في مساء اليوم التالي، وصل ماتيس إلى منزل لوسيان متأخرًا عشر دقائق، حاملًا كيسًا ورقيًا من المخبز القريب.
كان المطر قد بدأ يهطل حين أوقف سيارته، فركض نحو الباب وهو يحمي الكيس تحت معطفه، ولم يتوقف عن التذمر حتى فتحت له مانون.
«هذا الطقس يتآمر عليّ شخصيًا. خرجت من الشركة والشمس مشرقة، وما إن اشتريت المعجنات حتى قررت السماء أن تغرق المدينة.»
نظرت مانون إلى شعره النحاسي المبتل عند الأطراف، وإلى قطرات الماء العالقة على كتفي معطفه.
«كان بإمكانك استخدام المظلة.»
دخل ماتيس، وخلع معطفه.
«كانت في السيارة.»
«إذن لماذا لم تستخدمها؟»
توقف لحظة، ثم نظر إليها.
«سؤال جيد. سأفكر فيه الليلة.»
ضحكت مانون، وأخذت منه الكيس قبل أن يضعه على الطاولة.
«اذهب وبدّل قميصك قبل أن تمرض.»
«أنا رجل قوي.»
«ماتيس.»
«حسنًا، سأبدله.»
صعد إلى الطابق العلوي حيث يحتفظ ببعض الملابس في خزانة صغيرة خصصتها له مانون منذ سنوات، ثم عاد بعد دقائق بقميص جاف، وجلس إلى المائدة مع أخيه وأطفاله.
كان لوسيان قد وصل قبل الجميع، وجلس في مكانه المعتاد. رفع عينيه إلى أخيه حين جلس.
«هل بللك المطر.»
نظر ماتيس إلى أكمامه.
«كنت أظن أنني أرتدي قميصًا جديدًا من المطر...من الجيد ان عندي بعض الملابس هنا»
هز لوسيان رأسه، ثم دفع نحوه طبق السلطة.
«كل قبل أن تبدأ في إزعاجنا.»
«أنت لا تقدر موهبتي.»
«أقدرها أكثر حين تكون مشغولًا بالمضغ.»
ابتسم ماتيس، وأخذ قطعة من الخبز.
بدأت لينا تتحدث عن مشروع مدرسي، بينما كان نوح يحاول إقناع أمه بأن يضع لعبته إلى جوار طبقه. أما إينزو، فكان صامتًا على غير عادته، ينظر إلى هاتفه بين حين وآخر، ثم يعود إلى الطعام.
لاحظ ماتيس ذلك، لكنه لم يعلّق فورًا.
انتظر حتى انتهت لينا من حديثها، ثم التفت إلى ابن أخيه.
«إينزو، هل ما زلت تعمل على مشروع التاريخ؟»
رفع الفتى رأسه. كان شعره البني الداكن قد انسدل قليلًا فوق جبهته، وعيناه تبدوان متعبتين بعد يوم طويل.
«أنهيته أمس.»
«إذن لماذا تبدو كأنك تكتب أطروحة جامعية في رأسك؟»
«أفكر في شيء.»
«شيء متعلق بالدراسة؟»
«لا.»
أومأ ماتيس بجدية مبالغ فيها.
«هذا أسوأ. الدراسة يمكن الهروب منها بالنوم، أما التفكير فلا أعرف له حلًا.»
تدخل لوسيان:
«أنت آخر شخص ينبغي أن يعطي نصائح عن التفكير.»
التفت إليه ماتيس.
«أنا أفكر باستمرار.»
«في ماذا؟»
«في الطعام، وفي العطلات، وفي كيفية إقناعك بأنني رجل مسؤول.»
قال إينزو بهدوء:
«أعتقد أن المشكلة أنك تحاول إقناعه بدلًا من أن تكون كذلك.»
ساد صمت قصير، ثم انفجر ماتيس ضاحكًا.
رفع إصبعه نحو الفتى.
«هذا. هذا بالضبط ما أقصده. لقد تربى هذا الولد على إهانتي.»
