الغرفة صغيرة ، سرير و طاولة و كرسي ، لا شيء آخر كنت جالساً على حافة السرير، والمصباح الوحيد يلقي ضوءاً خافتاً على الجدران المعدنية و في مكان ما خلفها، القاعدة تعمل ، همهمة خافتة و مستمرة و كأنها تتنفس.
لكن الليلة لم أسمعها.
فتحت الملف، قديماً ورقياً و نادرا في هذا العصر و بخط يد إدريس.
"إذا كنت تقرأ هذا.. فأنت في المكان الصحيح ولا تفتح الملفات الأخرى وحدك ،خذ معك من تثق به."
الباب انزلق ، فيراديس ، جلدها أزرق داكناً ،لون الهدوء أو ربما لون القلق.
"لم أطلب منكِ المجيء." قلت.
"أعرف."
جلست على الكرسي الوحيد، لم تقل شيئاً آخر، هذا ما كانت تفعله دائماً، كانت تأتي، تصمت وتبقى.
فتحت الملف.
***
الاسم...
لا أستطيع قراءته ليس لأنه ممسوح بل لأن شيئاً في ذهني يرفض التركيز والحروف تتلاشى قبل أن تصل إلى عيني.
تاريخ و مكان الميلاد: كوكب السابع (7) ، المجرة 1 نظام أَمُورْ .
كوكب فلاحي، أتذكر ذلك، لا أتذكر شكله لكني أتذكر رائحة التراب بعد المطر .
وقد كنت صغيراً أركض و الأرض ناعمة تحت قدمي ، وهناك شجرة و لا أتذكر شكلها لكني أتذكر ظلها.
والدي لا أرى وجهه ، لكني أسمع صوته، عميقاً وهادئاً و يحمل شيئاً في يديه أداة أو سلاح لا أذكر .
"الكون مكان قاسٍ." كان يقول دائما : "لكنك أقوى مما تظن."
و يعلمني إصلاح أشياء، أتذكر حركاتي و يدي صغيرة جداً على المقبض و رجلي غير ثابتتين لكنه يمسكني.
لا أتذكر وجهه جيدا و لكني أتذكر يديه ضخمتين وخشنتين وآمنتين.
***
في أحد الأيام... لم يعد والدي إلى البيت لا أتذكر متى ..
لكنني أتذكر كيف أخبرتنا أمي و كيف أن أدواته التي اختفت من الزاوية و الصوت البيت الذي تغير."
كان هناك شخص آخر ،لا أتذكر من هو ..
و لكن صوت ناي و لحنه حزين ، لا أعرف من أين جاء ، ولا لماذا علق في حلقي و أذني أظل أردده داخلي .
حمزة
الاسم يظهر في فمي لا أعرف من أين جاء.
***
جاء خبر موت والدي بعد ثلاث سنوات، لم أرى جثته ، لم نحصل على جثة.
فقط رسالة رسمية من إدارة الدفاع الوطني (وزارة الدفاع سابقا ) و أمي قرأتها لم تبكِ فقط.. وضعت الرسالة على الطاولة ، وخرجت إلى الحقل و لم نعد نتكلم عن أبي بعد ذلك اليوم.
كنت في العاشرة.
في تلك الليلة، خرجت إلى الحقل وحدي ، السماء كانت صافية ، النجوم كثيرة و رفعت يدي و نظرت إلى قبضتي صغيرة ، ضعيفة.
همست لنفسي و لهذا الكون الشاسع : "لن أكون ضعيفاً مجدداً."
لم أكن أعرف وقتها...
أن هذه الكلمات ستصبح سجني .
لم يكن انتقاماً ، لم أكن أعرف معنى الانتقام ، كنت فقط لا أريد أن أفقد أحداً آخر.
***
"هل تذكره؟"
صوت فيراديس قطع الصمت و نظرت إليها ، جلدها لوناً لم أره من قبل ، ليس أزرق، ليس برتقالياً، شيئاً بينهما.
"والدك." قالت.
صمت طويل، نظرت إلى الملف وإلى الورقة التي تحمل اسمي الذي لا أستطيع قراءته.
قلت : "ليس وجهه ،لكني أتذكر يديه."
لم تقل شيئاً مدت يدها ولمست كتفي، خفيفة كالفراشة ثم سحبتها، بقيت جالسة ولم تتحرك.
أغلقت الملف و يداي ترتجفان ليس من الحزن بل من شيء آخر ، لم أتعرف عليه بعد.
نظرت من النافذة القاعدة تعمل الأضواء تومض ، الأنظمة تتحرك و في مكان ما ، دانيال يحاول فهم ما لا يفهمه و ليليث تراقب ، الحاملات الثلاث جاهزة.
ولم أكن أعرف ، إن كان والدي سيفهم ما أصبحت عليه ...