NOVELFLEX

أقوى القطع قد تسقط في سبيل حماية ما هو أثمن؛ والتضحية الكبرى هي التي تسبق النصر الحاسم.

شطرنج بلا رماد · بقلم mais.author

لم تكن قاعة المحاضرات المركزية في كلية الآداب مجرد مساحة إسمنتية تتسع لمئتي طالب، بل كانت لآسيا بمثابة مسرح تشريحي بارد، تراقب فيه من مقعدها في الصف الأخير تهاوي المنظومة التي ظلت لسنوات طويلة تمارس سطوتها المطلقة على العقول.

كانت أشعة الشمس الضحية لظهيرة تشرين تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العالية، لتكشف ذرات الغبار المعلقة في الهواء، وتسلط ضوءاً باهتاً على منصة الخطابة الخشبية التي اعتلاها اليوم أستاذ بديل للدكتور عاصم.

كان عاصم قد غاب عن الأنظار منذ مواجهة المكتبة، وانتشرت في الأروقة شائعات مكتومة عن وعكة صحية طارئة ألمّت به، لكن آسيا كانت تعلم، ببرودها السيكولوجي الصارم، أن الوعكة الحقيقية هي الرعب الذي ينهش أحشاءه خوفاً من الضغط على زر الإرسال الرقمي.

كانت سولارا في الداخل تراقب المشهد بنوع من الذهول الهادئ، لم يعد الخوف يشل أطرافها، بل تحول إلى ترقب ناضج.

شعرت بجسدها مستقراً، وقبضتها على قلم الحبر ثابته لا تهتز. كانت الأوراق الموزعة أمامها تحمل عناوين أبحاث التخرج، وحين وقعت عيناها على الخانة المخصصة لاسم المشرف، رأت خطاً أحمر عريضاً قد شُطب به اسم الدكتور عاصم واستُبدل باسم رئيس القسم ذاته، في إشارة إدارية واضحة إلى أن النقلة التي لعبتها بالأمس خلف اللوحة الزيتية قد بدأت تؤتي ثمارها في عزل البيدق وتحجيم حركته قبل السقوط النهائي.

التفتت إليها زميلتها الجالسة في المقعد المجاور، وهمست بنبرة مشحونة بالفضول:

سولارا ..

هل سمعتِ ما يقال في الكلية؟

يقولون إن مكتب الدكتور عاصم قد خضع لتفتيش داخلي مغلق من قبل إدارة الجامعة ومحقق مدني في ساعة متأخرة من مساء الأمس. وقال بعضهم أنهم وجدوا وثائق تدل على فساده والأغرب من ذلك، أن رئيس القسم طلب سحب جميع ملفات المنح الخاصة بالسنوات الماضية لإعادة تدقيقها، أي أن المحقق الذي جاء إلى الجامعة قام باعتقال دكتور عاصم بتهمة الفساد وتزوير ..

هل تظنين أن للأمر علاقة باختفاء رغد؟

لم ينحرف قناع آسيا الرمادي شعرة واحدة؛ نظرت إلى زميلتها بعينين ساكنتين، وأجابت بصوت منخفض، رزين ومبرأ من أي انفعال:

ربما هي مجرد دورة فساد كانت ستنكشف يوماً ما، أما عن رغد.. فلا أعلم...

☆________________آسيا_______________☆

لكن في أعماقي، كانت الصور تتزاحم؛ رأيتُ في مخيلتي ما حدث قبل ساعات.

كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل، حين اقتحمت قوة من المحققين المدنيين ممر القسم الهادئ. لم يكن عاصم هناك، لكن المحقق صلاح – الذي أرسلتُ إليه النسخة الرقمية – كان يقف بثبات أمام باب المكتب. طرقة واحدة قوية، تلتها صرخة الضباط:

شرطة، لا يتحرك أحد!...

تحطمت هيبة البلوط الداكن في ثوانٍ. رأيتُ في خيالي المحقق يزيح اللوحة الزيتية للخيول البرية، يده تقتلع الصندوق المعدني من تجويفه.

لم يكتفوا بالوثائق، بل كانت الوجوه في الممر شاحبة، مذهولة، وهم يرون رئيس القسم يخرج مقيداً، يجر قدميه خلف المحققين، ووجهه الذي كان يقطر ترفاً قد تحول إلى قناعٍ رمادي من الذل.

