الجديدة يعادل ثمن قوت أربعة أشهر كاملة لا تملك منها قرشاً واحداً.
شعرت بغصة حادة في حلقها كأنها زجاج مكسور، أرادت البكاء والانهيار ، لا بل أنه خلال الدقائق القادمة لربما تقوم بانهيار عصبي، حينها بلغ العجز أقصى ذروته وقبل أن يوشك جهاز العصبي على الانفجار قررت أن تستدعي آسيا لعلها تهرب من ضعفها وتعب الاعصاب الذي تسببت به تصرفات آسيا الجريئة...
"أنا شظايا نجمة، ترفض أن يبتلعها الظلام."...
وفي تلك اللحظة بالذات، أحست ببرودة مألوفة، حاسمة وصارمة، تبدأ بالتسلل من أسفل عمودها الفقري لتنتشر في عروقها كالمصل المجمد.
كانت تلك آلية الدفاع القصوى تستجيب لنداء الاستغاثة البيولوجي؛ تراجعت الدموع إلى الوراء، واستقامت وقفتها، وتحولت ملامح وجهها في مرآة المطبخ الصغيرة من التشنج الباكي إلى الجمود الرخامي الصامت.
لقد غاصت سولارا مجدداً في العتمة، وعادت آسيا لتمسك بزمام المقود، متمتمه في سرها بنبرة جافة لا تعرف الشفقة:
لا تخافي مني يا سولارا ان عالمكم قاسي بحاجة لشخصيتك القوية الدموع لا تشتري الدواء يا سولار، دعي العواطف لي.. فالرقعة بحاجة إلى نقلة هجومية الآن....
في تمام الساعة السابعة صباحاً، كانت أسوار الجامعة الضخمة تلوح من بعيد عبر ضباب كثيف غلف البنايات الإسمنتية كأنه كفن رمادي عتيق.
كانت الحركة في الساحات الخارجية للجامعة راكدة، شبه منعدمة؛ فالطلبة يفضلون البقاء في قاعات الانتظار الدافئة أو المقاهي المحاذية للسياج بانتظار تبدد برد التشرين الصباحي، والشرطة خففت من تواجدها الظاهر بعد أن نقل المحقق صلاح ملف الاستدلال الأولي إلى مقر المديرية لمطابقة الخطوط والشيفرة.
تحركت آسيا بين ظلال الأشجار بخطى مدروسة، رتيبة وخفيفة، متجنبة تماماً الممر الرئيسي المؤدي إلى قسم الأدب العربي حيث يقبع مكتب الدكتور عاصم. كان هدفها واضحاً، دقيقاً، ومحسوباً بناءً على الأسطر التي فكت رموزها بالأمس في القبو: الوصول إلى مكتب رئيس القسم ذاته في وقت غيابه، وتحديداً في تلك الفجوة الزمنية التي تسبق وصول السكرتيرة في الثامنة والنصف صباحاً.
☆________________آسيا ________________☆
تسللت عبر الباب الخلفي المخصص لعمال الصيانة والخدمات، حيث كانت الإضاءة شبه منعدمة، والرائحة تعبق بمزيج حاد من الكلور والمنظفات الكيميائية الرخيصة. صعدت السلالم الإسمنتية الدائرية خطوة بخطوة، ولم يكن صدري يعلو أو يهبط جراء الصعود؛ فالبرود السيكولوجي الذي يغلفني كان يتحكم حتى في معدل ضربات قلبي.
كل خطوة كانت تتطلب حذراً مضاعفاً؛ فالوقوع في هذا المكان وفي هذا التوقيت يعني توجيه تهمة جنائية مباشرة بالسرقة أو التجسس، وهي الورقة التي يبحث عنها عاصم لينهي وجودي ، أو يجعلني أكف عما أفعله، يجب على أن أكون أكثر حذرا، لأثبت لك يا سولارا أنني على صواب .
وصلت إلى الطابق الثالث، ووقفت في نهاية الممر المهجور أمام الباب الخشبي الثقيل لمكتب رئيس القسم، والمصنوع من خشب البلوط الداكن عليه شعار الجامعة النحاسي.
