كانت السماء ملبّدة بغيوم رمادية حين توقفت الحافلة عند مدخل المدينة.
رفعت سُهى رأسها عن النافذة، وأخذت تتأمل الشوارع التي عرفتها يومًا كما تعرف خطوط كفّها. لم تتغير المدينة كثيرًا؛ ما زالت الدكاكين القديمة تصطفّ على جانبي الطريق، وما زال بائع الخضار ينادي على بضاعته بصوتٍ مرتفع، وما زالت واجهات البيوت تحمل آثار سنوات طويلة من الشمس والرطوبة.
ومع ذلك، شعرت بأنها غريبة عنها.
ثماني سنوات قضتها في العاصمة، بين العمل والمواصلات والشقق الصغيرة التي لا تعرف الجيران فيها إلا من وقع خطواتهم في الممرات. ثماني سنوات أقنعت خلالها نفسها بأنها أصبحت امرأة مستقلة، وأنها تجاوزت طفولتها بكل ما فيها من قيود وتوقعات وخيبات.
ثم عادت.
لم تعد لأنها حققت كل ما أرادت، بل لأن الحياة ضاقت بها حتى لم يعد أمامها مكان آخر تتجه إليه.
وضعت حقيبتها الكبيرة على الأرض، ثم مدت يدها إلى مريم التي كانت تجلس إلى جوارها، تحتضن دمية قماشية فقدت إحدى عينيها.
ابتسمت سُهى ابتسامة صغيرة.
— نعم يا حبيبتي، وصلنا.
— هل هذا بيتنا الجديد؟
ترددت سُهى لحظة قبل أن تجيب:
— إنه بيت جدتك. وسنقيم فيه بعض الوقت.
نظرت مريم إليها بفضول.
— ومتى سنعود إلى بيتنا؟
لم تكن سُهى مستعدة لهذا السؤال، على الرغم من أنها سمعته في رأسها عشرات المرات منذ أن حجزت مقعدي الحافلة.
مسحت على شعر ابنتها وقالت:
— عندما تصبح الأمور أفضل.
لم تسأل مريم ماذا تعني الأمور الأفضل. كانت في العاشرة من عمرها، وفي العاشرة يبدو المستقبل بعيدًا بما يكفي ليكون مطمئنًا، حتى عندما لا يفهم الطفل شيئًا مما يحدث حوله.
أما سُهى، فكانت تعرف أن عبارة «عندما تصبح الأمور أفضل» ليست موعدًا، ولا وعدًا يمكنها ضمانه. كانت مجرد جملة استعارتها لتؤجل مواجهة الحقيقة.
حملت الحقيبة بيد، وأمسكت بيد ابنتها باليد الأخرى، ثم سارتا نحو سيارة أجرة قديمة كانت تنتظر المسافرين.
في الطريق إلى المنزل، أخذت مريم تراقب المحالّ الصغيرة والوجوه التي تمرّ خلف النافذة. كانت المدينة بالنسبة إليها مكانًا جديدًا، أما بالنسبة إلى سُهى فكانت دفترًا قديمًا تخشى أن تقرأ بعض صفحاته.
هنا كانت تذهب إلى المدرسة.
وهناك كان محلّ الكتب الذي اشترى لها والدها منه أول قصة.
وعند ذلك المنعطف، كانت تجلس مع صديقتها ليلى بعد انتهاء الدروس، تتحدثان عن السفر والعمل والنساء اللواتي لا يحتجن إلى أحد كي يقررن كيف يعشن.
تذكرت سُهى ضحكتهما القديمة، ثم شعرت بشيء يشبه السخرية من نفسها.
كم يبدو سهلًا أن نرسم مستقبلنا ونحن لا نعرف بعدُ ما الذي يمكن أن نخسره في الطريق.
قال السائق:
— لم أرك منذ سنوات يا ابنتي. هل كنت تعملين في العاصمة؟
أجابته باقتضاب:
— نعم، كنت أعمل هناك.
— وهل ستستقرين هنا؟
نظرت إلى مريم.
— سنرى.
فهم الرجل أنها لا ترغب في الحديث، فعاد إلى مراقبة الطريق.