كان المشهد يتكرر في رأسي كفيلم سينمائي بطيء؛ اللحظة التي سقطت فيها أوراق المنح على الأرض، واللحظة التي قرأ فيها المحقق اسم عاصم بصوتٍ جهوريٍ أرعب كل من كان في المكان.

استعدتُ توازني سريعاً حين لمستُ يد زميلتي على كتفي وهي تقول: أتمنى فقط أن نكون بخير بعد كل هذا.

نظرتُ إليها، وابتسامة خفيفة ومبهمة ارتسمت على زاوية فمي، ثم أضفتُ بهدوء: لا تشغلي بالكِ بالشائعات، وراقبي فقط كيف سيعيد التاريخ كتابة النصوص.

كانت الروائح تفوح بنسيج من الأرض الرطبة وأوراق الشجر المتساقطة. لم يكن تحركها عشوائياً، بل كانت تستجيب لرسالة ورقية قصيرة وغير موقعة وُجدت بين طيات دفترها، تطلب منها التواجد عند المقعد الخشبي المعزول محاذاة سور الجامعة القديم.

حين وصلت، وجدت شخصاً يقف بظهره نحوها، يرتدي معطفاً جلدياً فاخرًا ويقذف بأطراف أصابعه قطعاً من الخبز اليابس للحمام الراكد:

كان هذا الرجل هو اادكتور مروان، نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية والإدارية—الرأس الكبير الثاني الذي ورد اسمه بوضوح في وثائق اختلاس عام ٢٠٢١ ..

والرجل الذي وقع بيده على صك النجاة لسولارا في بهو الرئاسة صباح الصباح.

التفت مروان نحوها ببطء، وكانت ملامحه الخمسينية تحمل مزيجاً من الكبرياء الطبقي المهزوم والحذر الثعلبي.

لم يتحدث فوراً، بل تأمل برود الفتاة التي تقف أمامه بحقيبتها الجلدية وكأنها تملك الصلاحية القانونية لمحاكمته.

قال بصوت خفيض، حاد ومخلوق بالرسمية:

آنسة سولار.. أو أياً كان الوعي الذي يدير هذه اللعبة الذكية. لقد نفذنا الجزء الخاص بنا من الاتفاق؛ منحتكِ أصبحت محصنة، ووالدكِ يتلقى علاجه الآن في أرقى الأجنحة الطبية.

لكن اللعب على حبلين مع الأمن لا يعكس ذكاءً إستراتيجياً. المحقق صلاح لا يزال يطوف حول مبنى الإدارة، وعاصم يوشك على الانهيار وتقديم اعترافات قد تطال الجميع.

نريد النسخة الرقمية الأصلية، ونريدها الآن.

خطت آسيا خطوة واحدة إلى الأمام، وثبتت نظرتها الرمادية الصارمة في عمق عينيه، وارتسمت على شفتيها ذات الابتسامة الساخرة التي لا تعكس خوفاً بل تفرض واقعاً جديداً.

وقفت بثبات رخامي، وقالت بنبرة فصحى جزلة:

أنت تخطئ في قراءة الرقعة يا سيادة النائب.

المحقق صلاح لم يأتي بطلب مني اليوم، بل تحركه غريزته الجنائية التي أيقظتها وثائقكم العفنة لعام ٢٠٢١. النسخة الرقمية الكاملة ليست بضاعة للبيع أو المقايضة، بل هي صمام الأمان الوحيد الذي يمنعكم من التفكير في الغدر بي أو بوالدي بعد أن ينقشع غبار هذه القضية."

اقترب مروان منها خطوة، وانخفضت نبرته ليحل محلها تهديد مبطن: "أنتِ تعاندين ذئاباً يملكون القدرة على محوكِ من السجل الأكاديمي والمدني بكبسة زر واحدة يا فتاة.

عاصم قد يسقط، لكن المنظومة ستبقى، حينها سوف يكون مصيركِ مثل مصير رغد ، حيث لن يعثر عليك أحد."

لم ترمش آسيا، وظلت يداها مستقرتين داخل جيب معطفها الصوفي، وأجابت ببرود قاتل:

المنظومة التي تتحدث عنها يا دكتور تقوم على الصمت المتبادل، والصمت ينهار حين يدرك أحد الأطراف أن السجن ينتظره.

إذا حاولتم محوي، فإن الخادم الرقمي المبرمج سيرسل الوثائق كاملة إلى خمس جهات رقابية وإعلامية في ذات الثانية.