وضعت أذني اليمنى على سطح الخشب البارد، واستمعت لثوانٍ طالت كأنها دهر لأي حركة أو أنفاس بالداخل؛ كان السكون مطلقاً ومطمئناً. وبينما كنت أنصت، تذكرت تلك اللحظة قبل يوم، حين أدركتُ أن الحصول على المفتاح البرونزي من مكتبه المستحيل هو مفتاحي الوحيد للحقيقة.
راقبتُ عاصم من خلف ستائر القاعة وهو يضع سلسلة مفاتيحه على الطاولة الجانبية ليغسل يديه، تسللتُ كخيط دخان، دقات قلبي -في تلك المرة- كانت تقرع كالطبول، بينما كانت يداي ترتجفان تحت قفاز جلدي أسود. التقطت نسخة من قالب المفتاح بصلصال حراري كنت قد جهزته مسبقاً، مستلهمة هذه الفكرة من إحدى الأفلام ،ضغطتُ بقوة بينما كان صوت الماء يغطي على أنفاسي المحبوسة، ثم أعدت المفتاح لمكانه قبل أن يلتفت بجزيء من الثانية. كان نجاحي في صب المفتاح برونزياً لاحقاً هو ما قادني إلى هذه اللحظة؛ إلى هذا الباب.
أخرجت المفتاح البرونزي من جيبي، وأدخلته في جوف القفل ببطء شديد، ملميمتراً تلو الآخر، حريصة كل الحرص على ألا يصدر أي صرير معدني قد يثير انتباه عامل النظافة الذي كان يجر عربته الحديدية في الطابق السفلي.
دار القفل دورتين كاملتين بنجاح، فدفعت الباب ولجت إلى داخل الغرفة الفخمة، ثم أغلقت الباب خلفي وأنزلت المزلاج الداخلي فوراً، لأصبح في معزل عن العالم الخارجي.
تلاقت أنفاسي الباردة مع هواء الغرفة الدافئ الفاخر، الذي تفوح منه رائحة التبغ الإنجليزي والسجاد العجمي العتيق وخشب..
لم أضيع ثانية واحدة في تأمل الفخامة الأكاديمية التي تُبنى على حساب دماء المتفوقين؛ بل توجهت عينايَّ مباشرة كالسهم نحو الهدف الرئيسي: اللوحة الزيتية الضخمة ذات الإطار الذهبي المزخرف التي تتوسط الجدار الواقع خلف المكتب الجلدي الكبير، والتي تمثل مشهداً كلاسيكياً لخيول برية متمردة تركض في وادٍ سحيق يغطيه الضباب.
تقدمت نحو المكتب بخطى ثابته ومستقرة، دون أي تراجع أو تردد. صعدت فوق المقعد الجلدي الدوار، متجاهلة احتمالية ترك أثر لحذائي فوق جلده الفاخر، لأتمكن من الوصول بيدي إلى الحافة العلوية للإطار الذهبي الثقيل. كانت أصابعي تتحرك بهدوء ميكانيكي بارد؛ رفعت الطرف الأيمن للإطار برفق شديد وميلان دقيق لتجنب إحداث أي صوت احتكاك بالجدار الإسمنتي.
ظهر خلف اللوحة تجويف مربع صغير ومظلم محفور داخل الجدار، مغطى بقطعة من القماش الصوفي الرمادي لحمايته من الأتربة والرطوبة.
مددت يدي اليمنى داخل التجويف، فلامست أصابعي سطحاً معدنياً بارداً وقاسياً. سحبته كان صندوقاً حديدياً صغيراً، مستطيلاً، لكنه كان مقفلاً بقفل رقمي ميكانيكي قديم يتكون من أربع خانات دائرية. في تلك اللحظة، شعرت بـسولارا تنتفض داخلي؛ تلبسني رعبٌ مفاجئ، وضربات قلبي بدأت تتسارع بعنف حتى كدت أسمع صدى نبضي في أذنيّ.
