NOVELFLEX

"لا تصدق صلابة الأقنعة؛ فخلف كل وجه جليدي، إنسان ضعيف يرتجف في عتمته الخاصة".

شطرنج بلا رماد · بقلم mais.author

كان الطريق العائد إلى الشقة القديمة في ضواحي المدينة يبدو لـ آسيا كشريط سينمائي باهت يعرض بالسرعة البطيئة.

الضباب الذي انقشع جزئياً عن ساحات الجامعة ترك خلفه رطوبة خانقة التفت حول البنايات الحجرية المتآكلة.

حين وضعت مفتاح البيت في القفل، شعرت بنوع من المقاومة الفيزيائية داخل جسدها؛ كان وعي سولارا القابع في الأعماق يضغط بكل قوته للظهور مجدداً، مستغلاً ابتعاد الخطر المباشر لعاصم وانتهاء جولة المواجهة في المكتبة.

ما إن انفتح الباب الخشبي الثقيل وصدمتها رائحة الهيل المغلي ومصل الدواء الراكد، حتى تهاوت الدفاعات الرخامية لـآسيا دفعة واحدة، لتجد سولارا نفسها واقفة في ردهة بيتها، مثقلة بوعيها الإنساني الهش وكل ذعورها المؤجل.

سقطت الحقيبة الجلدية من يدها لتستقر على البلاط البارد بصوت مكتوم. تهاوت سولارا على ركبتيها بجانب الباب، وأسندت رأسها إلى الحائط المقشر، بينما بدأت أنفاسها تتلاحق في نوبة هلع متأخرة.

كان جسدها يرتعش كغصن في مهب الريح، ودموعها المكبوتة طوال الساعات الماضية انهمرت بغزارة لتغسل قناع البرود الذي استعارت به قوة آسيا.

شعرت بشرخ حاد في هويتها؛ من تكون تلك الفتاة التي دخلت مكتب رئيس القسم، وفتحت الخزائن السرية، وهددت أكاديمياً ذا نفوذ بالاضطهاد والسجن؟

هل كانت هي حقاً، أم أن هناك مساً من الجنون يتبلور في عقلها ليحميها من الواقع؟

جاء الصوت واهناً، متهدجاً، ومحملاً بسعال جاف من خلف الستار المخملي الفاصل للصالة.

سولارا؟...

استجمعت سولارا بقايا قوتها، ومسحت دموعها بكم معطفها بسرعة ارتدادية.

أخذت شهيقاً عميقاً محاولة طرد حشرجة البكاء من حنجرتها، وقامت متثاقلة الخطى لتلج إلى حيث يرقد والدها.

كان والدها على سريره الخشبي، تحيط به أغطية صوفية ثقيلة عاجزة عن طرد البرد المزمن من جسده النحيل. وجهه المحفور بتجاعيد الصبر والشقاء كان يبدو اليوم أكثر شحوباً، وعيناه الغائرتان التفتتا نحوها بنظرة تحمل كل حنان الآباء وقلقهم المكتوم.

قالتها وهي تنحني لتقبل جبهته الباردة،

"نعم يا أبي، أنا هنا،".

مستشعرة رائحة الصوف والتبغ القديم التي تفوح منه:

_"سولارا.. هل لا يزال العالم في الخارج يصر على الدوران بنفس السرعة".

ابتسمت سولارا وهي تتجه نحوه، لتجد والدها غارقاً في أكوام من الأوراق، جسده نحيل، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق غريب انحنت لتلامس يده الباردة، فأكمل هو دون أن يرفع بصره عن كتابه:

_ "خبريني، هل رأيتِ اليوم لوناً في الجامعة لم يسبق لي أن رأيته؟

شيءٌ لا يمكن للمنطق أن يفسره؟"

نظرت إليه، فهمست بهدوء:

_"رأيت طالباً يقرأ كتاباً وهو يمشي، صدم بشجرة، لكنه لم يتوقف عن القراءة. ربما كان يبحث عن شيءٍ في السطور يغنيه عن رؤية الطريق."

ضحك والدها ضحكة قصيرة، ثم نظر إليها بعمق:

_ "أنتِ تشبهين ذلك الطالب، يا صغيرتي.

دائماً ما تصدمين بأشياء في حياتك، لكنكِ لا تتوقفين عن قراءة العالم.