لكن إينزو ابتسم ابتسامة صغيرة، وعاد إلى طعامه.
لم يكن ماتيس منزعجًا. على العكس، كان يستمتع بهذه اللحظات التي يتحدث فيها إينزو من دون أن يراقب ردود أفعال الآخرين. كان الفتى قليل الكلام في معظم الأوقات، لكنه حين يقرر قول شيء، يختار كلماته بعناية غريبة بالنسبة إلى عمره.
عاد الحديث إلى الطعام والعمل، حتى وضع لوسيان شوكته جانبًا، ونظر إلى أخيه.
«بالمناسبة، اتصلت بنا أمي اليوم.»
رفع ماتيس رأسه.
«هل حدث شيء؟»
«لا. تريد أن تجمعنا على العشاء في عطلة نهاية الأسبوع.»
ابتسم ماتيس تلقائيًا.
«حسنًا، وماذا تريد هذه المرة؟»
«ماتيس.»
«ماذا؟ أنا أسأل فقط. هل كسر أبي شيئًا في المنزل؟ هل تريد من مني إصلاح حاسوبها؟ هل اشترت أثاثًا جديدًا وتحتاج إلى من ينقله؟»
تنهد لوسيان.
«أمي تريد العشاء فحسب.»
«من دون مناسبة؟»
«نعم.»
بدا ماتيس غير مقتنع.
«هذا مريب.»
«إنها اشتاقت إلينا، وإلى الأطفال. لم نذهب إلى منزلهم منذ فترة.»
هدأ ماتيس قليلًا، ثم أومأ.
«صحيح. مر وقت طويل.»
قالت مانون وهي تجمع الأطباق الفارغة:
«فرانسواز سألتني قبل أيام إن كان نوح قد كبر كثيرًا. أعتقد أنها تريد رؤيتهم جميعًا.»
ابتسم ماتيس.
«إذن سنذهب. سأشتري لها شيئًا في الطريق.»
قال لوسيان:
«لا تشترِ شيئًا باهظًا.»
«كنت أفكر في باقة زهور.»
«جيد.»
«وزجاجة عطر.»
«ماتيس.»
«حسنًا، زهور فقط. أنت تفسد متعة العطاء.»
ضحكت مانون، ثم أخذت آخر طبق إلى المطبخ.
عاد ماتيس إلى الطعام، لكن فكرة العشاء بقيت في ذهنه. تخيل أمه وهي تفتح الباب، وأباه جالسًا في مكانه المعتاد، ومينا تتحدث عن الجامعة، والأطفال يركضون في المنزل. ومن بينهم - اليوت - لم تكن زيارة استثنائية، ولم يكن هناك ما يستدعي كل هذا التفكير.
لكنه أدرك أنه لم يجلس مع عائلته كلها منذ أسابيع.
وحين انتهى العشاء، أخرج هاتفه من جيبه.
كان يريد أن يسأل كلوي إن كان بإمكانه اصطحاب إليوت معهم.كان يريد ذلك بشدة
خرج ماتيس إلى الشرفة الصغيرة الملحقة بغرفة الجلوس، وأغلق الباب خلفه حتى لا يزعج الآخرين بصوته.
كان المطر قد خف، لكنه لم يتوقف تمامًا. امتدت أضواء الشارع على الإسفلت المبتل، وكانت السيارات تمر ببطء، تاركة خلفها أصواتًا خافتة.
بحث عن اسم كلوي في هاتفه، ثم ضغط الاتصال.
أجابت بعد عدة رنات.
«ماذا هناك؟»
لم تعجبه نبرة صوتها، لكنه تجاهل ذلك.
«مساء الخير لك أيضًا.»
«ماتيس، أنا مشغولة. ماذا تريد؟»
أخذ نفسًا قصيرًا.
«أمي ستقيم عشاءً في نهاية الأسبوع المقبل . لم نلتقِ جميعًا منذ فترة، وأردت أن آخذ إليوت معي حتى يرى جدته وجده.»
