استيقظ ماتيس على صوت المنبه، ومد يده نحو الهاتف من دون أن يفتح عينيه.
أوقفه، ثم بقي مستلقيًا بضع ثوانٍ، يحدق في السقف بعينين نصف مغمضتين، قبل أن يلتفت إلى النافذة.
كان الصباح رماديًا، والسماء فوق ليون ملبدة بالغيوم. تسلل ضوء خافت عبر الستائر، ولم يكن كافيًا ليقنعه بالنهوض.
أغمض عينيه مجددًا.
ثم فتحهما فجأة، والتقط الهاتف.
«لا، لا، لا...»
كانت الساعة السابعة وعشر دقائق.
نهض دفعة واحدة، فكاد يعلق قدمه بغطاء السرير، ثم استقام وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة. دخل الحمام، وغسل وجهه، وبعد دقائق خرج مرتديًا سروالًا داكنًا وقميصًا أبيض، بينما كان يحاول تسوية شعره النحاسي أمام المرآة.
لم ينجح.
مرر أصابعه فيه مرة أخرى، ثم حدق في انعكاسه بعينين خضراوين فاتحتين.
«ممتاز. مظهر رجل يعرف ما يفعله.»
ابتسم لنفسه، والتقط ساعته.
بعد عشر دقائق، كان يغلق باب شقته خلفه، حاملاً حقيبته وهاتفه وكوب قهوة لم يكمل شربه.
وصل إلى الشركة في الوقت المناسب تمامًا، وإن كان ذلك بعد أن اضطر إلى تجاوز رجل يسير ببطء شديد أمام مدخل المبنى.
دخل وهو يحيي موظفة الاستقبال، ثم توقف ليسألها عن عطلة نهاية الأسبوع، واستمع إلى إجابة طويلة نسبيًا قبل أن يتذكر أن لديه اجتماعًا بعد دقائق.
«حسنًا، يجب أن أذهب. إذا تأخرت، قد ينتهي مستقبل الشركة»
قالت الموظفة ضاحكة:
«أنت الذي تتأخر في كل مرة.»
أشار إليها محذرًا.
«لا تفسدي سمعتي في الصباح.»
تابع طريقه إلى مكتبه.
كان ماتيس يعمل في إدارة المبيعات لدى شركة تتعامل مع الفنادق والمطاعم. لم يكن عمله هادئًا، لكنه كان يستمتع بالتعامل مع الناس، ويجيد الحديث مع العملاء حتى حين تكون المفاوضات معقدة. كان يستطيع الانتقال من مناقشة الأسعار إلى المزاح عن الطقس، ثم العودة إلى الأرقام من دون أن يفقد خيط الحديث.
وحين دخل غرفة الاجتماعات، وجد زميله جوليان يرتب الأوراق أمامه.
كان جوليان في أوائل الثلاثينيات، بشعر أشقر داكن قصير وعينين بنيتين، ووجه طويل يبدو متعبًا حتى بعد نوم جيد.
رفع رأسه عندما رأى ماتيس.
«أنت متأخر.»
نظر ماتيس إلى الساعة.
«بثلاث دقائق.»
«أربع.»
«هل تحسبها منذ اللحظة التي قررت فيها أنني سأصل متأخرًا؟»
أغلق جوليان الملف أمامه.
«أحيانًا أتمنى أن تتوقف عن الكلام لمدة خمس دقائق فقط.»
جلس ماتيس قبالته، ووضع حقيبته على الأرض.
«ستكون تجربة مؤلمة لك. لن أنصحك بها.»
بدأ الاجتماع، واختفت المزحات تدريجيًا خلف الأرقام والعروض التجارية. استمع ماتيس إلى الملاحظات، ودوّن بعض التفاصيل، ثم تولى شرح مقترح جديد لتوسيع التعامل مع مجموعة من المطاعم.
كان صوته واضحًا وحيويًا، وتحركت يداه كلما أراد توضيح فكرة. وحين اعترض أحد الحاضرين على التكلفة، لم ينفعل؛ بل مال إلى الأمام، وشرح له كيف يمكن تعديل العرض بحيث يناسب الميزانية دون الإضرار بالاتفاق.
استمر النقاش قرابة ساعة.
وعندما انتهى، أغلق ماتيس حاسوبه، ثم نظر إلى الحاضرين.
«أعتقد أننا نستحق القهوة الآن.»