أخبريني، هل وجدتي نفسكِ في الجامعة؟

استندت سولارا إلى إطار الباب، وتأملت ملامح وجهه التي رسم المرض عليها خرائط من التعب والوقار، وقالت:

_"وجدت ذاتي يا أبي لكن أصبح أثقل، أصبحت أحمل أشياءً لم أعد قادرة على حملها بمفردي".

رد والدها وهو يغلق الكتاب بإشارة من يده: "الأشياء الثقيلة هي وحدها التي تمنعنا من الطيران بعيداً، أما الآن ياصغيرتي اذهبي وألقب حمل هذا اليوم عنكِ".

انسحبت سولارا إلى غرفتها الصغيرة بعد أن نام والدها تحت تأثير المسكنات.

أغلقت الباب بالمزلاج، كانت المرآة في الغرفة مكسورة عند الزاوية، شقٌّ طوليّ يقسم وجه سولارا إلى نصفين. وقفت أمامها، تلمس الزجاج البارد،

وفجأة..

لم تعد ترى نفسها، بل رأت آسيا تتجسد في الانعكاس، ببرودها القاتل ونظراتها التي لا تعرف الرحمة.

آسيا.. ذلك المسخ البارد الذي يسكن جسدي ويتكلم بلساني:

_ من أعطاكِ الحق لتخوضي هذه الحرب الانتحارية؟

أنتِ تلعبين بروح أبي، وبمستقبلي الأكاديمي وبأعصابي.

عاصم ليس بيدقاً في لعبة شطرنج تافهة، إنه رجل يملك علاقات تمتد إلى رئاسة الجامعة وما وراءها.

نعم، نجحتِ في إرعابه اليوم بالمستندات القديمة، لكن ماذا لو قرر حرق الرقعة بأكملها؟

ماذا لو تخلص من رغد ومنّا معاً في ليلة مظلمة؟

أنا لستُ بطلة في رواية سوداوية تكتبينها بدمي، أنا مجرد فتاة عشرينية تريد أن يعيش والدها بسلام، وتريد الحصول على شهادتها دون أن تضطر للمشي فوق الجثث والملفات العفنة.

أعيدي لي عقلي، وكفي عن تحويلي إلى وحش رخامي لا يرمش.

بدأت آسيا تتحدث من خلف الزجاج، وصوتها كان يتردد داخل جمجمة سولارا، لا في الغرفة:

-"انظري إليكِ.. ترتجفين من مجرد فكرة المواجهة".

أنتِ تظنين أنكِ تحمين نفسكِ بالصمت، بينما أنتِ في الحقيقة تحفرين قبركِ بيدكِ."

بدأت سولارا تبكي:

"أنا لا أريد أن أكون أنتِ.

أنا لا أريد هذا العنف، هذا السواد.. أريد فقط أن أعيش بسلام، أن أكون كما كنت قبل كل هذا.

فجأة، تحول انعكاس آسيا إلى حالة من الانكسار الموحش، وبدأت صوت آسيا يصرخ داخل عقلها تعلوا مصحوبة بنبرة اهتزاز في الكلمات...

وبدأت تبكي هي الأخرى، لكن دموعها لم تكن تشبه دموع سولارا؛ كانت دموعاً حارقة، غاضبة. صرخت آسيا، والزجاج اهتز تحت ضغط صرختها:

"سلام؟ أي سلام تتحدثين عنه يا غبية؟

العالم لا يمنح السلام للضعفاء، هو ينتزع أرواحهم!

أنا لستُ كياناً منفصلاً عنكِ، أنا الجزء الذي اضطر لأن يولد من رحم ألمكِ، من صرخاتك وبكاءك الدائم في هذه الغرفة كل ليلة أنا الجزء الذي سئم من تقبلكِ للظلم كأنه قدر محتوم!

أمسكت سولارا برأسها بين يديها، تصرخ:

"أنتِ دمرتِ حياتي!...

بفعلكِ هذا، جعلتِ الناس يرونني وحشاً!"

ردت آسيا، وصوتها يمتزج بنشيج سولارا:

"بل أنا الوحيدة التي أبقتكِ حية! أنا الخلل الذي يصلح خطأكِ في التكوين. أنا سأنتقم، ليس لأنني أحب الانتقام، بل لأنني سئمتُ من رؤيتكِ تنحنين لكل من هبّ ودبّ.