أغمضت سُهى عينيها للحظة. لم تكن تريد أن يعرف أحد تفاصيل عودتها، ولا أن تضطر إلى تقديم تفسير لكل شخص يقابلها. كانت قد تعبت من شرح حياتها للآخرين، ومن محاولات إثبات أنها بخير، ومن إخفاء الأيام التي لم تكن فيها قادرة حتى على النهوض من السرير إلا لأن ابنتها تحتاج إلى الإفطار والذهاب إلى المدرسة.
لم تكن عودتها هزيمة كاملة، لكنها لم تكن انتصارًا أيضًا.
كانت محاولة للبدء من جديد، وهذا وحده كان يتطلب شجاعة أكبر مما توقعت.
استقبلتهما الجدة عند الباب.
كانت امرأة في أواخر الستينات، قصيرة القامة، تضع وشاحًا داكنًا على رأسها، وتتحرك بخطوات بطيئة لكنها ثابتة. وما إن رأت مريم حتى فتحت ذراعيها.
— تعالي إلى جدتك يا روحي!
ركضت مريم نحوها، فاحتضنتها الجدة طويلًا، ثم أخذت تقبّل وجنتيها وتسألها عن المدرسة وأصدقائها وألعابها، وكأنها تحاول أن تعوّض بالأسئلة كل الأيام التي لم ترها فيها.
وقفت سُهى خلفهما، تحمل الحقيبة وتراقب المشهد.
كان في صدرها ارتياح لا تريد الاعتراف به. للمرة الأولى منذ شهور، لن تضطر إلى تدبير كل شيء وحدها في نهاية اليوم. سيكون هناك شخص آخر في المنزل، شخص يمكنها أن تقول له إنها متعبة من دون أن تضطر إلى إخفاء صوتها.
لكن الارتياح سرعان ما اختلط بشعور آخر.
لقد عادت إلى البيت الذي غادرته ذات يوم وهي تقسم أنها لن تحتاج إلى العودة إليه.
قالت أمها وهي تلتفت نحوها:
— ادخلي يا ابنتي. لماذا تقفين عند الباب؟ لقد اشتقنا إليكما.
دخلت سُهى.
كانت رائحة المنزل كما تتذكرها؛ مزيجًا من الصابون البلدي والقهوة والخبز الذي تعدّه أمها كل صباح. الأثاث في مكانه تقريبًا، والساعة القديمة ما زالت معلقة فوق الباب، تتأخر سبع دقائق كما كانت دائمًا.
حتى آثار الخدوش على الجدار قرب الدرج بقيت كما هي.
شعرت سُهى بأن السنوات الثماني لم تمرّ في هذا البيت، بل مرّت عليها وحدها.
وضعت حقيبتها في الغرفة الصغيرة التي كانت تنام فيها أيام المدرسة. تحولت الغرفة إلى مخزن لبعض الأغراض القديمة، لكن أمها أخلت جزءًا منها ورتبت فراشين متجاورين.
تأملت سُهى الفراشين.
فراش لها، وآخر لمريم.
لم تكن تتخيل يومًا أن تعود إلى هذه الغرفة امرأة في الثلاثينات، تحمل حقيبة ملابس، وملفات عمل قديمة، وفواتير لم تُسدّد، وطفلة تسألها متى ستعودان إلى البيت.
دخلت أمها خلفها، وأغلقت الباب برفق.
— أعرف أنك متعبة، لكن أريد أن أفهم. ماذا حدث يا سُهى؟
أجابت وهي تفتح الحقيبة:
— لا شيء يستحق الحديث الآن. سأرتاح قليلًا، ثم نتكلم.
— منذ أشهر وأنت تقولين إنك بخير، ثم فوجئت بك تخبرينني أنك ستعودين.
توقفت سُهى عن ترتيب الملابس.
كانت تعرف أن أمها لم تقصد إحراجها، لكنها لم تكن تملك الطاقة لتروي الحكاية من بدايتها. كيف تراكمت المصاريف، وكيف فقدت عملها بعد تقليص الموظفين، وكيف بحثت عن بدائل لم تكفِ لتغطية الإيجار، وكيف كانت تحاول أن تبدو قوية أمام مريم بينما تحسب في سرّها ثمن كل وجبة وكل تنقّل.