قال جوليان:
«أنت تشرب القهوة طوال اليوم.»
«لأنني أعمل طوال اليوم.»
«أنت تتحدث طوال اليوم.»
وقف ماتيس، ووضع يده على كتف زميله وهو يمر بجانبه.
«وهذا عمل شاق، صدقني.»
عند الظهيرة، جلس ماتيس إلى مكتبه يتناول شطيرة أحضرها من المقهى القريب. كان يتصفح رسائله حين ظهر إشعار من لوسيان.
لوسيان: هل ستأتي مساء اليوم؟
ابتسم ماتيس، وأجاب فورًا.
ماتيس: هل هذا سؤال حقيقي أم أنك تحاول إخفاء اشتياقك إليّ؟
جاءه الرد بعد أقل من دقيقة.
لوسيان: مانون تسأل إن كنت ستتناول العشاء معنا.
ماتيس: كنت أعرف أنك لن تستطيع الاعتراف بمشاعرك.
لوسيان: سأعتبرك مشغولًا إذن.
كتب ماتيس بسرعة:
ماتيس: سأكون عندكم في السابعة. أخبر مانون أنني أريد شيئًا لذيذًا.
ثم أضاف:
ماتيس: في الواقع، لا تخبرها. ستقول إن كل ما تطبخه لذيذ، وسأضطر إلى الموافقة حتى لا أجرح مشاعرها.
وضع الهاتف جانبًا، وأخذ قضمة من شطيرته.
كان يعرف أن لوسيان سيقرأ الرسالة ويهز رأسه، وربما يبتسم قليلًا قبل أن يعود إلى عمله. كانت تلك التفاصيل الصغيرة جزءًا من علاقتهما، مثلما كان موعد العشاء جزءًا ثابتًا من أيامه.
رن هاتفه مرة أخرى.
هذه المرة كانت المتصلة كلوي.
توقف عن المضغ، ثم أجاب.
«مرحبًا.»
جاءه صوتها واضحًا، هادئًا ومباشرًا.
«هل يمكنك التحدث قليلًا؟»
«نعم، أنا في استراحة الغداء. هل حدث شيء؟»
«لا شيء خطير. أردت أن أسألك عن عطلة نهاية الأسبوع.»
استند إلى ظهر كرسيه، ونظر من النافذة إلى الشارع.
«حسنًا، أخبريني.»
تحدثا بضع دقائق عن موعد الزيارة وبعض الترتيبات المتعلقة بإليوت. سأل ماتيس عن المدرسة، وعن شيء كان ابنه قد أخبره به في المرة الأخيرة، ثم أصغى إلى التفاصيل التي نقلتها كلوي.
كان صوته يتغير حين يتحدث عن ابنه..اليوت؛ يصبح أكثر انتباهًا،ل ميلًا إلى المزاح. لم يكن يسأل عن الأمور الكبيرة وحدها، بل عن الأشياء التي قد تبدو تافهة للآخرين: هل ما زال إليوت يرفض تناول بعض الخضراوات؟ هل أكمل الكتاب الذي اشتراه له؟ وهل أعجبه القميص الجديد؟
حين انتهت المكالمة، بقي الهاتف في يده لحظات.
ثم فتح صور إليوت.
كانت آخر صورة قد أُرسلت إليه قبل أيام؛ ظهر فيها الصبي بشعره الذهبي وعينيه الزرقاوين، يحمل كتابًا أمام صدره ويبتسم ابتسامة صغيرة للكاميرا.
كبر قليلًا منذ آخر مرة رآه فيها.
مرر ماتيس إبهامه على طرف الشاشة، ثم أغلق الصورة بهدوء.
بعد لحظة، عاد إلى رسائل العمل.
انتهى يومه في السادسة إلا ربعًا.
خرج من المبنى وهو يتحدث مع جوليان عن مباراة كرة قدم كانا قد اختلفا بشأنها في الأسبوع الماضي. أصر ماتيس على أن فريقه كان أفضل، بينما كان جوليان يذكره بالأهداف التي أضاعها لاعبوه.
«أنت لا تفهم في كرة القدم.»
قالها ماتيس بثقة وهو يفتح باب سيارته.
رد جوليان:
«أنا الذي أخبرتك بنتيجة المباراة.»
«وهذا لا يعني أنك تفهمها.»
ضحك جوليان، ولوّح له قبل أن يتجه إلى سيارته.