إذا كنتِ لا تملكين القوة لتكوني سيفاً، فسأكون أنا السيف، حتى لو اضطررتُ لتمزيق يدكِ التي تمسكني!"

بدأت سولارا تضرب الزجاج بيدها، والدم بدأ يسيل، لكن الألم لم يكن حقيقياً، كان تداخلاً في الإحساس بينهما.

أرجوكِ.. توقفي.. أريد أن أكون أنا.

نظرت آسيا إلى انعكاسهما معاً بنظرة مليئة بالشفقة والاحتقار:

"أنتِ لا تفهمين.. لا يوجد أنا وأنتِ.

هناك فقط نحن.. نحن الذين كُسرنا لدرجة أننا لم نعد نستطيع الالتئام.

أنا لستُ شيطانكِ، التي تخافين ظهوره أنا مرآتكِ التي تجرؤ على قول الحقيقة."

سقطت سولارا على الأرض، والزجاج المكسور يحيط بها، لم تعد تعرف أين تبدأ سولارا وأين تنتهي آسيا. كان الانهيار كاملاً، حيث أدركت أن التخلص من آسيا يعني التخلص من الجزء الوحيد الذي يمنحها القوة للبقاء في هذا العالم الظالم.

☆______________الراوية ______________☆

مع حلول المساء، غمرت العتمة أزقة المدينة، وازداد البرد تكثفاً ليتحول إلى رذاذ مطر خفيف يضرب زجاج النافذة بانتظام رتيب كدقّات بندول الساعة.

كانت آسيا لا تزال مستيقظة، تجلس تحت ضوء المصباح المكتبي الضئيل، ومستندات عام ٢٠٢١ المصورة على هاتفها مفتوحة أمامها كخارطة حرب جنائية.

لم تكن تكتفي بالانتظار؛ فالانتظار في عقيدة الشطرنج الاستراتيجية يمنح الخصم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه أو القيام بنقلة ارتدادية غير متوقعة.

أخرجت هاتفها، وبدأت بصياغة رسالة بريدية إلكترونية مشفرة، مستخدمة حساباً وهمياً غير قابل للتتبع استحدثته عبر شبكة جامعة قديمة معطلة.

الرسالة لم تكن موجهة لعاصم هذه المرة، بل كانت موجهة مباشرة إلى البريد الشخصي والمحمي لـلمحقق صلاح، وضمنت في المرفقات ثلاث صفحات فقط من الملف الأصفر السري الصفحات التي تحتوي على التواقيع الحية لعاصم ونائب رئيس الجامعة للشؤون المالية لعام ٢٠٢١، مع إخفاء باقي الأوراق.

كتبت في نص الرسالة بنبرة جافة لا تحمل اسماً:

"السيد المحقق صلاح.. الشيفرة التي بين يديك في الورقة الصغيرة لم تكن شعراً، بل كانت مفتاحاً للأرشيف السفلي.

الصفحات المرفقة هي جزء بسيط من ملف الاختلاس المالي الضخم الذي تسبب في اختفاء الطالبة رغد حين حاولت كشفه.

النسخة الرقمية الكاملة والملف الأصلي مؤمنان في مكان لا تصل إليه أيدي الفساد داخل الجامعة.

غداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، ستجتمع لجنة المنح الأكاديمية لإصدار قرارات استثنائية. حضورك الشخصي أو تواجد دورياتك المحيطة بمبنى الإدارة سيكون النقلة الكفيلة بمنع حرق الأدلة وحماية من تبقى من الشهود على قيد الحياة.

تتبع الحصان، فإنه يوشك على مغادرة الرقعة

ضغطت على زر الإرسال، وراقبت شريط التحميل حتى اختفى معلناً وصول الرسالة إلى وجهتها الجنائية.

التفتت بعد ذلك نحو المخطوطة القديمة "ترانيم الظل الراحل" المستقرة على زاوية الطاولة.

مدت يدها وتحسست غلافها الجلدي الخشن؛، ثم تذكرت ما قرأته في المرة سابقة عن وجود كاتب انتحر بسبب هذا النظام ...

شعرت برابط سري يربطها بالكاتب الذي انتحر قبل ستة أعوام في ذات القبو.

لقد ترك دمه على الورق ليوجه ضربته من وراء القبر، ورغد التقطت الخيط وغابت في ظروف غامضة، والآن جاء الدور عليها—على هذا الجسد المشترك— لتنهي اللعبة وتغلق الحسابات المعلقة منذ عقود.

