NOVELFLEX

الفصل الثالث

جناح مكسور · بقلم ساتو


كان ماتيس مستيقظًا قبل أن يرن المنبه صباح السبت.

لم يكن لديه اجتماع، ولا رسائل عمل ينبغي الرد عليها، ولا سبب حقيقي يدفعه إلى مغادرة سريره في الثامنة صباحًا. ومع ذلك، فتح عينيه ومد يده نحو الهاتف الموضوع على الطاولة المجاورة.

قرأ الرسالة التي وصلته من كلوي مساء الأمس.

كلوي: يمكنك اصطحاب إليوت في العاشرة. أرجو أن تعيده قبل السادسة، لدينا بعض الأمور مساءً.

نظر إلى الساعة، ثم جلس على حافة السرير.

العاشرة.

كان أمامه وقت كافٍ، لكنه نهض على الفور، كأن التأخر بضع دقائق قد يجعله يفقد شيئًا مهمًا.

دخل الحمام، واستحم، ثم وقف أمام خزانة ملابسه وقتًا أطول مما اعتاد. أخرج قميصًا أزرق فاتحًا، ثم أعاده إلى مكانه واختار آخر أبيض، قبل أن يعود إلى القميص الأول.

توقف أمام المرآة وهو يزرر أكمامه.

كان شعره النحاسي مبعثرًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الفاتحتان أكثر إشراقًا من المعتاد. حاول ترتيب خصلات شعره بيده، ثم ابتسم حين أدرك أنه يكرر الحركة نفسها للمرة الثالثة.

«إنه يوم عادي يا ماتيس.»

قالها لنفسه، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا.

فتح هاتفه واتصل بابنه.

لم يجب أحد.

انتظر قليلًا، ثم أرسل رسالة قصيرة يسأله فيها إن كان مستعدًا، قبل أن يضع الهاتف في جيبه ويتجه إلى المطبخ.

أعد لنفسه قهوة، لكنه لم يشرب منها إلا بضع رشفات. كان يفكر في المكان الذي سيأخذه إليه إليوت، وما إذا كان الطقس مناسبًا للحديقة، وهل ينبغي أن يشتري له شيئًا في الطريق.

ثم تذكر أن ابنه أخبره في المرة الماضية بأنه يريد رؤية القطارات في المحطة القديمة.

ابتسم.

«حسنًا، القطارات إذن.»

وصل ماتيس إلى منزل كلوي قبل العاشرة بدقائق.

كان المنزل في أحد الشوارع الهادئة، بعيدًا قليلًا عن مركز المدينة. أوقف سيارته، ثم التقط الكيس الصغير الذي وضع فيه بعض الحلوى وكتابًا مصورًا اشتراه لابنه في اليوم السابق.

لم يكد يضغط الجرس حتى فُتح الباب.

ظهرت كلوي، ذات الثلاثة والثلاثين عامًا، بشعر بني داكن يصل إلى كتفيها وعينين بنيتين واضحتين. كانت بشرتها فاتحة، وملامحها أنيقة ومنظمة، حتى بملابس المنزل البسيطة. ارتدت سترة خفيفة فوق قميص فاتح، وربطت شعرها خلف أذنها وهي تنظر إلى ماتيس.

«صباح الخير.»

ابتسم لها.

«صباح الخير. هل هو مستعد؟»

«إنه يضع حذاءه.»

ثم نظرت إلى الكيس في يده.

«ما هذا؟»

رفع الكيس قليلًا.

«لا شيء.»

ضيقت عينيها.

«ماتيس.»

«كتاب.»

«هل اشتريت له كتابًا مرة أخرى؟»

«إنه كتاب جميل.»

تنهدت كلوي، لكنها لم تبدُ منزعجة.

«أنت تفسده.»

وضع يده على صدره، متظاهرًا بالإهانة.

«أنا أوسع آفاقه الثقافية.»

«أنت تشتري له شيئًا في كل مرة تراه فيها.»

«هذه مصادفة. الكتب تحبني.»