عاصم ليس سوى بيدق ضحيتم به لحماية الملك، وأنا الآن أضع الملك تحت التهديد المباشر.

حافظ على هدوئك، وأقنع عاصم بالصمت وتحمل تبعات جشعة بمفرده، فذلك هو الثمن الوحيد لبقائك فوق كرسيك الفخم.

مع الاسف اللعبة لم تعد ملككم.. كش ملك."

استدارت آسيا ومشت مبتعدة بخطى واثقة ورتيبة، تاركة إياه وحيداً تحت ظلال السرو، يتجرع مرارة الهزيمة أمام قناع رخامي لا ينكسر.

حين بلغت آسيا عتبة الشقة القديمة في ضواحي المدينة، كانت خيوط شمس الظهيرة الباهتة قد بدأت بالاختراق الخجول لستائر الردهة المتهرئة.

انفتح الباب الخشبي الثقيل، واندفع دفء البيت المألوف، الممزوج برائحة شاي الميرمية المغلي والزعتر الراكد، ليعانق وجنتيها اللتين تجمدتا بفعل لسعات البرد الخريفي في ساحات الجامعة.

وضعت حقيبتها الجلدية المتهرئة فوق الطاولة الخشبية بحركة بطيئة رتيبة، وسحبت منها الملف الأزرق المخملي ذو الشعار المذهب، لتضعه بعناية فائقة بجانب علبة المصل الفارغة؛ كان هذا الورق هو صك النجاة والدليل المادي الملموس على انتهاء معركة كسر العظم الأكاديمية.

في تلك اللحظة بالذات، ومع ابتعاد شبح عاصم ومروان وخروجها من دائرة الخطر المباشر، شعرت بانسحاب تدريجي وناعم للوعي الصارم لآسيا..

كانت البرودة الميكانيكية في عروقها تتراجع إلى الخلف ببطء وسلاسة، مفسحة المجال لـ سولار الحقيقية لتعود وتتسلم مقاليد جهازها العصبي.

لم تسقط سولارا هذه المرة على ركبتيها باكية كما حدث في المرات السابقة، ولم تصبها نوبة هلع متأخرة تشنج أطرافها؛ بل وقفت مستقيمة القامة، وغمرتها موجة عارمة وطاغية من الراحة والسكينة العميقة التي لم تذق طعمها منذ أشهر طويلة.

توجهت نحو المرآة الصغيرة المعلقة في الردهة، ونظرت إلى انعكاس ملامحها؛ لم تعد ترى في عينيها ذلك الجمود الرخامي الموحش أو ملامح المسخ الغريب الذي استعارته للمواجهة، بل رأت وجهها هي، وعينيها اللتين عاد إليهما بريقهما الإنساني الدافئ، لكنه كان بريقاً مطعماً بصلابة جديدة ونضج مغاير اكتسبته من شريكتها الكامنة في أعماق وعيها الباطن. لقد تصالحت الضفتان، وصار الكيان واحداً لا يقبل الانكسار.

جاء الصوت واهناً ومصحوباً بسعال خفيف من خلف الستار الفاصل للصالة، لكنه كان اليوم يحمل نبرة أكثر حيوية وقوة، كأن روح والدها الشيخ قد استشعرت انجلاء الغمة وزوال الكابوس قبل أن تراه عيناه.

سولارا؟ هل عدتِ يا ابنتي؟

دلت سولارا إلى الصالة بخطى خفيفة مستقرة، ممسكة بالملف الأزرق المذهب بين كفيها بحرص يماثل حرصها على حياتها. جلست بجانبه على حافة السرير الخشبي، ودثرت قدميه الباردتين بالغطاء الصوفي، ثم فتحت الأوراق أمامه وهي تبتسم ابتسامة حقيقية صادقة انهمرت معها دموع الارتياح والانتصار.

قالتها وهي تقبل يده المرتعشة المحفورة بتجاعيد الشقاء.

نعم يا أبي، أنا هنا.. وجئتُ لك بصك الأمان والكرامة...

المنحة الدراسية تجددت بالكامل بقرار استثنائي من رئاسة الجامعة، وعلاجك ومصلك الطبي مؤمنان ومغطاة تكاليفهما بالكامل لأجل غير مسمى دون منّة أو تهديد من أحد.

لقد انتهى زمن الخوف يا أبي، وسنعيش بسلام.

