"كيف كان شكله؟"
صوت ليليث جاء من مكبرات الصوت في غرفة التحكم .
كنت واقفاً أمام لوحة المفاتيح ، القاعدة كانت تعمل من حولي. همهمة مستمرة ، أضواء زرقاء تنبض.
لم أجب فوراً.
شكله لم يسألني أحد هذا السؤال من قبل، ليس عن إدريس ، بل كانوا يسألون عن أوامره ، عن خططه و عن انتصاراته. لم يسأل أحد عن شكله.
"لا أعرف." قلت.
صمت. ثم: "لا أعرف كيف كان شكله و لكن أتذكر أشياء أخرى."
"ماذا تتذكر؟"
صمت طويل ثم وجدت نفسي أتكلم :
كان عمري ثلاثين عندما التقيت به ، لم أعد ذلك الطفل الذي دخل الأكاديمية و لم أعد ذلك الشاب الذي حطم خمسة رجال أمام ساشا ، كنت شيئاً بينهما ، جندي وقائد ، لم أكن أعرف أيهما.
أتذكره... ليس كصورة ليس كوجه بل أتذكر ثقله و طريقة وجوده في الغرفة و عندما كان إدريس يدخل، الهواء يتغير ليس خوفاً بل احتراماً و إدراك أن شيئاً ما أصبح مختلفاً.
كان ينظر إليّ ، ليس كما نظر ساشا ، ساشا كان يحلل و يبحث عن شيء ..
أما إدريس كان ينظر وكأنه وجد شيئاً بالفعل.
"أنت الذي أرسله ساشا." قال في لقائنا الأول.
"نعم."
"قال عنك أنك لا تنهار."
صمت لم أكن أعرف ماذا أقول.
"هل هذا صحيح؟"
"لا أعرف."
نظر إليّ طويلاً ثم قال شيئاً لم أفهمه وقتها:
"جيد أنك لا تعرف و هذا أفضل."
***
بعد شهر، استدعاني إلى مكتبه ، هناك هجوم على الحدود ، النظام الشمسي (315) لم يكن لدي وقت للتفكير .
فقط تحركت وضعني في الميدان لم يقل لي ماذا أفعل، لم يعطني تعليمات فقط وضعني هناك.
المهمة كانت واضحة:
تأمين الأنظمة الحدودية من 315 إلى 320 ، ادفعهم إلى ما بعد النظام 330 ، في الظرف ثلاثة أشهر.
لكن الطريق لم يكن موجوداً ، القوات لم تكن كافية و الدعم لم يصل و الخطط الأصلية انهارت في اليوم الأول و كل شيء ينهار.
أتذكر أنني وقفت في غرفة القيادة المؤقتة ، وحدي و نظرت إلى الخريطة و إلى النقاط الحمراء التي تقترب و إلى النقاط الزرقاء التي تتراجع و كل شيء ينهار.
ثم فعلت شيئاً لا أعرف لماذا ، لا أعرف من أين جاء ، لكني نظرت إلى الخريطة وقلت لنفسي:
"ليس تأمين ليس 'دفع إلى 330 أنا سأجعلهم يتراجعون."
لم يكن هذا في الأوامر ، لم يكن هذا في الخطة و لكنه الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله و ففعلته.
بعد شهرين انتهى كل شيء ليس كما خططوا و ليس كما توقعوا و لكنهم تراجعوا.
***
"لماذا لم ترفض؟" صوت ليليث.
صمت و قلت : "أرفض ماذا؟"
ليلث موضحة : "الأمر ، عندما كانت الخطة تنهار، لماذا لم ترفض الأوامر؟"
نظرت إلى الشاشة وقلت :
"لأنه لم يكن هناك أمر ، كان هناك هدف و مهمة.. و الطريق كان عليّ أن أجده."
صمتت ليليث : "هذا غير منطقي."
جنرال مبتسما : "أعرف."
ثم عدت إلى الذاكرة.
لم يمدحني إدريس و لم يقل أنني فعلت الشيء الصحيح و لكنه استدعاني إلى مكتبه و نظر إليّ طويلاً. ثم قال:
"كم مرة تجاهلت الأمر؟"
صمت وقلت : "لا أعرف."
"جيد." قال : "لا تعرف، هذا أفضل."
كانت هذه المرة الثانية التي يقولها وقتها... بدأت أفهم.
لم يكن يريد أن أعرف و لم يكن يريد أن أفهم بل يريد أن أستمر، أن أكون ما أنا عليه ، دون أن أفهمه.
في السنوات التالية، أصبحت قريباً منه ، ليس كإبن و ليس كتلميذ بل كشيء آخر ..
شيء لا أعرف اسمه ، كان يعتمد عليّ و يثق بي ، لكنه لم يشرح لي أبداً.
ذات ليلة، قبل معركة كبيرة، قال لي شيئاً:
"أنت لا تشبه أحداً."
صمت ثم قال : "لهذا... لن أعاملك كأحد."
لم تكن مديحاً لم تكن إهانة بل حقيقة ،كان يخبرني بشيء عن نفسي ،
لا لتشجيعي أو لإرضائي.
فقط لأنها كانت الحقيقة.
كان يعرف ما أنا عليه ولم يحاول تغييره.
بل استخدمه.
قبل سقوط العاصمة بشهر، استدعاني كان متعباً و لم أره هكذا من قبل و قال : "هناك شيء لم أخبرك به."
أكمل و هو يجلس على كرسيه : "القاعدة نابوليطانو ، هناك المزيد، أكثر مما تراه."
الجنرال : "لماذا تخبرني الآن؟"
"لأنني... قد لا أكون هنا لاحقاً."
كان يعرف ، يعرف أن شيئاً ما قادم ، لم يخبرني ماذا و لم يشرح ،فقط أعطاني إحداثيات وأسماء. و قال :
"لا تخذلني."
هذا كل ما قاله لا شرح لا تفاصيل فقط "لا تخذلني."
***
"هل كان يثق بك؟"
صوت ليليث أعادني إلى الحاضر وإلى غرفة التحكم وإلى الأضواء الزرقاء.
نظرت إلى الشاشة وصوتها وقلت:
"لا أعرف ، ربما ليس كما يثق الناس عادة كان يعرفني و هذا ليس مثل الثقة."
ليليث : "ما الفرق؟"
صمت طويلا وقلت : "الثقة تعني أنك تتوقع شيئاً من شخص و هو لم يتوقع مني شيئاً ، فقط تقبل ما أنا عليه."
لم تقل شيئاً ، الأضواء استمرت في النبض ، القاعدة استمرت في العمل وفي مكان ما شعرت أن إدريس لا يزال يرافقني .

"لا تخذلني."
كانت هذه آخر كلمات قالها إدريس للبطل قبل سقوط العاصمة.
كلمتان فقط. لا شرح، لا تفاصيل. فقط... "لا تخذلني."
والآن، بعد كل هذه الذكريات، بعد كل هذه السنوات، بعد كل هذه المعارك... هل أوفى البطل بوعده؟
سؤال لك: ما هو أعظم درس تعلمته من معلم في حياتك؟ من هو "إدريس" في قصتك؟
شاركنا في التعليقات 💭🔥
ولا تنسَ التصويت للرواية إذا أعجبتك. صوتك يساعدها على الوصول إلى قراء آخرين