مر أسبوعان، وليلى تتعلم كيف تتنفس داخل الشركة.
إبراهيم لم يكن مديرًا عاديًا. كان صارمًا مع الجميع، يدقق في كل تقرير، لا يقبل التأخير. لكن معها هي، كان هناك استثناء صغير لا يراه أحد غيرها. عندما تتأخر خمس دقائق بسبب الحافلة، لا يعلق. عندما تقدم فكرة ناقصة، يقول: "الفكرة جيدة، تحتاج فقط لبعض التطوير، حاولي مرة أخرى". كان يعطيها فرصًا لا يعطيها لغيرها.
بدأ زملاؤها يلاحظون. قالت لها زميلة: "المدير كيعاملك مزيان بزاف، ردّي بالك".
خافت ليلى. آخر ما تريده هو أن يظن الناس أنها تحصل على امتيازات لأنها مطلقة وتبحث عن من ينقذها.
قررت أن تضع حدًا. دخلت مكتبه بعد الدوام وقالت بحدة: "أستاذ إبراهيم، أريد أن أعامل كالجميع، لا أريد شفقة".
كان يكتب على حاسوبه، توقف، ونظر إليها طويلاً.
قال: "هل تظنين أنني أشفق عليك؟"
سكتت.
وقف، اقترب من النافذة وقال وهو يعطيها ظهره حتى لا يحرجها: "أنا أعرفك منذ 2019 يا ليلى. كنت تجلسين في المدرج الثاني، تلبسين نفس الخاتم الفضي الذي تلبسينه الآن. كنت أكتب لك رسائل لم أرسلها أبدًا. كنت أحفظ جدول محاضراتك لأسير خلفك فقط لأتأكد أنك وصلتِ بخير. حبي لك لم يكن يومًا شفقة، كان... انتظارًا".
شهقت ليلى. لم تتوقع اعترافًا بهذا الوضوح.
"كنت أعرف أنك ستتزوجين. رأيت صور خطوبتك في فيسبوك. يومها قررت أن أسافر إلى دبي، أن أنساكِ. عملت ليل نهار حتى أصبحت مديرًا في سن الثلاثين. ظننت أنني نسيت. حتى دخلتِ أنتِ من ذلك الباب قبل أسبوعين".
كانت دموع ليلى تنزل بصمت.
أكمل بصوت متعب: "أنا لا أطلب منك شيئًا. أعرف أنك خارجة من تجربة قاسية، وأعرف أن قلبك مغلق. كل ما أطلبه هو أن تدعيني أحبك من بعيد، كمدير يحترم موظفة مجتهدة. وإن أردتِ أن أبقى غريبًا، سأبقى غريبًا".
في تلك اللحظة، فهمت ليلى شيئًا. كل حياتها، كانت تبحث عن حب يصرخ، حب يقدم الوعود. بينما الحب الحقيقي كان أمامها طوال الوقت، صامتًا، يمشي خلفها ليحميها من الظلام دون أن تعلم.
قالت بصوت مرتجف: "لماذا لم تتكلم وقتها؟"
ابتسم بحزن: "لأنك كنتِ تنظرين لشخص آخر. والحب من طرف واحد يا ليلى، ليس ضعفًا، هو أن تتمنى سعادة شخص حتى لو لم تكن معك".
منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء دون أن يتغير شيء ظاهريًا.
أصبح إبراهيم يترك لها قهوة على مكتبها كل صباح دون بطاقة. يرسل لها مقالات عن التسويق لتتطور. عندما تمرض و تغيب، لا يتصل بها كمدير، بل يرسل رسالة قصيرة: "صحتك أولاً".
ليلى بدأت تنتظره دون أن تشعر. بدأت تبتسم عندما تسمع صوته في الممر. بدأت تكتشف أنها تشتاق لذلك الغريب الذي لم يعد غريبًا.
في أحد الأيام، كانت الشركة ستنظم حفلاً كبيراً لعميل مهم. ليلى كانت مسؤولة عن التقديم. قبل الحفل بدقائق، انقطع فستانها من الخلف. دخلت الحمام تبكي، ترتجف. فجأة، وصلتها رسالة من إبراهيم: "هناك حقيبة سوداء أمام باب الحمام، افتحيها".
فتحت، وجدت شالاً أسود أنيقاً من الحرير.
لم يسألها أحد كيف حصلت عليه. صعدت المسرح، وقدمت عرضها بثقة، وعيناها تبحثان عنه في القاعة. كان في الخلف، يصفق لها وحدها، وفخر في عينيه لم تره من قبل حتى من زوجها السابق.
بعد الحفل، اقترب منها وقال: "كنتِ رائعة".
قالت وهي تمسك الشال: "شكراً... لأنك دائمًا هناك".
قال: "سأكون دائمًا هناك، حتى لو تزوجتِ مرة أخرى".
ضحكت رغم دموعها: "ومن قال لك أنني سأتزوج؟"
قال بجدية: "ستتزوجين، يا ليلى. لأنك تستحقين رجلاً لا يجعلك تتساءلين كل يوم إن كان يحبك أم لا".
وفي تلك الليلة، عرفت ليلى أنها وقعت في حبه. ليس لأنه مديرها، بل لأنه الرجل الوحيد الذي أحبها وهي مطلقة، وهي موظفة بسيطة، وهي لا تملك شيئًا لتقدمه سوى قلب متعب.
حب من طرف واحد تحول إلى حبين، لكنها لم تجرؤ على قولها بعد.
---