اتسعت عينا الشيخ العجوز بالذهول المصحوب بالحمد الشديد، ورفع كفيه الضعيفتين نحو السماء يلهج بالدعاء والثناء لابتنته التي خاضت عواصف الكلية وحمت حماه بكبريائها وعقلها.

ضمت سولار رأس والدها إلى صدرها، واستنشقت رائحة الصوف والتبغ القديم التي تفوح منه، وشعرت في تلك اللحظة بتصالح مطلق ونهائي بين ضفتي هويتها؛ فقد أدركت أن آسيا لم تكن شراً أو تبلداً، بل كانت الدرع الفولاذي والجانب المظلم الضروري من روحها، ذلك الجانب الذي استيقظ ليخوض معارك الحياة الشرسة وينتزع الحقوق حين عجزت دموع الطفولة ونواياها الحسنة عن مواجهة الذئاب.

مع حلول المساء، غمرت العتمة أزقة المدينة، وازداد البرد تكثفاً ليتحول إلى ضباب رقيق يلتف حول شرفات البنايات الحجرية القديمة، بينما كانت الغرفة الصغيرة تنعم بدفء المصباح المكتبي المنبعث هادئاً فوق الأوراق البيضاء.

جلست سولارا أمام مكتبها الخشبي المتواضع، وسحبت الدفتر البنفسجي ذو الغلاف المخملي المتهرئ من أعماق حقيبتها، وأمسكت بقلم الحبر بثبات مستقر وخالٍ من أي رجفة أو تشنج.

لم يكن هناك صراع سيكولوجي أو اتهامات متبادلة في هذه الليلة، بل كان حواراً ختامياً مفعماً بالسلام والامتنان المشترك بين وعيين صارا كياناً واحداً متكاملاً يدير رقعة الحياة بحكمة بالغة.

فتحت صفحة بيضاء جديدة، ودونت بخطها الأنثوي الناعم والرقيق:

"إلى آسيا.. إلى ذلك الجزء الرخامي الصارم الذي سكن جسدي وحمى عقلي حين انكسرت كل دفاعاتي الإنسانية:

شكراً لأنكِ كنتِ البرود الذي جمد دموعي ليحولها إلى شفرات حادة وقاتلة في وجه الطغاة.

اليوم، وأنا أرى الملف الأزرق مستقراً على طاولتي وعاصم يتهاوى خلف جدران التحقيق، تعلمتُ منكِ أن الأدب والنصوص لست مجرد كلمات تُلقى في قاعات المحاضرات، بل هي سلاح إستراتيجي وقوة تفكيك للواقع تُعيد ترتيب الرقعة لصالح الضعفاء.

لقد انتصرنا معاً؛ أبي سينام الليلة دون أن تقض مضجعه كشوفات الدواء الفارغة، ومستقبلي الأكاديمي بات محصناً بقوة الحق والأمر الواقع الذي انتزعناه بأيدينا.

لن أطلب منكِ الغياب مجدداً، ولن أصفكِ بالمسخ؛ فأنتِ أنا، وأنا أنتِ.. سنبقي هذا الدفتر البنفسجي مفتوحاً، وسأبقى أستدعي برودكِ الرخامي كلما حاولت بيادق الفساد العبث بحدودنا أو تهديد أماننا.

تركت القلم لثوانٍ معدودة، وأغلقت عينيها مستشعرة هدوءاً نفسياً رائعاً وتناغماً غريباً يسري في عروقها..

☆_______________مركز الشرطة_______________☆

كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل، صمتٌ يشبه هدوء ما قبل العاصفة، حيث الضغط الجوي في الداخل يكفي لتمزيق الرئة.

المحقق صلاح لم يعد جالساً، كان واقفاً يحيط بالطاولة كذئبٍ يطوق فريسته، بينما عاصم يجلس في المركز، ظهره مستقيم كأنه قطعة رخام باردة، لكن عروق يديه كانت تصرخ بغير ذلك؛ كانت تنتفخ بحدة، تشي ببركانٍ يغلي تحت جلدٍ يحاول التماسك.

ألقى المحقق صلاح الملف على الطاولة بقسوة، واندفع صوته حاداً كالسكين:

كفى ألعاباً يا دكتور! أنت لست أكاديمياً، أنت مهندس خراب.

النظام ليس مجرد خوارزمية، إنه مقصلة وضعتها على رقاب طالباتك.