نظرت إلى المرآة المعلقة أمامها، ورأت وجهها الساكن، وعينيها الرماديتين اللتين لا تعكسان أي بريق عاطفي.

تمتمت بصوت منخفض تردد في أرجاء الغرفة المظلمة:

"غداً صباحاً.. إما الكشف الشامل وإما النجاة الكاملة.

لم يعد هناك مكان للتراجع في هذه الرقعة السوداء."

انتصف الليل، واستحالت أجواء الشقة القديمة إلى ما يشبه زنزانة انتظار يتردد في أرجائها صدى الصمت القاتل، الممتزج بوقع حبات المطر التي أخذت تنهمر بغزارة تضرب القرميد المتآكل للأسقف الخارجية.

كانت آسيا لا تزال متسمرة في جلستها فوق المقعد الخشبي، وعيناها الرماديتان لم تطرفا أمام وهج شاشة الهاتف الضئيل.

في هذه اللحظات المتأخرة، حيث تنام المدينة بكامل صخبها ومآسيها، كانت الحسابات السيكولوجية داخل عقلها الباطن تجري بأعلى دقة ميكانيكية ممكنة؛ فكل احتمال، مهما كان ضئيلاً، يجب أن يوضع في الحسبان، وكل نقلة مضادة قد يقدم عليها عاصم والرؤوس الكبيرة في رئاسة الجامعة يجب أن تقابل بحائط صد دفاعي مسبق الصنع.

شعرت آسيا بنبضات سولارا تتحرك في العمق مجدداً؛ لم يكن حراكاً تدميرياً أو نوبة هلع كالسابق، بل كان نوعاً من الاستسلام الواعي والتساؤل الصامت الشبيه بالهمس.

سألت سولارا من مكمنها النفسي المظلم.

هل تثقين حقاً بالمحقق صلاح؟....

ماذا لو كان جزءاً من المنظومة ذاتها؟

ماذا لو كان الحيتان قد اشتروا صمته منذ سنوات طويلة كما اشتروا صمت عاصم بكرسي العمادة؟

التفتت آسيا نحو النافذة، وراقبت انعكاس وجهها على الزجاج المبلل بالمطر، متمتمة بصوت منخفض لم يتجاوز حدود شفتيها:

"المحقق صلاح لا يحتاج إلى شراء، يا سولارا ...

إن لديه ما هو أثمن من المال؛ لديه الطموح المهني والشهوة الجنائية لإسقاط الرؤوس الكبيرة التي ستصنع منه بطلاً في الصحافة الرسمية.

أنا لا أثق بضميره الإنساني، بل أثق بغريزته كصياد رأى طريدة ضخمة تقترب من فخه. الفاسدون لا يثقون ببعضهم البعض عند اقتراب حبل المشنقة، وهذه هي الثغرة التي نلعب عليها".

قامت من مكانها بخطى رتيبة وموزونة، وتوجهت نحو خزانة حيث تحتفظ سولارا بملابسها .

سحبت معطفاً صوفياً داكناً يميل إلى السواد، ووشاحاً قطنياً عريضاً صممته ليتناسب مع الأجواء الباردة والممطرة المتوقعة في الصباح الباكر.

أصلحت وضع الأوراق المتبقية في حقيبتها، وتأكدت للمرة الألف من شحن بطارية هاتفها بالكامل، فالشاشة الصغيرة في جيبها لم تعد مجرد أداة تواصل، بل غدت صاعق التفجير الرقمي الذي يحمل وثائق الإدانة لعام ٢٠٢١.

تسللت بعد ذلك إلى الصالة بخطوات قطة، ووقفت عند رأس سرير والدها أبو أحمد.

انحنت برفق لتتفقد أنبوب المحلول الطبي الموصول بمعصمه الهزيل؛ كان السائل يتقطر ببطء رتيب، ووجه العجوز يبدو وادعاً ومستسلماً للنوم، بعيداً عن صراعات الرقعة السوداء.

دثرته بالغطاء الصوفي جيداً، وشعرت بلمحة خاطفة من عاطفة سولارا الدافئة تخترق درعها الرخامي لثوانٍ معدودة، قبل أن تعيد إحكام قبضتها الحديدية على مشاعرها.

أدركت حينها أنها لا تستطيع أن تكون مسخ قوي دائما بلا مشاعر الخوف والحزن على من نحب، هي نوع من أنواع القوة لكن ليس على حساب الكرامة....