هزت رأسها، وابتعدت عن الباب لتسمح له بالدخول.

لم يكن بينهما عداء ظاهر، لكن علاقتهما أصبحت أكثر رسمية مما كانت عليه في الماضي. يتحدثان عن إليوت، ومواعيد المدرسة، وما يحتاج إليه الصبي، ثم ينتهي الحديث غالبًا عند هذا الماضيوكانت حريصة على اليوت مثيرا لدرجة مبالغ فيها ولم يكن ماتيس يحاول تحويل كل لقاء إلى نقاش طويل، ولم تكن كلوي تطيل الحديث

دخل إلى غرفة الجلوس، ثم سمع خطوات صغيرة في الممر.

ظهر إليوت عند الباب.

كان في التاسعة من عمره، بشعره الذهبي، وعينين زرقاوين تشبهان زرقة السماء حين تصفو بعد المطر. امتلك وجهًا طفوليًا رقيقًا، وخدين ناعمين، وكان أطول قليلًا مما يتذكره ماتيس في كل زيارة، وإن بقي نحيلًا وصغير البنية.

ارتدى سترة خضراء وحذاءً رياضيًا، وكان يمسك طرف كمّه بأصابعه بينما ينظر إلى أبيه.كان كفلا هادئا خجولا

اتسعت ابتسامة ماتيس.

«صباح الخير، أيها الرجل الوسيم.»

خفض إليوت عينيه، وابتسم ابتسامة صغيرة.

«صباح الخير.»

انحنى ماتيس قليلًا حتى صار أقرب إلى مستوى وجهه.

«هل أنت مستعد لمغامرة اليوم؟»

هز إليوت رأسه.

«إلى أين سنذهب؟»

«سؤال ممتاز. كنت أفكر في زيارة المحطة القديمة، ثم تناول شيء لذيذ، وبعدها ربما نذهب إلى الحديقة إذا لم تمطر السماء. لكنني مستعد لتلقي اقتراحات من خبير في قضاء العطلات.»

رفع إليوت عينيه إليه.

«هل سنرى القطارات؟»

«بالطبع. لقد وعدتك بذلك، أليس كذلك؟»

ابتسم الصبي هذه المرة بوضوح أكبر.

«نعم.»

مد ماتيس يده، لكنه لم يجذب ابنه إليه. ترك له فرصة أن يقترب بنفسه.

وبعد تردد قصير، تقدم إليوت وعانقه.

احتواه ماتيس بذراعيه، ووضع كفه على ظهره برفق. بقي على هذا الحال بضع ثوانٍ، ثم ابتعد قليلًا لينظر إلى وجهه.

«اشتقت إليك.»

احمر وجه إليوت بخفة، وأجاب بصوت منخفض:

«وأنا أيضًا.»

لم يحاول ماتيس أن يجعله يكرر العبارة أو يثبتها. اكتفى بأن مرر يده على شعره الذهبي، ثم وقف والتقط الكيس.

«أحضرت لك شيئًا. لكن عليك أن تعدني بألا تخبر أحدًا أنني رجل كريم إلى هذه الدرجة.»

نظر إليوت إلى الكيس بفضول.

«ما هو؟»

«كتاب. ويمكنك فتحه في السيارة.»

ثم التفت ماتيس إلى كلوي.

«سأعيده قبل السادسة.»

أومأت.

«أعرف. هاتفك معك؟»

أخرج هاتفه من جيبه ورفعه أمامها.

«نعم،.»

«إذا احتجت إلى الاتصال بك، أريدك أن تجيب.»

«سأجيب.»

قالها بجدية هذه المرة، ثم انحنى ليحمل إليوت ويهم بالخروج

في السيارة، جلس إليوت في المقعد المجاور، ووضع الكتاب على ركبتيه.

لم يفتحه على الفور. كان ينظر إلى الشوارع من النافذة، وإلى الناس الذين يمشون على الأرصفة، ثم يلتفت بين حين وآخر إلى أبيه.

