تملّك الخوف منه، وبدأت الأفكار السيئة تراوده. بدأت يداه ترتجفان، ولم تستطع أصابعه أن تفتح الظرف، فرماه فوق الصندوق وخرج مسرعاً من الغرفة.
أخذ يبحث في كل أركان المنزل ويصرخ بأعلى صوته: "أمي! أمي! لقد عدت! أنا جون يا أمي!"
ثم عاد إلى الغرفة، جلس في زاويتها، وضم ركبتيه إلى صدره كالطفل وبدأ بالبكاء. وفجأة، نهض مسرعاً وأخذ معه الظرف، وعند وصوله نحو الباب، وجد هاتف أمه.
وهنا كانت الصدمة.
فتح الباب وجلس أمامه وبيده الهاتف. فتح كلمة السر، فوجد فيديو قصيراً، تظهر فيه أمه وهي تبكي وتقول:
"يا بني، أعلم أنك ستكون حزيناً جداً عليّ، لهذا قررت أن أقول لك بأنني لم أعد موجودة في حياتك. على ما فعلته بك يا عزيزي، أرجوك لا تبحث عني، وأعلم أنك غاضب بعد أن قرأت الرسالة، سامحني، لم يكن الأمر بيدي. أطلب منك أن تسامحني، مع السلامة."
انصدم جون، وأخذ الظرف وفتحه بسرعة وبدأ يقرأ الرسالة بصوت مرتجف وعالٍ:
"يا عزيزي... عندما تقرأ هذه الرسالة يوماً ما، فاعلم أني لم أتركك بإرادتي. أعلم أنك حزين هذه الفترة، لهذا عندما ذهبت إلى المستشفى ورأيتك في تلك الحالة، صعب الأمر عليّ، فقررت أن أخبرك بهذه الحقيقة التي خبأتها عنك.
إن الفتاة التي كنت تحبها في الحقيقة موجودة، في قرية صغيرة، وأنا من وضعتها هناك من أجل أن تنساها، ولكن الأمر قد خرج عن سيطرتي، ولهذا أرجوك أن تسامحني."
وعندها فهم الأمر بأكمله، بأن كل ما كان يعيشه حقيقي، وأن الفتاة التي كان يحبها حقيقية. وشعر بأن كل مشاعره قد اندمجت في بعضها البعض
وسقطت الورقة من يده.
لم يدرِ هل يضحك أم يبكي، هل يصرخ أم يصمت.
كل تلك الأحلام التي كان يراها في المستشفى لم تكن وهماً، ومشاعره تجاهها لم تكن مزيفة، كل شيء كان حقيقياً.
ونطق اسم: سوزي، بصوتٍ يملؤه الحنين.
الحمد لله، الفتاة التي أحببتها موجودة.
لم يصدق نفسه من الصدمة، ونظر نحو الباب ووجد أن الليل قد حل. أخذ العنوان الموجود في الرسالة، فانصدم لأنه يعرفه جيداً، عن ظهر قلب.
العنوان: قرية الأحباب التي توجد بين جبلين. إنها هناك يا بني، في الكوخ الموجود بجانب شلالات النهر الكبير هناك يا عزيزي، وسامحني على فعلتي.
فنهض وأخذ معه أمتعته وخرج من المنزل وبيده الهاتف والرسالة. أخذ سيارته وبدأت تسترجع ذكريات ماضٍ فقده ونسيه، وقد عاد.
وتذكر آخر يوم التقيا فيه، وفهم الأمر كله وقال: نعم، إنها قرية الأحباب التي كنت بها عندما كان عمري ما بين 26 و 27 من عمري.
وقاد سيارته نحو الجبلين.