استيقظت سُهى قبل الجميع بقليل.
لم يكن ذلك بسبب نومها الجيد، بل لأن جسدها اعتاد الاستيقاظ مبكرًا حتى في الأيام التي لم يكن ينتظرها فيها عمل. فتحت عينيها، وظلت لحظات تحدق في السقف، تحاول أن تتذكر أين هي، قبل أن تعود إليها تفاصيل الليلة الماضية.
البيت القديم. الغرفة الصغيرة. مريم النائمة قربها. والمدينة التي عادت إليها بعد ثماني سنوات.
نهضت بهدوء حتى لا توقظ ابنتها، وارتدت رداءً منزليًا، ثم توجهت إلى المطبخ.
وجدت أمها هناك، تحضر القهوة وتضع الخبز في سلة صغيرة.
قالت الأم دون أن تلتفت:
— لم أسمعك تدخلين المطبخ. هل نمت جيدًا؟
— إلى حدٍّ ما.
— وجهك يقول إنك لم تنامي إلا قليلًا.
جلست سُهى إلى المائدة، وأخذت تقلب هاتفها. لم تكن هناك رسائل جديدة، سوى إشعار من البنك يذكرها بقسط متأخر، ورسالة إعلانية لا تعنيها.
أغلقت الهاتف.
سألتها أمها:
— هل لديك خطة لهذا اليوم؟
أجابت بعد لحظة:
— سأذهب إلى بعض المحالّ والمكاتب. ربما أجد عملًا إداريًا، أو أي عمل مؤقت حتى أرتب أموري.
— ابدئي بما تستطيعين فعله، ولا تنتظري الوظيفة المثالية.
لم يعجب سُهى سماع هذه النصيحة، مع أنها تعرف أنها صحيحة. كانت قد قضت سنوات تتعلم وتعمل وتكتسب الخبرة، ولم يكن سهلًا عليها أن تتخيل نفسها تقبل أي وظيفة لمجرد أنها تحتاج إلى المال.
لكنها لم تعترض.
كانت تعرف أن الكرامة لا تُقاس باسم الوظيفة، وأن الاحتياجات اليومية لا تنتظر حتى تتصالح مع خيباتها.
بعد الإفطار، أيقظت مريم وساعدتها على الاستعداد للخروج.
ارتدت الطفلة ثوبًا أزرق، ومشّطت شعرها أمام المرآة الصغيرة. ثم حملت دفتر الرسم الذي أصرّت على وضعه في حقيبتها قبل السفر.
سألتها أمها:
— لماذا تحملين دفتر الرسم معك دائمًا؟
أجابت مريم بجدية:
— لأنني قد أحتاج إلى الرسم في أي وقت.
ضحكت سُهى.
— وهل توجد أوقات محددة للرسم؟
— لا. أحيانًا أرى شيئًا جميلًا وأخاف أن أنساه.
توقفت سُهى لحظة عند هذه الإجابة.
كان لديها هي أيضًا أشياء كثيرة خافت يومًا أن تنساها، لكنها انشغلت بالعمل والمسؤوليات حتى لم تعد تملك الوقت لتدوينها.
ربما كانت ابنتها تعرف شيئًا لم تتعلمه هي إلا متأخرة: أن بعض الأشياء لا ينبغي تأجيلها إلى أن تصبح الحياة مثالية.
كانت المدرسة التي اختارتها الجدة لمريم تقع على مسافة قصيرة من المنزل. مبنى قديم تحيط به أشجار قليلة، وتزدحم ساحته بالأطفال في ساعات الدخول والخروج.
وقفت سُهى أمام مكتب الإدارة، تشرح للموظفة ظروف انتقال ابنتها وتقدم الأوراق المطلوبة.
بعد انتهاء الإجراءات، رافقتهما معلمة إلى أحد الأقسام، حيث كان الأطفال يجلسون في مجموعات صغيرة.
قالت المعلمة:
— هذه زميلتكم الجديدة، مريم. انتقلت إلى مدينتنا مؤخرًا، وأريد منكم أن تساعدوها على الشعور بأنها بين أصدقائها.
تقدمت مريم بخطوات مترددة.
لم تنظر إلى الأطفال مباشرة، بل أخذت تتأمل المقاعد واللوحات المعلقة على الجدران.
ثم اختارت مقعدًا قرب النافذة.
جلست سُهى معها دقائق، وساعدتها على ترتيب أدواتها، قبل أن تقول:
— سأعود لاصطحابك بعد انتهاء الدوام.
أومأت مريم.
لكن حين همّت سُهى بالخروج، أمسكت ابنتها بيدها.
— أمي؟
التفتت إليها.