أما ماتيس، فكان يتحدث بما يكفي لملء المسافة بينهما.

أخبره عن رجل في الشركة أحضر مظلة إلى العمل في يوم مشمس، ثم نسيها في المكتب عندما هطلت الأمطار. وروى له كيف انتهى اجتماع طويل بسبب انقطاع الكهرباء، وكيف أمضى الموظفون عشر دقائق يحاولون تشغيل آلة القهوة يدويًا.

ضحك إليوت عند الجزء الأخير.

التقط ماتيس ضحكته بطرف أذنه، فابتسم لنفسه، لكنه لم يبالغ في الحكاية كي يستخرج منه ضحكة أخرى.

بعد قليل، أشار إليوت إلى متجر ألعاب مرّا بجانبه.

«هل يمكننا الذهاب إلى هناك؟»

نظر ماتيس إلى المتجر، ثم إلى الطريق أمامه.

«يمكننا المرور به بعد أن نرى القطارات. هل تريد شيئًا محددًا؟»

تردد الصبي.

«ربما... مجموعة قطارات صغيرة.»

«مجموعة قطارات؟»

أضاء وجه ماتيس.

«لماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟ يمكننا بناء محطة كاملة في المنزل. سأكون مسؤولًا عن التصميم، وأنت ستكون المدير العام.»

ضحك إليوت، ثم فتح الكتاب الذي أحضره له أبوه.

لم يسأله ماتيس عما إذا كان سعيدًا، ولم يقل له إنهما سيقضيان يومًا لا يُنسى. كان يريد فقط أن يترك اليوم يسير بهدوء، وأن يمنح ابنه الوقت الكافي ليشعر بالراحة معه.

كانت المحطة القديمة أكثر ازدحامًا مما توقعا.

وقف ماتيس إلى جانب إليوت أمام السياج، وأشار إلى القاطرة التي مرت ببطء على أحد المسارات.

«انظر إلى حجمها! تخيل أن عليك تنظيف كل هذه العربات.»

رفع إليوت رأسه، متابعًا القطار بعينيه.

«كم عربة فيها؟»

«لا أعرف. هل تريد أن نعدها؟»

بدأ الاثنان العد، لكنهما اختلفا عند العربة السابعة، لأن ماتيس أصر على أن عربة صغيرة ملحقة بالقطار لا تُحسب، بينما اعتبرها إليوت عربة كاملة.

انتهى الخلاف بإعلان ماتيس أن ابنه هو الحكم، وأنه سيقبل القرار مهما كان.

حكم إليوت لصالح نفسه.

«هذا ظلم واضح.»

ابتسم الصبي.

«أنت قلت إنني الحكم.»

«وهذا أول قرار تتخذه ضد أبيك. مستقبل مخيف ينتظرني.»

ضحك إليوت بصوت أعلى هذه المرة، حتى التفت رجل يقف بالقرب منهما مبتسمًا.

شعر ماتيس بدفء في صدره.

لم يكن الضحك أمرًا نادرًا في حياته، لكنه كان ينتبه إلى ضحكة ابنه أكثر من أي شيء آخر. كان يحب أن يراها تأتي من دون تردد، من دون أن ينظر الصبي حوله ليتأكد إن كان مسموحًا له بالفرح.

أمضيا قرابة ساعة في متابعة القطارات، وقراءة اللوحات، والتوقف أمام متجر صغير يبيع نماذج مصغرة للقاطرات.

اشترى ماتيس لإليوت نموذجًا واحدًا بعد أن اتفقا على السعر، ثم وضعه في الكيس بعناية.

«سنحتفظ به حتى نصل إلى المنزل، اتفقنا؟»

أومأ إليوت.

وبعد خطوات قليلة، أمسك الصبي بيد أبيه من تلقاء نفسه.

نظر ماتيس إلى يده الصغيرة الملتفة حول أصابعه، ثم خفف سرعته قليلًا حتى يتناسب مع خطواته.

لم يقل شيئًا.