جاءه الرد سريعًا.
«لا أعتقد أن هذا مناسب.»
عقد حاجبيه.
«لماذا؟»
«لديه دراسة. الأسبوع المقبل مزدحم، وعليه أن ينهي بعض الواجبات.»
«إنه يوم عطلة.»
«والواجبات لا تختفي في أيام العطلات.»
نظر ماتيس إلى الشارع أمامه.
«يمكنه إنهاء واجباته قبل العشاء. لن نخرج طوال اليوم، مجرد بضع ساعات مع العائلة.»
تنهدت كلوي في الطرف الآخر.
«ماتيس، قلت لك إن وقته ضيق.»
ظل صامتًا لحظة، محاولًا أن يحافظ على نبرة هادئة.
«أنا لا أطلب أن يغيب عن المدرسة. أريد فقط أن يجلس مع جدته وجده على العشاء.»
«ولماذا لا تذهب وحدك؟»
شد ماتيس أصابعه حول الهاتف.
«لأن إليوت حفيدهما أيضًا.»
لم تجب فورًا، ثم قالت:
«سأرى ما يمكنني فعله، لكن لا أعدك بشيء.»
كان يعرف معنى هذه العبارة. لقد سمعها من قبل بما يكفي ليعرف أن الحديث قد انتهى، حتى لو لم تقل ذلك صراحة.
ومع ذلك، حاول مرة أخيرة.
«هل يمكنك أن تسأليه على الأقل؟»
جاءه صوتها أكثر جفافًا.
«إنه طفل، وليس عليه أن يقرر كل شيء بنفسه.»
أغمض ماتيس عينيه لثانية.
«أنا لم أقل إنه سيقرر. قلت إنك تستطيعين سؤاله إن كان يريد الذهاب.»
ساد صمت قصير، ثم قالت كلوي:
«ولا أعتقد أنه سيتمكن من قضاء الوقت معك في عطلة نهاية الأسبوع هذه أيضًا. لديه الكثير ليفعله.»
لم يجب.
انتظر لحظة، كأنه يمنحها فرصة لتضيف شيئًا آخر، لكنها لم تفعل.
قال أخيرًا:
«حسنًا. فهمت.»
أنهى المكالمة.
بقي ماتيس واقفًا في مكانه.
لم يدخل فورًا، ولم يفتح هاتفه مجددًا، ولم يحاول الاتصال بها مرة أخرى.
رفع رأسه نحو السماء.
كانت الغيوم تحجب معظم النجوم، والضوء المنعكس من المدينة يجعل الليل يبدو رماديًا بدلًا من أن يكون أسود. وقف طويلًا، يراقب حركة الغيوم البطيئة، فيما بدأت قطرات المطر تتجمع على حافة الدرابزين أمامه.
لم يكن غاضبًا من أجل العشاء وحده.
كان الأمر أوسع من ذلك، وأقدم من مكالمة قصيرة.
كان يريد أن يكون أبًا حاضرًا في حياة ابنه، لا رجلًا ينتظر موعدًا تحدده ظروف الآخرين. أراد أن يعرف ما الذي يخيف إليوت، وما الذي يضحكه في المدرسة، ومن يجلس إلى جانبه في الصف، وأي الكتب يحب، وما إذا كان لا يزال يترك ضوء الممر مضاءً حين يذهب إلى النوم.
أراد أن يراه في الأيام العادية، لا في الساعات التي تُمنح له بين موعد وآخر.
تخيل، للحظة، حياة مختلفة.
أن يستيقظ صباحًا ويسمع خطوات إليوت في الشقة، أن يتذمر من الفوضى التي يتركها الصبي خلفه، وأن يشتري الحليب والخبز لأنه يعلم أن ابنه سيعود جائعًا من المدرسة. أن يساعده في واجباته، وأن يجلس إلى جانبه في المساء، حتى لو انتهى الأمر بهما إلى الجدال حول مسألة رياضية بسيطة.