جلس ماتيس خلف المقود، وشغّل الموسيقى، ثم قاد باتجاه شقته.
في الطريق، توقف عند مخبز واشترى بعض المعجنات. لم يكن ينوي شراءها في البداية، لكنه رأى شيئًا يعرف أن نوح سيحبه، وتذكر أن لينا طلبت منه الأسبوع الماضي أن يجرب نوعًا آخر.
خرج من المخبز بكيسين، ونظر إليهما مبتسمًا.
«سأصبح سببًا في فساد عادات هذه العائلة الغذائية.»
ثم أضاف بصوت مسموع، كأنه يجيب شخصًا جالسًا بجانبه:
«لكنهم سيشكرونني.»
وصل ماتيس إلى منزل لوسيان قبل السابعة بقليل.
كان يحمل المعجنات بيد، وهاتفه باليد الأخرى، حين فتح الباب قبل أن يضغط الجرس للمرة الثانية.
ظهرت مانون، وعينيها تتجهان مباشرة إلى الكيس.
«ماذا أحضرت؟»
رفع الكيس.
«أشياء بسيطة.»
«ماتيس.»
«حسنًا، معجنات.»
تنحت له، ثم أغلقت الباب خلفه.
«لدينا حلوى من الأمس.»
«لا بأس. سنأكلها غدًا.»
دخل المطبخ، ووضع الكيس على الطاولة، ثم نظر حوله.
«أين الجميع؟»
«لوسيان لم يصل بعد، والأطفال في الطابق العلوي.»
استدار إليها.
«كيف لم يصل؟ لقد اتصل بي قبل قليل وقال إنه سيخرج مبكرًا.»
رفعت مانون كتفيها.
«اجتماع إضافي، على ما أظن.»
أخرج ماتيس هاتفه واتصل بأخيه.
جاءه صوت لوسيان بعد رنينين.
«مرحبًا.»
«أين أنت؟»
«في السيارة.»
«هذا أعرفه. أين سيارتك؟»
ساد صمت قصير في الطرف الآخر.
«ماتيس، أنا أقود.»
«وأنا أتحدث إلى رجل يجيب عن أسئلة بسيطة بإجابات غامضة.»
تنهد لوسيان.
«سأصل خلال عشر دقائق.»
«حسنًا. سأنتظرك.»
أنهى المكالمة، ثم نظر إلى مانون.
«عشر دقائق.»
قالت وهي تتابع ترتيب الطعام:
«إذن اجلس.»
جلس فعلًا، لكنه لم يبقَ ساكنًا طويلًا. ساعدها في وضع الأطباق، ثم ذهب إلى غرفة الجلوس ليتفقد ما إذا كان نوح قد ترك لعبته تحت الأريكة مرة أخرى. وبعدها صعد إلى الطابق العلوي لينادي الأطفال إلى العشاء.
وجد إينزو في غرفته، جالسًا إلى مكتبه، بينما كانت لينا تبحث في درج عن قلم.
أما نوح فكان مستلقيًا على بطنه أمام خزانة صغيرة، يحاول إخراج سيارة عالقة خلفها.
وقف ماتيس عند الباب.
«أخبرني أن هذه ليست السيارة نفسها التي أنقذناها أمس.»
رفع نوح رأسه، وابتسم.
«إنها سيارة أخرى.»
اقترب ماتيس وانحنى بجانبه.
«أنت تدير مشروعًا كاملًا هنا، أليس كذلك؟»
«لا أستطيع إخراجها.»
«حسنًا، دع المحترف يتولى الأمر.»
مد ذراعه خلف الخزانة، وحاول الوصول إلى اللعبة. لم ينجح في المحاولة الأولى، فغيّر وضعه، ثم أخرجها أخيرًا ورفعها عاليًا.
«نجاح باهر!»
أخذها نوح منه بسعادة، ثم ركض إلى الخارج.
ناداه ماتيس:
«إلى العشاء، أيها المهندس الصغير!»
ثم التفت إلى إينزو ولينا.
«وأنتما أيضًا. إذا نزلتما متأخرين، سأضطر إلى تناول المعجنات كلها وحدي.»
قالت لينا وهي تمر بجانبه:
«أنت ستأكلها على أي حال.»
نظر إليها بصدمة مصطنعة.
«أصبحتِ تتهمينني كثيرًا مؤخرًا.»