لكنه لم يترك يده حتى وصلا إلى نهاية الرصيف.

عند الظهيرة، جلسا في مطعم صغير قريب من النهر.

اختار ماتيس طاولة قرب النافذة، وجلس إليوت قبالته. كان الصبي يتفحص قائمة الطعام بتركيز شديد، بينما كان ماتيس يراقبه بابتسامة.

«هل وجدت شيئًا يناسبك؟»

«أريد المعكرونة.»

«اختيار ممتاز.»

«وأريد العصير أيضًا.»

«بالطبع.»

توقف إليوت قليلًا، ثم رفع عينيه.

«هل يمكنني طلب الحلوى بعد ذلك؟»

وضع ماتيس القائمة على الطاولة، ومال إلى الأمام.

«إليوت، أريدك أن تستمع إليّ جيدًا.»

بدا الصبي مترددًا، وكأنه يتوقع شروطًا كثيرة.

تابع ماتيس بجدية مصطنعة:

«إذا طلبت الحلوى، فسأضطر إلى طلب حلوى لنفسي، وسنصبح شخصين يأكلان الحلوى بدلًا من شخص واحد. هل أنت مستعد لتحمل هذه المسؤولية؟»

حدق إليوت فيه لثانية، ثم انفجر ضاحكًا.

ضحك ماتيس معه، حتى جاءت النادلة لتأخذ طلبهما، فطلب الصبي المعكرونة والعصير، بينما اختار ماتيس طبقًا بسيطًا لهما و حلوى مشتركة بعد الطعام.

حين وصلت الوجبة، بدأ إليوت يأكل ببطء. كان لا يزال خجولًا بعض الشيء، ولم يرفع صوته كثيرًا حين يريد شيئًا، بل يكتفي بالنظر إلى أبيه أو الإشارة إلى ما ينقصه.

لاحظ ماتيس ذلك، فدفع إبريق الماء إلى جواره، وسأله إن كان يريد المزيد من الجبن المبشور، ثم عاد إلى تناول طعامه من دون أن يعلق على تردده.

وبعد قليل، رفع إليوت رأسه.

«أبي؟»

توقفت يد ماتيس.

كان إليوت لا يزال يناديه بهذه الكلمة، لكنها كانت تخرج منه أحيانًا بحذر صغير، كما لو أنه يحتاج إلى لحظة ليعتادها.

«نعم يا حبيبي؟»

«هل يمكنك أن تأتي إلى مدرستي يومًا ما؟»

لم تتغير ابتسامة ماتيس، لكنه وضع الشوكة جانبًا كي يصغي إليه جيدًا.

«بالطبع. هل هناك شيء في المدرسة تريدني أن أراه؟»

«لدينا معرض للمشاريع الشهر المقبل.»

«حقًا؟ وما مشروعك؟»

بدأ إليوت يشرح له، وأخرج من حقيبته ورقة مطوية بعناية. كانت رسمة لمحطة قطار صغيرة، رسم حولها أشجارًا ومقاعد ومسارات متقاطعة.

أخذها ماتيس بكلتا يديه، وحدق فيها كما لو أنه يتلقى مخططًا معماريًا لمبنى مهم.

«إليوت، هذا رائع.»

ابتسم الصبي، لكنه سرعان ما أضاف:

«ما زال ينقصه بعض الأشياء.»

«إذن سنعمل عليها معًا إذا أردت.»

رفع إليوت عينيه إليه.

«حقًا؟»

«حقًا. سنشتري ورقًا أكبر، ونضيف التفاصيل، ويمكننا صنع الأشجار من الورق الملون. لكنني أحذرك، أنا فنان صعب الإرضاء.»

ابتسم إليوت، ثم عاد إلى طعامه.

احتفظ ماتيس بالرسمة على الطاولة إلى جواره، بعيدًا عن كأس الماء، وكأنه يخشى أن تصيبها قطرة واحدة.

بعد الغداء، ذهبا إلى متجر الألعاب.