اعترف.. هل كان كل هذا من أجل السلطة؟

من أجل نشوة أن تكون المتحكم في خيوط اللعبة؟.

هل كل هذا من أجل الحصول على تلك الأموال؟..

ضحك عاصم، كانت ضحكته هذه المرة جافة، مرعبة، تشبه احتكاك الصخر بالزجاج.

رفع رأسه ببطء، وفي عينيه لمعةٌ انكسرت فيها كل حصون الكبرياء.

"السلطة؟، الأموال هل أنت أخرق...

هل تظن أن رجلاً مثلي، يحفر في الكتب منذ عقود، يرتوي من نشوة السلطة؟

يا سيادة المحقق، أنت لا ترى إلا القشور.

أنت ترى رقعة الشطرنج، لكنك لا ترى الأصابع الخفية التي تمسك بقطعي!

اقترب صلاح منه، وضع وجهه بمحاذاة وجه عاصم، هامساً بنبرة مشحونة بالوعيد:

"إذن من؟

من الذي دفع بك إلى هذا المستنقع؟

انفجر عاصم، ليس بكلمات، بل بصرخة مكتومة هزت أركان الغرفة.

"إنهم الوحوش الذين يرتدون ربطات العنق الحريرية!

الذين يملكون أرواح الجامعات قبل مبانيها.

في اللحظة التي أطلقت فيها مشروعي، لم يأتوا لي بالتهنئة، بل أرسلوا لي تذكاراً!

أخرج عاصم من جيبه صورة، كانت قد اهترأت أطرافها من كثرة اللمس. وضعها على الطاولة بوقارٍ جنائزي.

كانت صورة لطفليه، ياسين وليلى، يضحكان في باحة مدرسة، لا يعلمان أن حياتهما كانت معلقة بخيطٍ واهٍ يملكه غرباء.

أرسلوا لي هذه الصورة مع جدولٍ دقيق لتحركاتهم، مع مواقيت خروجهم، مع توقيتات أنفاسهم. كانت الرسالة واضحة:

يا دكتور، اللعبة تغيرت، الآن أنت قطعة في رقعتنا، أو أن أطفالك سيتحولون إلى مجرد ذكرى رمادية في ملفاتنا.....

هل تسمي هذا فساداً؟...

أنا أسميه: مقايضة الروح بالبقاء!....

المحقق صالح نظر إليه، محاولاً ربط الخيوط.

لماذا لم تبلغ الشرطة؟

لماذا لم تطلب المساعدة؟

أجاب عاصم بمرارة:

الشرطة؟!..

أنت لا تفهم هؤلاء الناس.

هم موجودون في كل مكان، حتى داخل دوائر القرار التي قد تظن أنها محمية.

إذا أخبرت أحداً، كنت سأفقد أولادي قبل أن أصل إلى باب المركز.

اخترتُ أن أكون الشخص السيء، لأن الشخص السيء يمكنه الاستمرار في اللعب، بينما الشخص الطيب يموت في اليوم الأول.

أنا لا أطلب العفو أعلم أنني دمرت حياة الكثيرين، وسولارا كانت واحدة منهن، فقد كنت سبب رسوبها في بعض مواد ومشاريعها الجامعية برغم من تفوقها وأنها تستحق أفضل تقيم، لكن أنا أردت كسر عزيمتها وإردتها ....

لكنني أريدك أن تعرف.. أنني كنت ألعب شطرنجاً بلا رماد، أحرق مستقبلي وضميري لأمنع حريقاً أكبر يلتهم براءة أطفالي.

ارتبك المحقق صلاح، تراجع خطوة إلى الوراء، مذهولاً من حجم القسوة.

تابع عاصم، وصوته يتهدج كأنما يلفظ أنفاسه الأخيرة:

هذا يعني أنك كنتُ مقتولاً حياً كل يوم.

كنت أبتز الفتيات، وأنا أرى ملامح أطفالي في وجوههن، كنت أحرق مستقبلهن لأشتري يوماً إضافياً من حياة أولادي.

هل تعرف ما معنى أن تعيش وأنت تعلم أن يديك تلطخت بالخطيئة.. فقط لكي لا تلطخ بالدم؟

ساد صمتٌ قاتل. المحقق صالح، الذي اعتاد على رؤية المجرمين المتبجحين، وجد نفسه أمام رجلٍ مكسور إلى ذرات.

عاصم لم يكن شريراً، كان بطلاً تراجيدياً غرق في وحلٍ لم يصبحه بيده.