تخيل أن يكون جزءًا من الأشياء الصغيرة التي لا يفكر فيها معظم الآباء، لأنها تحدث كل يوم.
ثم تذكر أن هذه الحياة لم تكن له.
لم تكن كلوي تمنعه من رؤية إليوت دائمًا، ولم يكن يجهل أن عليه مسؤوليات تجاه ابنه، كان يشعر في كل مرة أن علاقته به تُختصر إلى موعد قصير، ثم تنتهي قبل أن يعتاد وجوده إلى جواره.
خفض رأسه،
لم يكن يريد أن يغضب من ابنه، أو أن يجعل الصبي يشعر بأنه سبب حزنه. إليوت لم يكن مسؤولًا عن شيء من هذا، ولم يكن ينبغي له أن يحمل أيًا من تلك الأفكار.
مرر ماتيس يده على شعره النحاسي، ثم تنهد ببطء.
عاد إليه مشهد قديم، من الأيام التي سبقت طلاقه من كلوي.
لم تكن هناك خيانة أو حادثة واحدة واضحة يستطيع أن يشير إليها ويقول إنها أنهت زواجهما. لقد طلبت الطلاق ذات مساء بعد أشهر من النقاشات المتعبة، وأخبرته بأنها لم تعد تريد الاستمرار في حياة تشعر فيها أنها وحدها من يفكر في المستقبل.
قالت له يومها إنه رجل طيب، وإنه يحب إليوت، لكنه يتعامل مع الحياة وكأن كل شيء يمكن تأجيله إلى الغد.
كان قد حاول الدفاع عن نفسه. أخبرها أنه يعمل، وأنه لا يهمل مسؤولياته، وأنه يريد أن يستمتع بالحياة بدلًا من أن يقضيها قلقًا بشأن ما سيحدث بعد سنوات.
لكنها لم تغير رأيها.
فقد تعبت من انتظار أن يصبح أكثر جدية، و لم تعد ترى نفسها إلى جانبه.
لم يفهم ماتيس يومها كيف يمكن أن ينتهي زواج بسبب اختلاف كهذا. كان يعتقد أن الحب والضحك والقدرة على تجاوز الأيام السيئة أمور تكفي لإنقاذ الكثير من الأشياء.
ولم يدرك إلا لاحقًا أن ما يراه خفةً ومرونةً في الحياة، قد يراه شخص آخر غيابًا للأمان.
فتح عينيه.
كان المطر قد عاد يهطل، وبدأت قطراته تضرب الأرض بقوة أكبر.
مسح وجهه بكفيه، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
لم يكن يستطيع تغيير الماضي في هذه الليلة، ولا إقناع كلوي بشيء لا تريد الموافقة عليه. لكنه لم يكن يريد أن يقف في الشرفة حتى يتحول حزنه إلى غضب، أو أن يدخل إلى الغرفة بوجه يجعل الآخرين يسألونه عما حدث.
كان لوسيان في الداخل، والأطفال حوله، ومانون قد أعدت الشاي.
لم يرد أن يجعل مساءهم أثقل بسببه.
رفع رأسه مرة أخيرة نحو السماء، ثم استدار وفتح الباب.
كان إينزو أول من لاحظ عودته.
جلس الفتى على طرف الأريكة، وقد وضع حاسوبه المحمول على الطاولة أمامه.. رفع عينيه نحو عمه، ثم عاد إلى الشاشة.
«هل كل شيء بخير؟»
توقف ماتيس عند الباب.
لم يتوقع السؤال.
«نعم. لماذا؟»
هز إينزو كتفيه.
«لا شيء. كنت في الخارج طويلًا.»
ابتسم ماتيس، وخلع سترته.
«كنت أفكر في مشكلة فلسفية معقدة.»
«ما هي؟»
«هل يستحق المطر أن تخرج من أجله، أم ينبغي أن تنتظر حتى يتوقف؟»
نظر إليه إينزو لثانيتين.
«هذه ليست مشكلة فلسفية.»
«هذا لأنك لم تتأمل المطر بما يكفي.»