— نعم؟
— هل ستنتظرينني فعلًا؟
كان السؤال بسيطًا، لكن سُهى شعرت بوخزة في صدرها. ربما لم تكن مريم تشك في وعدها، لكنها كانت تبحث عن شيء ثابت في يوم تغيرت فيه أشياء كثيرة.
انحنت سُهى وقبّلت جبينها.
— سأكون هنا في الموعد. أعدك.
تركت يدها ومضت.
لم تلتفت إلا مرة واحدة، فرأت مريم تراقبها من مقعدها. رفعت يدها ملوّحة، فابتسمت الطفلة ابتسامة صغيرة.
واصلت سُهى طريقها وهي تفكر في الوعد الذي قطعته.
لقد اعتادت أن تقول لابنتها إنها ستفعل كل ما في وسعها، لكنها بدأت تفهم أن الأطفال لا يحتاجون إلى وعود كبيرة بقدر ما يحتاجون إلى وعود صغيرة يستطيعون الاعتماد عليها.
أن تعود الأم في الموعد.
أن تجد الطفلة وجبتها جاهزة.
أن تسمعها حين تتحدث.
أن تعتذر لها عندما تخطئ.
أشياء بسيطة في ظاهرها، لكنها تشكل عالم الطفل أكثر مما تتصوره الأمهات أحيانًا.
قضت سُهى ساعات الصباح تتنقل بين المحالّ والمكاتب.
دخلت مكتبًا صغيرًا للخدمات الإدارية، وقدمت سيرتها الذاتية. أخبرها المسؤول أنه لا توجد وظيفة شاغرة حاليًا، لكنه سيحتفظ بملفها.
في محلٍّ آخر، عرض عليها صاحبه العمل في تنظيم الحسابات لبضعة أيام في الأسبوع، لكنه أوضح أن الأجر لن يكون مرتفعًا.
ترددت سُهى.
كانت الوظيفة بعيدة عن مستوى الخبرة الذي اكتسبته في العاصمة، لكنها لم تكن معدومة القيمة.
طلبت منه مهلة قصيرة للتفكير.
خرجت إلى الشارع، وجلست على مقعد أمام محلّ مغلق. أخرجت هاتفها، وفتحت قائمة مصاريفها.
كان عليها أن تكون واقعية.
لم تكن تستطيع رفض كل فرصة لا تشبه ما كانت تتخيله لنفسها، ثم تتساءل لماذا لا تتقدم حياتها.
عادت إلى المحلّ، ووافقت على العمل مؤقتًا.
حين خرجت، شعرت براحة غريبة. لم تكن قد حلّت مشكلاتها، لكنها اتخذت قرارًا بدلًا من البقاء أسيرة التردد.
وفي طريقها إلى المدرسة، توقفت أمام واجهة محلّ لبيع الأدوات الفنية.
كانت الألوان المائية مصطفّة خلف الزجاج، وإلى جانبها دفاتر رسم بأغلفة ملونة.
تذكرت دفتر مريم، وفكرت في شراء مجموعة جديدة لها، ثم تراجعت حين تذكرت المصاريف التي تنتظرها.
لم تشعر بالذنب لأنها لم تشترِ الهدية، بل بالأسف لأنها أصبحت تحسب قيمة الأشياء الصغيرة بهذه الدقة.
ثم قالت لنفسها إنها ستشتريها لاحقًا، عندما تستطيع.
لم يكن عليها أن تحرم ابنتها من أحلامها، لكنها لم تكن مضطرة أيضًا إلى شراء كل شيء فورًا كي تثبت لها حبها.
حين وصلت سُهى إلى المدرسة، كانت مريم تنتظر عند البوابة، تحمل حقيبتها بكلتا يديها.
اقتربت منها أمها.
— كيف كان يومك؟
هزّت مريم كتفيها.
— عادي.
عرفت سُهى أن كلمة «عادي» لا تعني دائمًا أن كل شيء بخير.
سارتا في الطريق، ثم سألتها:
— هل تحدثت مع أحد؟
— قليلًا.
— وهل أعجبك القسم؟
— نعم.
صمتت الطفلة قليلًا قبل أن تضيف:
— لكنهم يعرفون بعضهم منذ زمن.
أجابت سُهى:
— هذا طبيعي. أنت أيضًا كنت تعرفين أصدقاءك في المدرسة القديمة، ولم تكونوا غرباء عن بعضكم في البداية.
— لكنني لا أعرف ماذا أقول لهم.
توقفت سُهى عند زاوية الطريق، ثم جلست إلى جانب ابنتها على مقعد حجري.
— هل تريدين أن أخبرك بشيء؟
نظرت إليها مريم.