نظرت إلى الساعة التي باتت تشير إلى الثالثة صباحاً، متمتمه:

"أربع ساعات تفصلنا عن المواجهة الأخيرة.. أربع خطوات فقط لكشف الملك".

☆_____________ مصحة السلام النفسية _____________☆

لم تكن "مصحة السلام النفسية "مجرد مبنى، بل كانت مقبرة للأحياء، حيث يتلاشى الزمن في ممرات طويلة تفوح منها رائحة اليأس الممزوجة بمطهرات كيميائية لاذعة.

في غرفتها التي تشبه القبر، كانت رغد تتأمل انعكاس وجهها الشاحب على زجاج النافذة المشطب. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تحلم بالحياة؛ فقد سرقوا منها بريق عينيها، واستبدلوه بذهول دائم تسببه المهدئات التي يصر الدكتور كامل على تجرعها كجزء من بروتوكول العلاج.

كان الدكتور كامل يقف أمام باب غرفتها، يطرق الزجاج بنظرة فاحصة لا تحمل ذرة تعاطف. قالها بصوت رتيب، وكأنه يتحدث إلى آلة لا إلى إنسانة تعاني الظلم:

_رغد، أنتِ تبدين أفضل اليوم، لقد استجبتِ للجرعة بشكل جد.

رغد لم تجبه، كانت عيناها تحدقان في الفراغ، بينما عقلها يرفض الخضوع. كانت رغد تعيش في عالمها الخاص، تتخيل صديقتها سولارا وهي تدور في قبو الأرشيف القديم، كانت رغد تشعر بوجود سولارا من خلال الرابط الخفي بينهما، تهمس في أعماق روحها:

_"سولارا، أرجوكِ، ابحثي عن ترانيم من ظل الراحة، أرجوكِ، أخرجيني من هنا".

فجأة، انفتح الباب، ودخلت الممرضة حاملة وعاءً بلاستيكياً به ثلاث حبات صغيرة.

-"حان وقت الدواء، يا رغد".

نظرت رغد إلى الحبات بمرارة؛ كانت تعرف أنها ستأخذها، ليس لأنها تحتاجها، بل لأن الرفض يعني المزيد من العقاب.

لكنها، بينما كانت تضع الحبات في فمها، كانت تبتلع معها وعداً بالصمود.

كانت تعلم أن سولارا، ربما تقترب من اكتشاف الحقيقة، وأن "ترانيم من ظل الراحل"، ستكون اللحن الذي سيطرد ظلام هذه المصحة ويفضح زيف الدكتور كامل وألاعيب أقاربها.

كانت ساعات الفجر تزحف ببطء، وفي الصمت المطبق، كانت رغد تغمض عينيها، متمسكة بخيط رفيع من الأمل، تنتظر اللحظة التي سيُكسر فيها صمت المصحة، وتفتح الأبواب الموصدة لتخرج منها، ليس كمريضة تائهة، بل كناجية تستعد لاسترداد حياتها التي سُلب منها قسرا..

في السابعة والنصف صباحاً، انشقت السماء عن وضح نهار شاحب مبلل، غسلته أمطار الليل دون أن تطهر رداءه الرمادي الكثيف. كانت ساحة الجامعة الرئيسية تبدو اليوم كساحة إعدام تاريخية؛ المياه الراكدة في التجاويف الإسمنتية تعكس الصور المقلوبة للمباني الضخمة، والطلبة يتحركون بمظلاتهم الداكنة كأشباح هاربة من وطأة البرد.

ترجلت آسيا من الحافلة بخطى حديدية لا تهتز، يلتف الوشاح الداكن حول عنقها، وتستقر يدها اليمنى داخل جيب معطفها، قابضة بقوة مستقرة على هاتفها المخزن بالوثائق.

تجاوزت البوابة الرئيسية دون أن تلتفت يميناً أو يساراً، متوجهة مباشرة نحو مبنى رئاسة الجامعة القلعة العاجية ذات الواجهة الزجاجية العملاقة التي تتربع فوق التلة الشمالية للكلية، حيث يعقد مجلس الأمناء ولجنة المنح اجتماعهم السري في تمام الساعة الثامنة.