ثم كانت هناك أشياء أخرى، لا تُكتب في كشوف الحسابات.
شعور الوحدة في شقة صغيرة.
الخوف من المرض حين لا يكون هناك من يساعدها.
القلق الذي يرافقها كلما تأخرت مريم في العودة من المدرسة.
والإحساس المرهق بأنها مطالبة دائمًا بأن تكون الشخص الذي يجد الحل.
قالت أخيرًا:
— خسرت عملي، يا أمي. ولم أعد أستطيع دفع الإيجار. كان عليّ أن أختار بين الاستمرار في التظاهر بأنني قادرة على كل شيء، وبين العودة إلى مكان أستطيع فيه التقاط أنفاسي.
جلست أمها على طرف الفراش.
— ولماذا لم تخبريني من قبل؟
ضحكت سُهى ضحكة قصيرة، خالية من الفرح.
— لأنني كنت أخشى أن تقولي إنني أخطأت عندما غادرت.
— وهل أخطأت؟
رفعت سُهى رأسها بسرعة.
لم يكن السؤال قاسيًا بقدر ما كان مباشرًا، وهذا ما جعل الإجابة صعبة.
— لا أعرف. كنت أريد أن أبني حياتي بنفسي. لم أكن أريد أن أعود كلما واجهت مشكلة.
أمسكت أمها بيدها.
— الاستقلال لا يعني أن تعيشي وحدك حتى تنهاري. نحن لا نولد كي نحمل كل شيء بمفردنا.
سحبت سُهى يدها برفق، لا لأنها رفضت حنان أمها، بل لأنها شعرت بأنها على وشك البكاء.
قالت:
— لا أريد أن أكون عبئًا عليك.
نظرت إليها أمها طويلًا، ثم قالت:
— أنت ابنتي. لكنني لن أكذب عليك وأقول إن الحياة ستكون سهلة. البيت صغير، ومصاريفنا كثيرة، وأنا لم أعد أملك الصحة التي كانت لديّ من قبل. سنحتاج إلى تنظيم أمورنا، وستحتاجين إلى العمل. لكننا سنفعل ذلك معًا.
كان في كلامها واقعية لم تجد فيها سُهى مواساة كاملة، لكنها وجدت شيئًا أهم: لم يعد عليها أن تتظاهر بأن كل شيء تحت السيطرة.
أومأت برأسها.
— سأبحث عن عمل من الغد.
— تناولي الطعام أولًا، ثم فكّري في الغد.
للمرة الأولى منذ أسابيع، لم تجادل سُهى.
في المساء، جلست مريم إلى المائدة الصغيرة في المطبخ، أمام طبق من الحساء وقطعة خبز ساخنة.
كانت الجدة تسألها عن الأشياء التي تحبها، بينما تساعدها سُهى على تناول الطعام.
قالت مريم فجأة:
— جدتي، هل يوجد أطفال في الحي يلعبون معي؟
— بالطبع. ستتعرفين إليهم عندما تبدئين المدرسة.
— وهل مدرستي هنا جميلة؟
أجابتها الجدة:
— ستكتشفين ذلك بنفسك.
صمتت مريم قليلًا، ثم نظرت إلى أمها.
— هل سأضطر إلى تغيير مدرستي؟
توقفت الملعقة في يد سُهى.
كانت تعرف أن هذا السؤال سيأتي، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذه البساطة.
— نعم يا حبيبتي. سنبحث عن مدرسة قريبة من البيت.
— لكن صديقتي نور في مدرستي القديمة.
قالت ذلك بهدوء، دون بكاء أو احتجاج، فشعرت سُهى بأن الأمر أصبح أكثر إيلامًا. كان بإمكانها أن تتحمل خسارتها الشخصية، لكنها لم تكن تعرف كيف تشرح لطفلة أن قرارات الكبار قد تغيّر عالمها دون أن تستأذنها.
مدت يدها إلى يد مريم.