تسرب خوفها إليّ كسمٍ بارد، مما جعل يداي ترتجفان بشكل لا إرادي بينما كنت أنزل من فوق المقعد بسلاسة لأضع الصندوق على المكتب الخشبي المصقول تحت الضوء الضعيف المتسلل من وراء الستائر المخملية.
نظرت إلى العجلات المعدنية للقفل، وعدتُ بذاكرتي البصرية إلى الصفحة المئة من المخطوطة القديمة، وتحديداً إلى السطر المكتوب بخط تلك اليد التي بدت كأنها ترتجف: "الماضي يعيد نفسه بذات الشيفرة، والتاريخ لا يمحو الأرقام". سنة تأسيس الشبكة الأولى واختلاس التبرعات كانت ٢٠٢١.
أدرت العجلات بأصابع مرتجفة؛ جربت الرقم (٢٠٢٠) ظناً مني أنها سنة التخطيط، لكن القفل ظل صامداً بقسوة. شعرت بضيق في تنفسي، وكأن سولارا تحاول التراجع، فأدخلت المحاولة الثانية (١٩٩٨) تاريخ التأسيس القديم، لكن لا شيء حدث.
طقة خفيفة جاءت رداً على خطئي، فزاد توتري وتصبب العرق البارد على جبيني. أغمضت عيني، أجبرتُ نفسي على الهدوء، وعدتُ للتركيز: (٢).. ثم الرقم (٠).. ثم الرقم (٢).. وأخيراً الرقم (١).
سُمعت طقة معدنية خفيفة وحاسمة أعلنت استسلام القفل الميكانيكي. فتحت غطاء الصندوق ببطء، ليظهر في جوفه ملف ورقي أصفر سميك متآكل الأطراف بفعل الزمن والعفن، تفوح منه رائحة قوية للرطوبة القديمة والورق المتروك للموت.
كان الغلاف الخارجي يحمل ختماً سرياً أحمر قانيا يعود لإدارة الشؤون القانونية والمالية للجامعة قبل ستة أعوامً.
فتحت الصفحة الأولى، لأجد أمامي وثائق وقوائم بالأسماء، والتواريخ، وأرقام الحسابات البنكية الخارجية؛ وفي مقدمة تلك الأسماء، كمسؤول أول عن تزوير تقارير المنح الأكاديمية واختلاس تبرعات المانحين عام ٢٠٢١، كان اسم عاصم عندما كان معيداً صغيراً يبيع شرفه لأجل الترقي، وبجانبه اسم شخص آخر يشغل الآن منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية والإدارية يدعى مروان.
لم تكن رغد تبحث عن مجرد سرقة أدبية تافهة لخطتها البحثية؛ بل عثرت على المستند التاريخي الأسود الذي يملك القدرة الصاعقة على هدم الهيكل الأكاديمي بأكمله على رؤوس الطغاة القابعين فيه.
☆__________________ الراوية_________________☆
لم تمنح آسيا نفسها ترف الغرق في ذهول الكشف؛ فالمشاعر، حتى لو كانت نشوة الانتصار أو صدمة المفاجأة، لم تكن سوى ثغرات أمنية في نظامها المعرفي الجديد.
كان الوقت يتحرك كعدّاد رقمي صارم، وعقارب الساعة المكتبية النحاسية تقترب بحدة من الثامنة والثلث صباحاً، وهو الموعد الذي يبدأ فيه موظفو المبنى بالتوافد. استلت هاتفها الصغير من جيب معطفها، وبثبات ميكانيكي تام لا تشوبه لفتة ذعر واحدة، بدأت بتصوير كل وثيقة من وثائق الملف الأصفر.
كانت حريصة على زوايا الإضاءة، ووضوح الأسماء الثلاثية، وتطابق الأرقام الحسابية، والأهم من ذلك كله، الأختام الرسمية باللون الأحمر القاني التي تمنح الورق قوته القانونية القاتلة.
بعد أن تأكدت من تخزين النسخ الرقمية في وحدة الذاكرة المشفرة لهاتفها، أعادت الأوراق الصفراء إلى جوف الصندوق الحديدي بذات الترتيب الذي وجدتها عليه.
