NOVELFLEX

وعد تحت شجرة الزيتون 🌲

عروس الشهيد · بقلم Chaima

لم تنم ليلى تلك الليلة.

كانت تسمع صوت أمها وهي تتحرك في الغرفة المجاورة، وصرير الباب الخشبي كلما هبّت الريح، ونباح كلب بعيد يمزق سكون القرية. أشياء عادية، أشياء لم تكن تلاحظها من قبل، لكنها في تلك الليلة بدت لها كأنها إشارات غامضة تحاول أن تحذرها من أمر لا تعرفه.

جلست قرب النافذة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستعيد كلمات يوسف.

«وكيف أنسى قلبي؟»

كم تبدو الكلمات جميلة حين يقولها رجل تحبه! وكم تصبح مخيفة حين تفكر في احتمال أن تكون آخر ما يبقى منه!

هزّت رأسها بعنف، كأنها تريد أن تطرد الفكرة من عقلها.

— كفى يا ليلى! إنه لم يمت، ولم يرحل، ولم يحدث شيء!

همست بذلك لنفسها، ثم شعرت بالخجل. لماذا كانت تدافع عن نفسها أمام غرفة فارغة؟ ومن الذي اتهمها أصلًا بالخوف؟

ربما كانت تعرف الإجابة، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بها.

كانت تخاف أن تحب يوسف أكثر مما ينبغي. ليس لأن الحب خطيئة، بل لأن الإنسان حين يمنح شخصًا واحدًا مفاتيح سعادته، يكتشف متأخرًا أنه منحه أيضًا القدرة على تحطيمها. ومع ذلك، أيكون الحل أن نبقى بعيدين عن الجميع؟ أن نحيا بنصف قلب كي لا نخسر القلب كله؟

لم تستطع الإجابة.

وفي الخارج، مرّ رجل مسرعًا في الطريق. توقفت خطواته لحظة قرب بيتها، ثم تابع سيره.

راقبته ليلى حتى اختفى.

ولأول مرة، خطر لها أن الخوف الذي يسكن قلوب الناس لم يعد خوفًا من الموت وحده؛ صار خوفًا من أن يطرق الموت الباب في هيئة خبر، أو رسالة، أو رجل غريب لا يعرف كيف ينظر في عينيك.

أغلقت النافذة.

لكنها لم تستطع إغلاق قلبها.

---

في الصباح، كانت أمها تعجن الخبز حين دخلت ليلى المطبخ.

نظرت إليها الأم طويلًا، ثم قالت:

— لم تنامي جيدًا.

تظاهرت ليلى بالانشغال بترتيب الأكواب.

— نمت كعادتي.

— لا تكذبي على أمك. أنا لا أعرف ما يحدث في قلبك، لكنني أعرف وجه ابنتي حين تحاول إخفاء شيء.

سكتت ليلى.

كانت تريد أن تخبرها عن يوسف، عن صوته، وعن اليد التي أمسك بها يدها، وعن ذلك الوعد الذي جعلها سعيدة وخائفة في الوقت نفسه. لكنها شعرت فجأة بأن الكلمات ستجعل الأمر أكثر جدية، كأن الاعتراف بالحب أمام الأم سيحوّله من حلم خاص إلى حقيقة يمكن أن تخسرها.

قالت أخيرًا:

— أمي، هل يمكن للإنسان أن يحب شخصًا ويخاف عليه حتى قبل أن يصيبه مكروه؟

توقفت الأم عن العجن.

لم ترفع رأسها مباشرة، بل مسحت يديها بالدقيق، ثم جلست على المقعد الخشبي.

— نعم يا ابنتي. بل إن الخوف يبدأ أحيانًا قبل الحب نفسه. نخاف على أبنائنا قبل أن يولدوا، ونخاف على من نحب قبل أن يعترفوا لنا بأنهم يحبوننا.

اقتربت ليلى وجلست عند قدميها.

— وهل هذا يعني أن الحب يجعلنا ضعفاء؟

نظرت إليها أمها بحنان حزين.

— لا. لكنه يكشف لنا الأماكن الضعيفة التي كنا نظن أننا لا نملكها.

ثم مررت يدها على شعر ابنتها وأضافت:

— لكن تذكري شيئًا يا ليلى: لا تجعلي خوفك من فقدان إنسان يجعلك تفقدين نفسك وأنت تنتظرينه.

