الفصل الثالث: بين آلاف الوجوه

مرت عدة أيام منذ أن عرفت ليان اسم إيفان.في البداية، ظنت أن الأمر لن يستمر أكثر من بضعة أيام، وأن فضولها سينتهي كما بدأ. لكن ذلك لم يحدث.
كلما سمعت عن مباراة لـ RC Lens، كانت تتساءل إن كان إيفان سيشارك.
وكلما جلست أمام حاسوب المكتبة بعد انتهاء دروسها، كانت تبحث عن أخباره.
لم تكن تفعل ذلك قبل أن تنهي واجباتها.
كانت تعرف أن دراستها أولًا، وأن والدها لن يسمح لها بأن تجعل كرة القدم عذرًا لإهمال مستقبلها.
وهذا لم يكن ما تريده أصلًا.
كانت ليان تحب الدراسة.
كانت جيدة خصوصًا في المواد التي تحتاج إلى الحساب والتركيز، كما كانت تحب اللغة الفرنسية والإنجليزية.
أما كرة القدم، فكانت شيئًا آخر.
مساحة صغيرة تحتفظ بها لنفسها.
شيئًا لا تحتاج إلى أن تشرحه لأحد.
في ذلك اليوم، جلست في مكتبة المدرسة بعد انتهاء الدروس.
فتحت الحاسوب، وأنهت بحثًا طلبه منها الأستاذ.
ثم بقي أمامها بعض الوقت.
فتحت صفحة جديدة وكتبت اسمًا واحدًا:
Ivan RC Lens.
ظهرت أمامها أخبار ومعلومات متفرقة.
بدأت تقرأ.
كانت تحاول أن تفهم أكثر عن طريقة لعبه، عن مركزه، وعن المباريات التي شارك فيها.
لم تكن تعرف لماذا كانت تهتم بكل هذه التفاصيل.
لكنها كانت تستمتع بذلك.
وبينما كانت تتابع إحدى الصفحات، سمعت صوت مريم:
— مرة أخرى؟
رفعت ليان رأسها.
كانت مريم تقف خلفها وتبتسم.
— ماذا؟
— لا شيء.
جلست مريم بجانبها.
— فقط لاحظت أنك أصبحتِ تعرفين أخبار هذا اللاعب أكثر مما تعرفين أخبار بعض زملائنا.
ضحكت ليان.
— أنا أحب كرة القدم منذ طفولتي.
— أعرف.
ثم أضافت:
— لكنك لم تكوني تبحثين عن لاعب واحد بهذه الطريقة من قبل.
سكتت ليان.
لم تجد جوابًا مناسبًا.
نظرت إلى الشاشة وقالت:
— ربما لأنني أريد أن أعرف إلى أين سيصل.
ابتسمت مريم.
— وإلى أين تريدين أنتِ أن تصلي؟
رفعت ليان عينيها إليها.
السؤال فاجأها.
لم تكن تتوقع أن يتحول الحديث من إيفان إليها.
قالت:
— لا أعرف.
— حقًا؟
— حقًا.
ثم أغلقت الصفحة.
— أحيانًا أشعر أن الجميع يعرفون ماذا يريدون مني، إلا أنا.
لم تعلق مريم.
فقط نظرت إليها.
ثم قالت:
— ربما ستعرفين يومًا.
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة.
— أتمنى ذلك.
---
في المساء، كانت ليان تتابع مباراة أخرى.
جلست بهدوء أمام الشاشة.
وعندما ظهر إيفان في الملعب، ركزت عليه.
لم يكن مثاليًا.
ارتكب خطأ في إحدى الهجمات.
وضاعت منه فرصة.
لكنها لاحظت شيئًا.
بعد ثوانٍ قليلة، عاد إلى اللعب وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يتوقف.
لم يشتكِ.
لم يسمح للخطأ أن يبقى في رأسه.
راقبته ليان بإعجاب.
ثم قالت في نفسها:
«ربما هذه هي أكثر صفة تعجبني فيه.»
لم تكن الموهبة وحدها.
بل الطريقة التي يعود بها بعد الخطأ.
في اليوم التالي، حصلت ليان على علامة جيدة في أحد الاختبارات.
عاد والدها إلى البيت، وسألها عن نتيجتها.
عندما أخبرته، ابتسم.
— أحسنتِ. استمري هكذا.
كانت تلك الكلمات البسيطة تعني لها الكثير.
لم يكن والدها شخصًا قاسيًا بلا مشاعر.
كان يريد لها مستقبلًا جيدًا، لكنه كان يعتقد أن الطريق إلى ذلك المستقبل يجب أن يكون واضحًا منذ البداية.
أما ليان، فلم تكن تعرف بعد أي طريق تريد.
ولهذا كانت تخشى أن يأتي يوم يختار فيه الجميع الطريق بدلًا منها.
في تلك الليلة، فتحت دفترها.
كتبت:
«لا أعرف لماذا أريد أن أراه ينجح.»
توقفت قليلًا.
ثم كتبت:
«ربما لأنني أعرف كيف يكون شعور أن يحاول الإنسان الوصول إلى شيء يريده، بينما الجميع من حوله يريدون له طريقًا آخر.»
قرأت الجملة مرة أخرى.
شعرت أنها كتبت شيئًا عن نفسها أكثر مما كتبت عنه.
أغلقت الدفتر.
ثم نظرت إلى النافذة.
كان الليل هادئًا.
في مكان بعيد، كان إيفان يواصل تدريبه ويحلم بمستقبله.
وفي مكان آخر، كانت ليان تحاول أن تفهم مستقبلها هي.
كان بينهما عالم كامل.
لكن شيئًا واحدًا كان يجمعهما دون أن يعرف أي منهما ذلك:
كلاهما كان في بداية الطريق.
هو يبحث عن مكانه في الملعب.
وهي تبحث عن مكانها في الحياة.
أما إيفان...
فلم يكن يعرف حتى أنها موجودة.