NOVELFLEX

الفصل الأخير:بين الجبلين. :

الرواية بين جبلين · بقلم Hind Elghandouri

الفصل الأخير:بين الجبلين. :

قاد سيارته طوال الليل.

لم يشعر بالتعب، ولم يشعر بالبرد. كان يقود وكأنه في حلم. الطريق إلى قرية الأحباب كان محفوراً في قلبه قبل أن يكون محفوراً في الخريطة. كل شجرة، كل منعطف، كل صخرة، كان يتذكرها.

كان يتذكر عندما كان عمره 26، عندما جاء إلى هنا أول مرة هارباً من ضجيج المدينة، فوجدها. وجد سوزي.

كان يتذكر كيف كانت تضحك، كيف كانت تجمع الورد الأحمر من حديقة الكوخ، كيف كانت تقول له: "هذا المكان بين جبلين، هو المكان الوحيد الذي لا يستطيع الحزن أن يجدنا فيه."

وعندما فقد الذاكرة في المستشفى، نسي كل شيء... إلا شعورها. كان يحس بها كل ليلة، كطيف، كحلم لا يريد أن يستيقظ منه.

عندما وصل، كان الفجر قد بدأ يطل بخجل بين الجبلين. السماء كانت بنفسجية، والنهر الكبير يلمع من بعيد، وصوت الشلالات يملأ المكان.

أوقف السيارة ونزل. ركبتاه ترتجفان.

مشى نحو الكوخ. الباب الخشبي القديم، النافذة التي تطل على الشلالات، الورد الأحمر الذي زرعته سوزي بيديها لا يزال هناك.

دفع الباب.

وكانت هناك.

سوزي.

جالسة بجانب النافذة، ملفوفة ببطانية خضراء، تنظر إلى الشلالات. شعرها الطويل الأسود ينساب على كتفيها، ووجهها شاحب من الوحدة والانتظار. كانت تحمل في يدها نفس الرسالة التي قرأها جون.

التفتت نحوه ببطء عندما سمعت صوت الباب.

نظرت إليه طويلاً. عيناها الخضراوان تملؤهما الحيرة والخوف.

قالت بصوت خافت، بالكاد يُسمع من صوت الشلالات: "من... من أنت؟ أمي قالت لا أحد يعرف هذا المكان."

سقطت دموع جون دون أن يشعر.

اقترب منها خطوة. ثم خطوة أخرى. كان يخاف أن تكون وهماً آخر، أن تختفي إذا لمسها.

قال بصوت يرتجف، بصوت مليء بثلاث سنوات من الشوق:

"أنا جون... أنا الذي وعدك تحت هذا القمر الأحمر أنني سأعود، مهما حدث، حتى لو نسيت اسمي، حتى لو نسيت العالم كله، قلبي سيتذكرك."

توسعت عينا سوزي.

فجأة، كأن شيئاً انكسر بداخلها.

تذكرت. تذكرت كل شيء.

الليالي التي كانا يجلسان فيها أمام الكوخ، يعدان النجوم. وعده لها. يوم أخذته أمه بالقوة وقالت لها: "انسَيْه من أجل مصلحته." بكاؤها لشهور. انتظارها كل يوم عند الشلالات.

قالت وهي تنهض ببطء، ويدها على فمها: "جون؟... جون؟ هل هذا أنت حقاً؟ هل... هل تذكرت؟"

لم يجب.

فقط فتح ذراعيه.

وهنا، لم تعد تستطيع الوقوف.

ركضت إليه بكل قوتها، بكل شوق ثلاث سنوات، وارتمت بين أحضانه. كانت تبكي بحرقة، وتضحك، وتضربه على صدره بلطف

"تأخرت! تأخرت كثيراً يا جون! ظننتك لن تعود أبداً!"

ضمها جون بقوة، كأنه يخاف أن يسرقها الجبلان مرة أخرى. دفن وجهه في شعرها، واستنشق عطرها الذي لم ينسه أبداً.

همس لها وهو يبكي:

"لقد عدت يا سوزي... عدت. وأقسم لكِ بهذين الجبلين، بهذا النهر، بهذه الشلالات، أنني لن أتركك مرة أخرى أبداً. حتى لو أراد العالم كله أن يفرقنا."

رفعت رأسها ونظرت إليه، ودموعها تلمع مع ضوء الفجر.

قالت: "سامح أمك يا جون... هي فعلت ذلك لأنها كانت تخاف عليك."

قال وهو يمسح دموعها: "أسامحها... لأنها في النهاية، أعادتني إليك. هذه الرسالة هي التي دلتني عليك."

خارج الكوخ، كانت الشمس تشرق أخيراً بين الجبلين، تلون السماء بالأحمر والذهبي. وكان النهر يواصل جريانه، والشلالات تصدر صوتها الحنون، وكأن الجبلين أخيراً اجتمعا بعد فراق طويل.

جلسا معاً أمام الكوخ، يده في يدها، ينظران إلى الشلالات، يبدآن من جديد.

في قرية الأحباب التي توجد بين جبلين.

حيث لا يستطيع الحزن أن يجدهما.

النهاية.