أغلقت الغطاء، وأدارت العجلات الرقمية لتضيع الرقم ٢٠٢١خلف أرقام عشوائية باردة. صعدت مجدداً فوق المقعد الجلدي، وأعادت الصندوق إلى حجرته الإسمنتية خلف اللوحة الزيتية، ثم عدلت وضع الإطار الذهبي للخيول البرية مليمترًا تلو الآخر، متفحصة الخيوط والزوايا للتأكد من عدم وجود أي تفاوت يشي بأن يداً قد عبثت بالمكان.
☆__________________آسيا_________________☆
نزلت واستقر جسدي خلف مكتب رئيس القسم الفخم. نظرت إلى القلم الأحمر؛ شعرتُ بترددٍ قاتل، يدي التي كانت ثابتة قبل لحظات بدأت ترتجف.
هل هذه الرسالة هي طوق نجاتي، أم هي حبل المشنقة الذي سألفه حول عنقي؟
نظرت إلى الورقة البيضاء، وتخيلت وجه عاصم وهو يقرؤها. كانت سولارا همس في أعماقي: تراجعي، سيقتلوننا.
لكنني سحبت القلم بقوة، وبدأت الكتابة بحدة، محولةً خوفي إلى كلمات لا ترحم:
إلى الملك المختبئ خلف القلعة العاجية.. الوزير لم يعد قادراً على حماية الحصان، والملف الأسود لعام ٢٠٢١ بات يملك أجنحة رقمية خارج جدران هذا المكتب. أي أن هذه الأدلة مخزنة في مكان ما، ولن أتردد في إرسالها للجهات المختصة في أي لحظة. لجنة المنح غداً صباحاً هي النقلة الأخيرة في مباراتكم؛ إما تجديد منحة الطالبة سولارا بالكامل مع اعتذار مكتوب وموقع من إدارة القسم يُسلم لها يداً بيد، أو تسليم النسخة الرقمية الكاملة للمحقق صلاح قبل غروب شمس هذا اليوم. الخيار لكم.. كش ملك.
طويت الورقة ببرود، وأغلقت المغلف. وقبل أن أغادر، كان عليّ إعادة الصندوق لمكانه.
صعدت المقعد، رفعت اللوحة، وفجأة! تجمد الدم في عروقي؛ سمعت وقع أقدام ثقيلة قادمة من الممر، وصوت مفاتيح تُصطدم ببعضها بوضوح.
تراجعت دقات قلبي إلى أحشائي من شدة الخوف.
هل أُكشف؟
تجمدت في مكاني، يداي لا تزالان تمسكان بالصندوق. هدأت الأنفاس، وتلاشت الخطوات لتكون مجرد موظف خدمة عابر.
تنفستُ بعمق، وبحركة خاطفة وواثقة وضعت الصندوق في التجويف، وأعدت اللوحة إلى وضعها الأصلي. كان الخوف وقوداً لشجاعتي هذه المرة؛ فالمخاطرة أصبحت واقعاً ولا مجال للرجوع.
خرجت من المكتب بخطى غير مسموعة، وأغلقت الباب. في الممر، كانت السكرتيرة قد وصلت للتو.
كان عليّ أن أكون مقنعة، فليس هناك مجال للشك. اقتربت منها بخطوات واثقة، ووضعت المغلف أمامها بنبرة عملية وجافة، مدركةً أن أفضل وسيلة للتمويه هي الصدق الجزئي:
"صباح الخير.
هذا المغلف أعطاني إياه رجل على البوابة قبل دقائق، وألحَّ عليَّ بشدة أن يسلم للدكتور عاصم يداً بيد فور وصوله، وأكد أنه يحمل ملفات استكمال لقرار لجنة المنح، ولا يحق لأحد غيره فتحه.
لا أريد أن أتحمل مسؤولية تأخيره، وأنا لدي محاضرة عاجلة لا تحتمل التأجيل، هل يمكنكِ القيام بهذا المعروف؟
كانت نبرتي الرسمية وقصة قرار لجنة المنح كفيلة بإنهاء أي فضول لدى الموظفة. وقبل أن تفتح فمها بسؤال آخر، كانت خطاي قد تلاشت في الممر، متجهةً نحو المبنى الجنوبي؛ قاعة المطالعة الكبرى، حيث سأبدأ في محو آثار وجودي، بانتظار العاصفة التي ستقتلع عروشهم.