قال عاصم وهو يغلق عينيه:

أنت لا تحقق مع مجرم يا صلاح...

أنت تحقق مع حطام إنسان، قرر أن يكون شطرنجياً بلا رماد.. لأن الرماد هو كل ما تبقى من حياته، وهو الذي سيغطي قبور أطفاله إذا توقفتُ عن اللعب.

في تلك اللحظة، لم تعد الغرفة مكاناً للتحقيق، بل أصبحت مسرحاً لدراما إنسانية لا تنتهي، حيث العدالة لم تعد أبيض وأسود، بل أصبحت مزيجاً من دماءٍ ودموع ورماد.

في صباح اليوم التالي، انقشعت سحب تشرين الثقيلة تماماً عن سماء المدينة، مفسحة المجال لأشعة شمس دافئة وذهبية لتغسل جدران مبنى كلية الآداب القديم.

كانت الخطوات التي تخطوها سولارا فوق البلاط الرخامي لساحة الجامعة الرئيسية تحمل خفة وثقة متزنة لم تعهدهما في نفسها من قبل.

الممرات الضيقة التي كانت تبدو لها طوال الفصل الدراسي كأنفاق خانقة ومظلمة تتربص بها الذئاب الأكاديمية، بددت شمس اليوم عتمتها، فبدت قاعات فسيحة ومضاءة بنور الأمان المستعاد.

مرت وهي في طريقها بمكتب الدكتور عاصم؛ كان الباب الخشبي الثقيل مغلقاً بالشمع الأحمر، واللوحة الاسمية النحاسية البراقة باتت مغبرة وفاقدة للهيبة بعد أن تلاشت سطوته وانكسر جبروته خلف جدران زنزانة التحقيق الجنائي.

توجهت بخطى هادئة وموزونة نحو التسوية السفلية للمبنى، مخرت ممرات الأرشيف القديم الذي تفوح منه رائحة الورق العتيق والتاريخ المكتوم، حتى بلغت الزاوية المعزولة حيث تقبع الخزانة الحديدية رقم (13).

سحبت صندوق الأبنوس الصغير برفق، وأخرجت مخطوطة "ترانيم الظل الراحل" المستقرة في عمقه.

نظرت إلى صفحاتها المتآكلة وحبرها البني القديم بنظرة مفعمة بالاحترام والامتنان العتيق؛ فقد كانت هذه الأوراق والشيفرات هي الجسر السري الذي عبرت فوقه بنجاح من ضفة العجز والابتزاز إلى ضفة النجاة والحرية الكاملة..

مدت يدها الطاهرة بثبات، ووضعت في الصفحة الأخيرة من المخطوطة، بجانب سطر القديم المطموس، ورقة صغيرة مطوية بعناية فائقة، كتبت فيها عبارة واحدة تداخل فيها خطها الأنثوي الناعم مع الحواف الحادة لخط آسيا:

تمت النقلة الأخيرة بنجاح.. والوزير كسب المباراة وحرر الأسرار.

أعادت المخطوطة إلى جوف الصندوق، وأغلقت باب الخزانة الحديدية، وأدارت قفلها البرونزي بضربة واحدة استقرت في مكانها، لتترك تلك الأسرار القديمة لعام ٢٠٢١ ترقد في سلام الأرشيف، بعد أن أدت رسالتها الجنائية والتاريخية في حماية الأحياء وتطهير الكلية من دنس الفساد.

صعدت السلالم الحجرية نحو الساحة الخارجية للجامعة، ووقفت تحت أشعة الشمس المشرقة، مستنشقة الهواء النقي المفعم برائحة الياسمين البري والقهوة الصباحية الدافئة المنبعثة من مقاصف الطلبة.

لمحت من بعيد زميلاتها في قسم الأدب العربي يلوحن لها بابتسامات عريضة وترحيب حار، فتحركت نحوهن بخطى واثقة، مستقرة، وشامخة القامة.

كانت تحمل في صدرها قلب سولارا النابض بالحب والحياة، وفي عقلها برود آسيا الاستراتيجي الصارم.. مستعدة لخوض غمار نصوصها ومشاريعها القادمة بروح جديدة صاغتها التجربة، وصارت على يقين مطلق بأن القلم الذي يملك شجاعة المواجهة، لا يمكن لأي منظومة في هذا العالم أن تكسر سنه أو تمحو أثره.