عاد الفتى إلى حاسوبه، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة.
جلس ماتيس على الأريكة المقابلة، ومد يده إلى كوب الشاي الذي تركته مانون له. كان الشاي لا يزال دافئًا.
في الجهة الأخرى من الغرفة، كان نوح يبني برجًا من المكعبات، بينما جلست لينا قرب أمها تعرض عليها صورًا من هاتفها.
أما لوسيان، فكان يقرأ رسالة على هاتفه، ثم رفع رأسه حين رأى أخاه.
«هل كنت تتحدث إلى كلوي؟»
نظر ماتيس إليه.
لم يكن يريد أن يكذب، لكنه لم يكن مستعدًا لشرح كل شيء.
«نعم. طلبت أن آخذ إليوت إلى عشاء أمي، لكنها قالت إن لديه دراسة.»
تغيرت ملامح لوسيان قليلًا.
لم يعلق لوسيان مباشرة. وضع هاتفه على الطاولة، ثم قال:
«أتمنى أن يأتي. أمي ستفرح برؤيته.»
«وأنا أيضًا.»
خرجت العبارة من ماتيس بهدوء، من دون ابتسامته المعتادة.
نظر إليه لوسيان لحظة، لكنه لم يضغط عليه بأسئلة إضافية. كان يعرف أن أخاه يستطيع الحديث طويلًا حين يريد، وأن الصمت منه أحيانًا يعني أنه يحتاج إلى بعض الوقت.
تدخلت مانون من قرب المطبخ.
«سأرسل إلى فرانسواز غدًا وأسألها عن الوقت المناسب. وإذا استطاع إليوت الحضور، فسنترك له مكانًا بجانب نوح.»
رفع ماتيس عينيه إليها، وابتسم امتنانًا.
«شكرًا، مانون.»
قال نوح فجأة:
«هل سيأتي إليوت؟»
التفت ماتيس إليه.
«لا أعرف بعد.»
فكر نوح قليلًا، ثم أشار إلى البرج الذي بناه.
«سأصنع له برجًا إذا جاء.»
ابتسم ماتيس، وشعر بشيء من الدفء يعود إلى صدره.
«هذا لطف منك. لكن اجعله برجًا قويًا، فهو يحب الأشياء التي لا تسقط بسهولة.»
قال إينزو، من دون أن يرفع رأسه عن الحاسوب:
«مثل برجك الذي بنيته لنفسك يا نوح؟»
التفت نوح إلى برج المكعبات، الذي بدأ يميل بوضوح.
وقبل أن يتمكن من الاعتراض، انهار البرج على الطاولة.
شهق الطفل، ثم نظر إلى إينزو بغضب.
«أنت السبب!»
رفع إينزو يديه مستسلمًا.
«لم ألمسه.»
«أنت أخفته!»
ضحك ماتيس، وانحنى لالتقاط المكعبات المتناثرة.
«حسنًا، سنعيد بناءه. لكن هذه المرة، سأكون المهندس، ونوح هو المدير، وإينزو مسؤول عن عدم تخويف الأبراج.»
قال إينزو:
«أرفض هذا المنصب.»
«رفضك غير مقبول. لقد عينتك بالفعل.»
«إذن أريد راتبًا.»
رفع ماتيس رأسه، ونظر إليه بإعجاب.
«أخيرًا، شخص في هذه العائلة يفهم قيمة العمل.»
ابتسم إينزو، ثم أغلق حاسوبه وانضم إليهما.
جلس الثلاثة على الأرض، وبنوا برجًا جديدًا. لم يكن إينزو كثير المزاح عادة، لكنه كان صبورًا مع نوح، يترك له اختيار المكعبات، ويعيد القطع التي يسقطها من دون أن يسخر منه.
وحين وضع نوح مكعبًا كبيرًا في مكان غير مناسب، لم ينتزعه إينزو من يده، بل أشار إلى زاوية أخرى.
«جرب هنا. سيصبح أقوى.»
نظر إليه نوح، ثم نقل المكعب إلى المكان الذي أشار إليه.