— أعرف أنك تحبين نور، وأن ترك المدرسة ليس سهلًا. يمكنك الاتصال بها والحديث معها، وسنحاول أن تزوريها عندما نستطيع. لكنني أريدك أن تعرفي أن تغيير المدرسة لا يعني أن حياتك ستصبح سيئة.
فكرت مريم قليلًا.
— وهل سأجد صديقة جديدة؟
ابتسمت سُهى.
— بالتأكيد. ربما أكثر من صديقة.
ثم أضافت، وهي تحاول أن تبدو واثقة:
— وأنت فتاة ذكية، وستتعلمين كيف تبدئين من جديد.
لم تقل مريم شيئًا. عادت إلى طبقها، ثم أخذت تتحدث عن رسم كانت تعمل عليه في المدرسة، عن بيت ذي نوافذ كبيرة وحديقة مليئة بالأزهار.
استمعت سُهى إليها باهتمام، وسألتها عن الألوان التي استخدمتها، ثم ضحكت حين وصفت ابنتها المعلمة بأنها لا تحب اللون البنفسجي.
شيئًا فشيئًا، خفّ التوتر عن المائدة.
لكن حين ذهبت مريم إلى الغرفة لتجهز ملابسها للنوم، بقيت سُهى جالسة أمام طبقها الفارغ.
كانت ابنتها تتحدث عن المستقبل بثقة طفلة، بينما كانت هي تحاول أن تجد سببًا واحدًا يجعلها تثق فيه.
أدركت أن مسؤوليتها لم تعد تقتصر على توفير الطعام والملابس ودفع المصاريف. كان عليها أن تحمي حق مريم في الشعور بالأمان، حتى وهي نفسها لا تعرف ماذا سيحدث بعد أسبوع.
ولم تكن تعرف بعد أن هذه العودة، التي بدت لها تراجعًا اضطراريًا، ستضعها أمام أسئلة أعمق من مسألة العمل والمال: من تكون المرأة حين تتوقف عن تعريف نفسها بما تحققه؟ وهل يمكن للإنسان أن يستعيد حلمًا قديمًا بعد أن يتعلم كيف يعيش من دون أن ينتظره؟
في تلك الليلة، نامت مريم سريعًا، وقد وضعت دميتها قرب الوسادة.
أما سُهى، فبقيت مستيقظة تستمع إلى صوت الريح خلف النافذة.
أخرجت من حقيبتها دفترًا قديمًا، كان يرافقها منذ سنوات الجامعة. فتحت صفحاته الأولى، فوجدت قائمة بالأشياء التي كانت تريد تحقيقها قبل أن تبلغ الثلاثين: وظيفة تحبها، بيت صغير تملكه، رحلات إلى مدن لم ترها، ووقت تعود فيه إلى الموسيقى التي تركتها حين بدأت العمل.
قرأت القائمة ببطء.
بعض الأحلام لم يعد يشبهها، وبعضها بدا بعيدًا إلى درجة أنها شعرت بالخجل من مجرد التفكير فيه.
لكنها لم تمزق الصفحة.
أخذت قلمًا، وكتبت تحت القائمة:
«لا أعرف من أين سأبدأ، لكنني لا أريد أن أعيش بقية عمري وأنا أعتذر عن الحياة التي لم أستطع بناءها».
أغلقت الدفتر، ووضعته في درج الطاولة.
ثم التفتت نحو مريم، التي كانت نائمة على جانبها، وغطت كتفيها باللحاف.
همست:
— سأحاول يا صغيرتي. ليس لأنني قوية دائمًا، بل لأنني أريد لنا حياة لا نخاف فيها من الغد كل ليلة.
ولم تكن سُهى تعرف أن الغد لن يمنحها الإجابات بسهولة، وأن أول ما سيطلبه منها هو أن تواجه المدينة التي غادرتها، لا بوصفها فتاة تحاول إثبات نفسها، بل امرأة تعلمت أن تبدأ من جديد دون أن تنكر ما خسرته.
كانت تلك ليلتهما الأولى في البيت القديم.
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف أن حكاية طويلة قد بدأت للتو.