لم يطلب إليوت شراء كل ما رآه. كان ينتقل بين الرفوف ببطء، يتوقف أمام سيارة صغيرة، ثم يتركها، ويتأمل مجموعة القطارات، ثم يعود إلى رف آخر.

سار ماتيس إلى جانبه، يجيب عن أسئلته ويستمع إلى ملاحظاته.

وحين اختار إليوت مجموعة صغيرة من القطارات، لم يحاول إقناعه بشراء المجموعة الأكبر والأغلى. اكتفى بمساعدته على قراءة التفاصيل المكتوبة على العلبة.

«هل تحتاج إلى بطاريات؟»

هز إليوت رأسه.

«لا أعرف.»

قلب ماتيس العلبة، وقرأ التعليمات.

«لا، لا تحتاج. اختيار موفق.»

ابتسم الصبي، ثم تابع السير إلى الرف المجاور.

هناك، توقف أمام لعبة دب بني صغير.

لم يلمسه، ولم يطلب شراءه. اكتفى بالنظر إليه للحظات، ثم ابتعد.

لاحظ ماتيس ذلك، لكنه لم يسأله عن السبب.

وعندما وصلا إلى صندوق الدفع، اشترى مجموعة القطارات، ثم أخرج الدب الصغير من الكيس ووضعه فوقها.

نظر إليه إليوت باستغراب.

«هذا ليس لي.»

«أعرف.»

«إذن لمن؟»

رفع ماتيس كتفيه.

«اشتريته لأنه أعجبني. لكنني لا أعرف أين سأضعه، فقد يكون من الأفضل أن تتولى أنت هذه المهمة.»

تردد إليوت قبل أن يأخذ الدب.

«هل يمكنني الاحتفاظ به؟»

انحنى ماتيس قليلًا، وأصلح ياقة سترته.

«بالطبع يا حبيبي.»

احتضن إليوت الدب بيد، وأمسك الكيس باليد الأخرى.

أما ماتيس، فقد حمل بقية الأغراض وسار إلى جانبه، محاولًا ألا يبدو سعيدًا أكثر مما ينبغي.

لم يكن يريد أن يشعر ابنه بأنه مطالب بإظهار الامتنان، أو أن عليه أن يفرح في كل مرة يشتري له شيئًا.

كان يريد أن يعرف إليوت أن وجوده معه يكفي.

وأن اليوم لا يحتاج إلى هدايا كي يكون جيدًا.

توقفا في الحديقة بعد الظهر.

كانت السماء قد انقشعت قليلًا، وظهرت بقع من الضوء بين الغيوم. جلسا على مقعد خشبي، ثم تناول ماتيس كوب قهوته، بينما أخذ إليوت قطعة من الحلوى التي اشترياها في الطريق.

بعد دقائق، لمح الصبي أطفالًا يلعبون بالكرة على العشب.

تابعهم بعينيه، ثم عاد ينظر إلى أبيه.

انتبه ماتيس إلى اتجاه نظره.

«هل تريد اللعب معهم؟»

تردد إليوت.

«لا أعرفهم.»

«يمكننا أن نسألهم إن كانوا يريدون لاعبًا إضافيًا.»

ظل الصبي صامتًا، فتابع ماتيس بنبرة هادئة:

«ويمكننا البقاء هنا إذا كنت تفضل ذلك. لا مشكلة.»

نظر إليوت إليه قليلًا، ثم هز رأسه.

«أريد أن ألعب.»

نهض ماتيس فورًا، ومد يده.

«إذن هيا.»

اقتربا من الأطفال، وتحدث ماتيس مع أحد الآباء، ثم سمحوا لإليوت بالانضمام إلى اللعبة.

في البداية، بقي الصبي قريبًا من أبيه، ولم يتحرك كثيرًا. لكن بعد أن وصلت الكرة إلى قدميه، ركلها باتجاه طفل آخر، فركض خلفها.

وقف ماتيس على جانب الملعب الصغير، يصفق له كلما نجح في تمرير الكرة، ويهتف باسمه حين اقترب من تسجيل هدف.