عند صعودها الدرج الرخامي الخارجي للمبنى، لمحت من بعيد سيارة مدنية داكنة تقف في زاوية معزولة تحت أشجار السرو؛ لم تكن سيارة شرطة رسمية، لكن آسيا لمحت عبر زجاجها الأمامي الممسوح وجه المحقق صلاح وهو يراقب المدخل بتركيز حاد، ممسكاً بيده دفتراً جلدياً أسود.

التقت نظراتهما لثانية واحدة عبر المدى البارد، ولم تمنحه آسيا أي إشارة أو إيماءة، بل أكملت صعودها برأس مرفوع وكبرياء رخامي لا يلين.

ولجت إلى بهو المبنى الرئيسي الفخم، حيث كانت الأرضيات مرصوفة بجرانيت مصقول يعكس إضاءة الثريات الكريستالية الضخمة المعلقة في السقف الشاهق.

كان الجو مشحوناً بصمت مهيب ورسمية خانقة تختلف تماماً عن فوضى مباني الكليات الأخرى.

عند نهاية الممر المؤدي إلى قاعة الاجتماعات الكبرى، رأت الدكتور عاصم يقف بجانب نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية؛ كانا يتبادلان الهمسات السريعة المتشنجة، وأوراق ملف المنح تتأرجح في كف عاصم المرتعشة.

ما إن وقعت عينا عاصم على قناع سولارا الواثق وهي تقترب، حتى تجمدت الكلمات في حلقه، وشحب وجهه مستحيلاً إلى لون التراب، بينما التفت نائب الرئيس نحوها بنظرة حادة حملت مزيجاً من الاحتقار والوجل المكتوم.

وقفت آسيا أمام الاثنين على بعد خطوتين، واضعة حقيبتها الجلدية تحت ذراعها بثبات تام، ولم تمنحهما فرصة البدء بالحديث أو إظهار السيطرة الأكاديمية المصطنعة.

نظرت مباشرة في عيني نائب الرئيس المستتر خلف هيبته الرسمية، وقالت بنبرة فصحى جزلة، منخفضة وصارمة كحد السيف:

"صباح الخير يا سادة. الساعة الآن تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق، ولجنتكم الموقرة على وشك الدخول لإقرار مصائر الطلبة وتوقيع الكشوفات.

أظن أني سمعت بأن المغلف الأبيض الذي وصلكم بالأمس كان واضحاً بما يكفي؛ فالنسخة الرقمية الكاملة لملف عام ٢٠٢١ تقف الآن على حافة زر الإرسال النهائي لمديرية الأمن، والمحقق صلاح ينتظر في الأسفل ليتسلم الأصل من جوف اللوحة الزيتية إذا اختل توازن الشروط، هذا ما قاله لي أحدهم وأحببت أن أذكركم فقط".

تحرك الدكتور عاصم بحركة لا إرادية كأنه يريد التقدم نحوها لانتزاع حقيبتها، لكن نائب الرئيس ممد يده بحزم ليمسكه من ذراعه مانعاً إياه من ارتكاب حماقة تفضح الموقف في البهو المفتوح.

أخذ نائب الرئيس شهيقاً عميقاً، وحاول استعادة هدوئه الدبلوماسي الفاسد، قائلاً بصوت خفيض ومخلوق بالتوتر: "الملف المالي الاستثنائي للطالبة سولارا جاهز وموقع بالكامل يا آنسة..

تم تجديد المنحة التعليمية والطبية لأقصى مدة ممكنة بقرار من الإدارة العليا، لكن لا تفرحي كثيراً ، فغيرك ظنوا أنهم أذكياء لكنهم فشلوا.

أما الان فنحن نريد ضمانات حقيقية بأن تلك الأوراق القديمة لن تخرج من حدود هذا اليوم".

ابتسمت آسيا ابتسامتها الرمادية الباردة، تلك الابتسامة الساخرة التي لا تعكس فرحاً بل تفرض شروط المنتصر على الرقعة، وقالت وهي تلتفت نحو باب القاعة:

"الضمان الوحيد في أعراف الشطرنج، يا سيادة النائب، هو بقاء الملك تحت التهديد الدائم.

المنحة ستُسلم لي الآن يداً بيد بتقرير رسمي مختوم، والمخطوطة القديمة ستبقى في مخبئها الآمن.. خطواتكم القادمة هي ما سيحدد إن كان هذا الصباح هو صباح النجاة لكم، أم بداية السقوط المدوي للقلعة بأكملها".