وصل لوسيان بعد دقائق، ووجد أخاه يتحدث إلى نوح عن سيارة اللعبة بينما كانت مانون تضع آخر الأطباق على المائدة.
كان شعر لوسيان البني الداكن قد فقد بعض ترتيبه، وبدت عليه علامات يوم طويل، لكنه ابتسم حين رأى ماتيس.
«هل بدأت من دوني؟»
نهض ماتيس وفتح ذراعيه.
«كنت على وشك الاتصال بالشرطة.»
«لماذا؟»
«لأنك جعلت عائلتك تنتظر.»
خلع لوسيان معطفه.
«عائلتي تأكل الآن بفضلك، كما يبدو.»
«لا تقلق. سأكتب ذلك في سيرتي الذاتية.»
جلسا إلى المائدة، وبدأ العشاء وسط أحاديث متفرقة عن المدرسة والعمل وأشياء صغيرة حدثت خلال اليوم.
روت لينا قصة عن زميلة لها نسيت واجبها، وأصر إينزو على أن القصة لا تستحق كل هذا الاهتمام. أما نوح، فقد أمضى وقتًا طويلًا يحاول إقناع الجميع بأن سيارته تستطيع تجاوز العقبات أسرع من أي سيارة أخرى.
كان ماتيس يشارك الجميع الحديث، يضحك مع لينا، ويسأل إينزو عن امتحاناته، ويمنح نوح كامل انتباهه حين يعيد شرح ما فعلته السيارة للمرة الثالثة.
وبين حين وآخر، كان ينظر إلى لوسيان، فيجد أخاه يستمع إليه بابتسامته الصغيرة المعتادة.
لم يكن المساء مختلفًا عن أمسيات كثيرة سبقته.
وهذا تحديدًا ما جعله محبوبًا لدى ماتيس.
فهو لم يكن يبحث عن أحداث كبيرة في نهاية يومه. كان يحب أن يجد مكانًا يعرفه، وأشخاصًا يستطيع أن يتحدث معهم من دون أن يفكر كثيرًا فيما سيقوله، ومائدة لا يحتاج فيها إلى مناسبة كي يجلس حولها.
وحين انتهى العشاء، نهض ليحمل الأطباق إلى المطبخ، رغم اعتراض مانون.
«أنت ضيف.»
التفت إليها وهو يحمل طبقين.
«أنا فرد من العائلة، وهذا يمنحني امتيازات كثيرة، من بينها المساعدة في غسل الأطباق.»
قال لوسيان من خلفه:
«أنت لا تغسلها.»
توقف ماتيس عند باب المطبخ، ثم التفت إليه ببطء.
«هل يمكنك أن تسمح لي بالاستمتاع بسمعتي خمس دقائق؟»
ضحكت مانون، وعاد ماتيس إلى المطبخ وهو يهز رأسه.
وبعد قليل، جلس مع لوسيان في غرفة الجلوس، يتحدثان عن العمل، ثم عن مباراة كرة القدم، ثم عن مكان يمكن أن يذهبا إليه يوم السبت.
لم يكن أي منهما مستعجلًا لإنهاء الحديث.
وعندما نظر ماتيس إلى الساعة أخيرًا، كانت قد تجاوزت التاسعة والنصف.كالعادة
نهض، والتقط معطفه من المدخل.
«سأذهب قبل أن أقرر المبيت هنا.»
رافقه لوسيان إلى الباب.
«يمكنك المبيت إن أردت.»
نظر إليه ماتيس بابتسامة واسعة.
«لا تقل أشياء كهذه وأنت تعرف أنني سأقبل العرض.»
«إذن سأقول لك تصبح على خير.»
ضحك ماتيس، وعانق أخاه سريعًا.
«تصبح على خير.»
نزل الدرج، واتجه إلى سيارته، ثم جلس خلف المقود وأدار المحرك.
كانت الشوارع هادئة، والهواء باردًا، والموسيقى تنساب من مكبرات الصوت بصوت منخفض.
قاد نحو شقته وهو يفكر في عطلة نهاية الأسبوع، وفي زيارة ابنه، وفي المكان الذي اقترحه على لوسيان.
كان لديه الكثير ليفعله في الأيام المقبلة.
ومع ذلك، لم يشعر بالقلق.
فقد اعتاد أن يواجه يومه بالطريقة نفسها: بابتسامة، وحديث طويل، وثقة بأن الأمور ستجد طريقها إلى الحل.