«هيا يا إليوت! أحسنت!»

التفت إليه الصبي، وابتسم قبل أن يعود إلى اللعب.

وبعد عشرين دقيقة، عاد إليوت إليه وهو يلهث قليلًا.

انحنى ماتيس أمامه، ومسح العرق عن جبينه بمنديل.

«هل أنت متعب؟»

«قليلًا.»

«حسنًا، سنرتاح.»

جلسا على العشب قرب المقعد، وفتح ماتيس زجاجة الماء ليساعده على الشرب.

قال إليوت بعد لحظة:

«أبي، هل رأيت الهدف الذي سجلته؟»

رفع ماتيس رأسه بسرعة.

«هل رأيته؟ لقد رأيته من أول الملعب إلى آخره! كان هدفًا مذهلًا، وأعتقد أنني سأحتاج إلى توقيعك قبل أن تصبح مشهورًا.»

ضحك إليوت، ثم أسند كتفه إلى ذراع أبيه.

بقي ماتيس ساكنًا، ثم وضع يده برفق على كتف الصبي.

كانت الشمس تميل نحو الغرب، والهواء يحمل برودة خفيفة، وأصوات الأطفال تتداخل مع ضحكات عابرة من الممر القريب.

أراد ماتيس أن يتوقف الوقت قليلًا.

لا ليمنع المساء من الوصول، بل ليمنح نفسه دقائق إضافية مع ابنه، دقائق لا يضطر بعدها إلى النظر إلى الساعة أو التفكير في موعد العودة.

لكنه لم يقل شيئًا عن ذلك.

اكتفى بأن سأل إليوت إن كان يريد العودة إلى اللعب، فهز الصبي رأسه مبتسمًا.

وعادا معًا.

عند الخامسة والنصف، بدأ ماتيس يجمع الأغراض.

كان إليوت قد وضع الدب الصغير في حضنه، بينما استقرت مجموعة القطارات في الكيس إلى جواره.

جلس ماتيس أمامه، وأغلق سحاب سترته.

«هل استمتعت اليوم؟»

أومأ إليوت بسرعة.

«نعم.»

«ما أكثر شيء أعجبك؟ القطارات أم المتجر أم كرة القدم؟»

فكر الصبي قليلًا.

«كلها.»

ابتسم ماتيس.

«إجابة دبلوماسية. يبدو أنك ستصبح رجل أعمال مثلي.»

ضحك إليوت، ثم توقف قبل أن يسأل:

«هل سنذهب مرة أخرى؟»

لم يجب ماتيس على الفور، ليس لأنه لا يريد ذلك، بل لأنه لم يكن يريد أن يعطي وعدًا لا يملك وحده تحديد موعده.

مد يده وأمسك بيد ابنه.

«بالتأكيد سنحاول. أريد أن أراك مجددًا، وسنرتب يومًا آخر.»

بدا أن الإجابة أرضته، لكنه ظل ينظر إلى أبيه للحظات.

ثم اقترب منه وعانقه.

احتضنه ماتيس بقوة أكبر هذه المرة، ودفن وجهه للحظة في شعره الناعم.

«أحبك يا إليوت.»

جاءه صوت الصبي خافتًا قرب كتفه:

«أحبك أيضًا.»

أغمض ماتيس عينيه لثانية.

ثم ابتعد، وعدّل ياقة سترته، وسأله إن كان قد أخذ كل أغراضه.

كان عليهما الذهاب.

فتحت كلوي الباب عند الخامسة وخمسين دقيقة.

كان شعرها البني الداكن مرتبًا، وقد ارتدت بلوزة أنيقة وسروالًا داكنًا. نظرت إلى إليوت أولًا، ثم إلى الكيس الذي يحمله ماتيس.

«كيف كان يومكما؟»

أجاب إليوت قبل أبيه:

«رأينا القطارات، وذهبت إلى متجر الألعاب، ولعبت كرة القدم!»

ابتسمت كلوي.

«يبدو أنك استمتعت.»