«هكذا؟»
«نعم.»
راقبه ماتيس للحظة.
كان إينزو قد بلغ السادسة عشرة، لكنه لم يتعامل مع أخيه الصغير كما لو كان عبئًا ينبغي التخلص منه. لم يكن يدلل نوح في كل شيء، ولم يكن يوافقه دائمًا، لكنه كان يمنحه فرصة ليجرب بنفسه، ويشرح له الخطأ من دون أن يشعره بأنه أحمق.
تذكر ماتيس كيف كان إينزو يفعل الشيء نفسه مع لينا حين كانت أصغر، وكيف كان ينتظرها عند نهاية الممر إذا خافت من الظلام، ثم يزعم أنه لم يكن ينتظرها أصلًا.
كان الفتى يحاول إخفاء لطفه خلف ملامحه الجادة، لكن ذلك لم ينجح دائمًا.
قال ماتيس فجأة:
«إينزو، هل تحتاج إلى مساعدة في شيء هذه الأيام؟»
رفع الفتى رأسه.
«ماذا تقصد؟»
«أي شيء. الدراسة، أو مشروع، أو مشكلة تحتاج إلى رأي رجل بالغ ذكي ووسيم.»
قال لوسيان من الأريكة:
«إذن لا تطلب رأيه.»
ضحك ماتيس، بينما اكتفى إينزو بابتسامة خفيفة.
ثم أجاب:
«لا، أنا بخير. لكن شكرًا.»
أومأ ماتيس، ولم يكرر السؤال.
كان يعرف أن بعض الأسئلة تحتاج إلى وقت كي تجد إجاباتها، وأن أفضل ما يمكن أن يفعله المرء أحيانًا هو أن يترك الباب مفتوحًا من دون أن يقف أمامه.
حين اقتربت الساعة من العاشرة، بدأ الأطفال يستعدون للنوم.
حمل لوسيان نوحًا إلى الطابق العلوي بعد أن غلبه النعاس، بينما ساعدت مانون لينا في جمع أغراضها. بقي إينزو في غرفة الجلوس، يضع حاسوبه في حقيبته.
وقف ماتيس قرب النافذة، يتفقد هاتفه للمرة الأخيرة.
لم تصل رسالة من كلوي.
أغلق الشاشة، ووضع الهاتف في جيبه.
ثم التقط معطفه من العلاقة.
عانق أخاه قبل أن يغادر، وربت على ظهره مرتين.
«سأراك غدًا.»
قال لوسيان:
«أنت هنا كل يوم تقريبًا.»
«وهذا ما يجعل غيابي يومًا كاملًا أمرًا مؤلمًا.»
ضحك لوسيان، وفتح له الباب.
خرج ماتيس إلى المساء البارد، ومشى نحو سيارته.
كان لا يزال يشعر بالحزن، لكنه لم يعد حادًا كما كان حين وقف في الشرفة. لقد هدأ قليلًا، وصار أقرب إلى شيء يحمله في داخله من دون أن يراه الآخرون.
جلس خلف المقود، وأدار المحرك.
ثم، قبل أن ينطلق، فتح هاتفه مرة أخرى، ونظر إلى صورة إليوت.
ابتسم له عبر الشاشة.
«سأراك قريبًا يا صغيري.»
أعاد الهاتف إلى مكانه، وانطلق في شوارع ليون الهادئة.
وفي المنزل خلفه، كانت مانون تطفئ أضواء غرفة الطعام، بينما يضع لوسيان الأكواب في المطبخ، ويستعد إينزو ليوم دراسي جديد.
كان كل شيء يسير على نحو عادي.
إلا أن ماتيس، وهو يقود نحو شقته، كان يفكر في العشاء الذي ينتظره في نهاية الأسبوع، وفي المكان الذي سيتركه والداه لحفيده إن جاء.
مكان صغير إلى جواره.
مكان أراد أن يراه ممتلئًا.
الفصل الرابع
جناح مكسور · بقلم ساتو