— عندما كنت في مثل عمرك، انتقلت إلى مدرسة جديدة بسبب عمل جدك. لم أكن أعرف أحدًا، وكنت أخاف أن أرفع يدي في القسم حتى لا يضحك عليّ الآخرون.
بدت الدهشة على وجه مريم.
— أنت أيضًا كنت تخافين؟
ضحكت سُهى.
— كثيرًا. لكنني تعلمت أنني لا أحتاج إلى أن يحبني الجميع. يكفيني أن أكون لطيفة مع الآخرين، وأن أبحث عن الأشخاص الذين أشعر معهم بالراحة.
فكرت مريم في كلامها.
— وماذا لو لم يحبني أحد؟
لم تجب سُهى بسرعة.
كانت تريد أن تمنح ابنتها الثقة، لكنها لم ترد أن تكذب عليها. فالحياة لا تضمن لنا القبول دائمًا، وبعض التجارب تحتاج إلى وقت قبل أن نجد مكاننا فيها.
قالت:
— قد لا ينسجم معك بعض الأشخاص، وهذا لا يعني أن فيك شيئًا خاطئًا. الصداقة لا تحدث بأمر من أحد. امنحي نفسك والآخرين وقتًا.
أمسكت مريم بيد أمها.
ثم تابعتا السير.
في المساء، أخرجت مريم دفتر الرسم وجلست قرب النافذة.
كانت الجدة تعدّ العشاء، بينما تحاول سُهى ترتيب بعض الأوراق المتعلقة بعملها الجديد.
سمعت صوت قلم يتحرك على الورق، فرفعت رأسها.
— ماذا ترسمين؟
أجابت مريم دون أن ترفع عينيها:
— بيتًا.
اقتربت سُهى وجلست بجانبها.
كان الرسم بسيطًا: بيت ذو نوافذ كبيرة، وشجرة في الحديقة، وثلاثة أشخاص يقفون أمام الباب. امرأة طويلة تمسك بيد فتاة صغيرة، وامرأة أخرى تقف إلى جوارهما.
سألتها سُهى:
— من هؤلاء؟
أشارت مريم إلى الشخصيات.
— هذه أنت، وهذه أنا، وهذه جدتي.
— والبيت؟
— بيتنا.
شعرت سُهى بأن شيئًا في داخلها يلين.
— لكنه لا يشبه بيت جدتك كثيرًا.
قالت مريم:
— أعرف. أنا رسمت البيت الذي أريده.
سكتت سُهى.
في الرسم، لم تكن هناك حقائب سفر، ولا فواتير متأخرة، ولا أسئلة عن العودة إلى العاصمة. كانت النوافذ مفتوحة، والحديقة خضراء، والوجوه الثلاثة مبتسمة.
لم يكن البيت الذي رسمته مريم موجودًا في أي شارع من شوارع المدينة، لكنه كان موجودًا في خيالها، وهذا منحه حياة خاصة.
قالت سُهى:
— إنه جميل يا مريم.
ابتسمت الطفلة بفخر.
— سأرسمه مرة أخرى بألوان أجمل.
وضعت سُهى يدها على كتفها.
— أريد أن أرى الرسم عندما تنتهين.
عادت إلى أوراقها، لكنها لم تستطع التركيز فيها كما كانت تفعل قبل قليل.
ظلت تفكر في البيت المرسوم، وفي الطريقة التي عبّرت بها مريم عن مخاوفها دون أن تقول إنها خائفة.
أدركت أن ابنتها لا تحتاج إلى أمٍّ تفسر لها كل شيء، بل إلى أمٍّ تمنحها مساحة كي تفهم العالم بطريقتها.
وفي تلك اللحظة، خطرت لسُهى فكرة لم تكن قد فكرت فيها منذ سنوات.
ربما تستطيع العودة إلى الموسيقى.
ليس الآن بالضرورة، وليس من أجل أن تجعل منها مصدر دخل، بل لأنها كانت يومًا جزءًا منها، قبل أن تختزل حياتها في العمل والمسؤولية.
كانت لديها آلة موسيقية قديمة تركتها في منزل العائلة، وبعض النوتات التي لم تلمسها منذ زمن.
لم تعرف لماذا تذكرتها الآن، لكنها شعرت برغبة هادئة في البحث عنها.
أحيانًا لا تعود الأحلام إلينا على هيئة خطط واضحة. قد تبدأ بمجرد ذكرى، أو أغنية نسمعها مصادفة، أو لون تختاره طفلة لرسم بيت لم تره من قبل.
وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ عودتها، لم تفكر سُهى في كل ما فقدته.
فكرت في شيء يمكنها أن تستعيده.