أومأ الصبي، ثم دخل إلى المنزل حاملًا الدب الصغير.

أما ماتيس، فبقي عند الباب، وأخرج من جيبه ورقة الرسمة التي احتفظ بها.

«أعطاني هذا مشروعه المدرسي. سنعمل عليه معًا قبل المعرض.»

أخذت كلوي الورقة، ونظرت إليها باهتمام.

«إنها جميلة يا إليوت.»

ظهر الصبي عند الممر، وقد سمع كلامها، فابتسم بخجل.

قالت كلوي سأعيدها ل اليوت يمكنك اخذها مرة اخرى
اومأ ماتيس

ثم نظر إلى إليوت.

«حسنًا، يا بطل. استمتع ببقية يومك.»

اقترب الصبي منه، وعانقه عناقًا قصيرًا.

ربت ماتيس على ظهره، ثم انحنى ليقبّل رأسه.

«سأتصل بك خلال الأسبوع، اتفقنا؟»

«اتفقنا.»

«ولا تنسَ أن تخبرني إذا فزت في مباراة أخرى.»

ابتسم إليوت.

«سأخبرك.»

وقف ماتيس، ونظر إلى كلوي.

«شكرًا.»

أومأت له.

«مساء الخير، ماتيس.»

«مساء الخير.»

أغلق الباب خلفه بهدوء.

وبقي واقفًا أمامه لثوانٍ.

لم يكن هناك شيء غير عادي في المشهد. لقد قضى يومًا جميلًا مع ابنه، ضحكا ولعبا وتناولا الطعام، وعاد الصبي إلى منزله في الوقت المتفق عليه.

ومع ذلك، حين استدار نحو الدرج، خفتت ابتسامته.

نظر إلى يديه الفارغتين، ثم إلى باب المنزل الذي خرج منه للتو.

كان اليوم قد انتهى بسرعة أكبر مما أراد.

تنفس ببطء، وأخرج هاتفه ليتفقد الوقت.

السادسة إلا خمس دقائق.

مرر كفه على وجهه، ثم رفع رأسه مجددًا.

كانت هناك لمحة من الحزن قصيرة، بالكاد استقرت على ملامحه قبل أن تختفي. أخرج مفاتيح سيارته، ومشى نحوها بخطوات ثابتة.

وفي الطريق، فتح نافذة السيارة قليلًا، ورفع صوت الموسيقى.

كان يعرف أن عليه العودة إلى حياته المعتادة، وأن المساء لن ينتظر حتى ينتهي من التفكير.

وبعد بضع دقائق، رن هاتفه.

كانت رسالة من مانون.

مانون: هل ستأتي للعشاء؟ لوسيان يقول إنك ستتأخر إذا لم نذكّرك.

حدق ماتيس في الشاشة، ثم ضحك.

ماتيس: أخبريه أنني قادم، وأنه لا يملك أي سلطة على وقتي.

وصل الرد سريعًا.

مانون: قال إنه سيترك لك آخر قطعة من الحلوى إذا وصلت قبل السابعة.

اتسعت ابتسامته.

ماتيس: أنا في الطريق. لا تدعيه يأكلها.

وضع الهاتف في مكانه، وأدار المقود نحو منزل أخيه.

كان المنزل مضاءً حين وصل.

دخل ماتيس بصوته المعتاد، معلنًا وصوله قبل أن يخلع معطفه.

«أين الحلوى؟»

جاءه صوت لوسيان من غرفة الطعام:

«مساء الخير لك أيضًا.»

دخل ماتيس، فوجد أخاه جالسًا إلى المائدة، ومانون تضع طبقًا في المنتصف. كانت لينا تتحدث عن شيء حدث في المدرسة، بينما جلس نوح على كرسيه يحرك سيارته الصغيرة بين الأطباق.

رفع ماتيس يده بتحية واسعة.

«مساء الخير جميعًا. لقد جئت لإنقاذ ما تبقى من الحلوى.»