☆_______________الراوية_______________☆
توجّهت آسيا مباشرة نحو المبنى الجنوبي حيث تقبع قاعة المطالعة الكبرى للمكتبة المركزية؛ المكان الأكثر اتساعاً والأقل ضجيجاً في هذا الوقت من الصباح.
كانت القاعة تمتاز بسقفها الشاهق المدعم بأعمدة من الرخام الأبيض، وتحيط بها نوافذ زجاجية عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف، تطل مباشرة على الحدائق الخلفية والممشى الرئيسي المؤدي لرئاسة الجامعة، حيث كان الضباب قد بدأ يتلاشى تدريجياً ليترك خلفه ندىً بارداً فوق العشب.
اختارت آسيا المقعد الأبعد في الزاوية الشمالية للقاعة، وهو مقعد يمنحها زاوية رؤية كاملة ومشرفة على الباب الرئيسي وممرات الدخول دون أن تكون هي تحت مجهر العيون.
سحبت مجلداً ضخماً في الأدب الأندلسي والمقارن وفتحته أمامها كستار تمويهي، بينما كان عقلها التحليلي يراقب عقارب الساعة وحركة الممر الخارجي عبر انعكاس الزجاج.
في عمق وعيها الكامن، كانت سولارا قد استسلمت تماماً لهذا الجمود الرمادي؛ فالهلع الخانق الذي كان يهدد بوقف جهازها العصبي تراجع أمام عظمة وحرفية المناورة التي تديرها آسيا في الواقع...
أدركت سولارا من مخبئها السيكولوجي أن البرود لم يكن إلغاءً للإنسانية، بل كان إعادة توجيه للطاقة لحمايتها وحماية حقها .
كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها دهور من الرصاص المذاب.
وفي تمام الساعة العاشرة وخمس دقائق، رأت آسيا عبر انعكاس النافذة حركة غير طبيعية عند مدخل المكتبة.
دخل الدكتور عاصم بهو القاعة مسرعاً بخطى متعثرة ووثبات لاهثة لا تليق بوقاره الأكاديمي المزعوم. كان وجهه خالياً تماماً من الدماء، أصفر كالتبر المتآكل، وعيناه تدوران بجنون واضطراب في محيط القاعة باحثتين عن قناع وجسد سولارا...
كان يقبض بيده اليمنى على المغلف الأبيض الصغير الذي بدا مجعداً بفعل تشنج أصابعه المرتجفة.
أغلقت آسيا مجلد الأدب المقارن ببطء متعمد، مسببة صوتاً خفيفاً تناهى في سكون القاعة إلى مسامع عاصم الذي التفت نحو مصدر الصوت ولمحها أخيراً.
تقدم نحو طاولتها بخطى متسارعة، كغريق يرى طوق نجاة مصنوع من الشوك. وقف أمامها، وجسده الضخم يهتز من فرط القهر والذعر المكتوم.
انحنى بجسده نحوها وشبك أصابعه العشرة على حافة الطاولة الخشبية ليثبت نفسه، وخرج صوته فحيحاً متهدجاً، مكسوراً بالكامل وعاجزاً عن الصراخ:
"أنتِ.. من أين لكِ بهذا المغلف؟
ماذا تريدين بالضبط يا سولارا؟"
نظرت إليه آسيا بعينيها الرماديتين الساكنتين اللتين ختلتا من أي بريق للتشفي أو النصر الصبياني؛ كانت نظرتها مجرد تدقيق في ملامح مهزوم. قالت بنبرة خفيضة، حاسمة وباردة كشفرة الجراح:
"ما بك، يا دكتور لقد جاء رجل واعطاني إياه وطلب مني أن أسلمه لك....
أنا لا أفهم ماذا تريد من وراء هذا السؤال ، لذلك دعني وشئنني ، لا علاقة لي بما في ذلك المغلف"