قالت مانون:

«اغسل يديك أولًا.»

«أوامر كثيرة في هذا المنزل.»

لكنه اتجه إلى المغسلة، وغسل يديه، ثم عاد ليساعدها في وضع الأطباق.

وحين جلس ماتيس إلى جوار لوسيان دفع الاخير نحوه طبقًا.

«كيف كان يومك؟»

رفع ماتيس رأسه، وعادت ابتسامته إلى وجهه.

«رائعًا.لقد ذهبت للقاء اليوت)) توقف قليلا وهو يبتيم ثم اكمل بنبرة عادية (رأينا القطارات، ولعب إليوت كرة القدم، وأخبرني أنه سيصبح أفضل لاعب في فرنسا.»

قالت لينا:

«هل هو أفضل منك؟»

وضع ماتيس الشوكة على الطاولة، ونظر إليها بجدية.

«لا أريد أن أجيب عن سؤال يهدد استقرار العائلة.»

ضحك الأطفال، وبدأ يروي لهم ما حدث في الحديقة، وكيف خسر أمام مجموعة من الصبية في مباراة قصيرة لأنه اضطر إلى الوقوف جانبًا لمراقبة حقائبهم.

كان يتحدث بحماس، يصف حركات اللاعبين، ويقلد تعبيرات وجهه حين أخفق في اعتراض الكرة، حتى ضحكت مانون وهي تحاول ألا تسقط الملعقة من يدها.

وبينما كان الجميع يتحدثون، مد نوح لعبته إلى ماتيس.

«عمي، هل تصلحها لي؟»

أخذها ماتيس وفحصها.

«بكل سرور. لكنني أريد أجرًا مقابل هذه الخدمة.»

سأله نوح بقلق:

«كم؟»

مد ماتيس يده نحو طبق الحلوى.

«قطعة صغيرة.»

احتج نوح فورًا، بينما أخذ لوسيان اللعبة من يد أخيه.

«أصلحها أولًا، ثم تفاوض على أجرك.»

ضحك ماتيس، وعاد إلى الطعام.

كانت المائدة دافئة، والأصوات تتداخل، ومانون تسأل عن تفاصيل اليوم، ولوسيان يعترض على بعض مبالغات أخيه، والأطفال يقاطعون الحكاية كلما تذكروا شيئًا يريدون قوله.

جلس ماتيس بينهم، يضحك ويتحدث ويستمع.

ولم يذكر أحد منهم أن المساء كان أقصر مما أراد، أو أن هناك طفلًا صغيرًا عاد إلى منزله يحمل دبًا بنيًا، وأن رجلًا في الرابعة والثلاثين احتاج إلى دقائق قليلة في مدخل منزل كي يستعيد ابتسامته.

كان ماتيس بارعًا في إعادة الأمور إلى طبيعتها.

وحين وضعت مانون الحلوى على المائدة، مد يده إلى القطعة الأخيرة قبل أن يصل إليها لوسيان.

نظر إليه أخوه باستنكار.

«كنت أحتفظ بها لك.»

توقف ماتيس، ثم دفع الطبق نحوه.

«خذها.»

رفع لوسيان حاجبيه، متفاجئًا.

لكن ماتيس أضاف بسرعة:

«لا أريدك أن تبكي أمام الأطفال. سيكون الأمر محرجًا للجميع.»

ضحكت مانون، وأخذ لوسيان القطعة وهو يهز رأسه.

عاد ماتيس إلى الحديث، وارتفع صوته من جديد.

وفي تلك الليلة، حين عاد إلى شقته، وضع هاتفه على الطاولة وفتح صورة إليوت التي التقطها له في الحديقة بعد أن سجل هدفه.

ظل ينظر إليها قليلًا.

ثم ابتسم، وأطفأ الشاشة.

كان عليه أن ينتظر حتى الأسبوع المقبل.

لكنه، على الأقل، كان قد وعد ابنه بأنهما سيلتقيان مجددًا.

وكان ذلك كافيًا ليبدأ يومًا آخر.