لم تفهم ليلى لماذا قالت أمها هذه الجملة بنبرة بدت لها أكبر من الموقف. أرادت أن تسألها إن كانت تتحدث من تجربة قديمة، لكنها تراجعت حين رأت الحزن يعبر وجهها للحظة.

كانت الأمهات، في نظر ليلى، يعرفن أشياء لا يقلنها.

وربما كان ذلك أكثر ما يخيف فيهن.

---

عند الظهيرة، جاء يوسف.

لم يكن وحده.

كان معه رجل غريب، أكبر منه سنًا، يرتدي معطفًا داكنًا رغم اعتدال الطقس. وقف الرجل بعيدًا قليلًا، يراقب الطريق بعينين لا تستقران على شيء. أما يوسف، فبدا متعبًا على نحو لم تره عليه من قبل.

حين اقترب منها، قالت:

— ظننت أنك لن تأتي اليوم.

أجابها:

— وأنا ظننت أنني لن أستطيع.

لم يعجبها جوابه.

— ماذا حدث؟

نظر إلى الرجل الواقف خلفه، ثم عاد بعينيه إليها.

— ليس هنا يا ليلى.

شعرت بأن شيئًا باردًا مرّ في صدرها.

لم تسأله مرة أخرى. سارت معه نحو شجرة الزيتون، بينما بقي الرجل الغريب في مكانه، كأنه يحرس سرًا لا يريد لأحد أن يقترب منه.

حين ابتعدا بما يكفي، التفتت إليه.

— أخبرني، ما الأمر؟

أخرج يوسف من جيبه ورقة صغيرة مطوية، لكنه لم يسلمها إليها.

قال:

— أريد منك أن تجيبيني عن سؤال، وأريدك أن تكوني صادقة، حتى لو لم تعجبني إجابتك.

ابتلعت ريقها.

— اسأل.

— لو جاء يوم واضطررت فيه إلى الرحيل، ولم أستطع أن أخبرك إلى أين أذهب، هل ستكرهينني؟

تغير وجهها.

كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه وقع عليها كأن يوسف فتح بابًا كانت تحاول منذ أيام ألا تنظر إليه.

— لماذا تسألني هذا؟

— أجيبي فقط.

— لا أستطيع أن أجيب عن شيء لا أفهمه.

أدار وجهه نحو التلال.

— أحيانًا، لا يمنحنا القدر وقتًا كافيًا لنفهم.

اقتربت منه خطوة.

— يوسف، أنا لا أطلب منك أن تخبرني بكل شيء. لكنني لا أريد أن أكون آخر من يعرف أنك في خطر. لا أريد أن أراك أمامي، ثم أكتشف أن نصفك يعيش في مكان لا أستطيع الوصول إليه.

نظر إليها، وفي عينيه صراع جعلها تشعر بأنها لا تقف أمام الرجل الذي عرفته قبل أيام فحسب، بل أمام رجل يخوض حربًا لا تعرف عنها شيئًا.

قال بهدوء:

— وهل تظنين أنني لا أخاف؟

لم تجب.

— أظن أنك تخفي خوفك عني.

ابتسم ابتسامة قصيرة خالية من الفرح.

— لأنني أخجل منه أحيانًا.

عقدت حاجبيها.

— تخجل من خوفك؟ ولماذا؟ ألست إنسانًا مثلنا؟

خفض رأسه، ثم قال:

— لأنني حين أفكر في نفسي، أخاف من الموت. وحين أفكر في الآخرين، أخاف من الحياة التي سيضطرون إلى عيشها إذا لم يفعل أحد شيئًا.

سكت لحظة، ثم أضاف:

— أتعرفين ما الذي يرعبني حقًا يا ليلى؟ ليس أن أموت. بل أن أموت دون أن يتغير شيء، وأن يصبح كل ما فعلته مجرد حكاية حزينة ترويها الأمهات لأطفالهن، ثم يكبر الأطفال ويكررون الحكاية نفسها.

كانت كلماته أكبر من قدرتها على الرد.

أرادت أن تعانقه، أن تقول له إن العالم لا يستحق أن يخسر نفسه من أجله، ثم شعرت بالخجل من أنانيتها. أكان من الأنانية أن تريد حبيبها حيًا؟ أم أن الأنانية الحقيقية هي أن تطلب منه أن يتخلى عن كل ما يؤمن به كي يظل قريبًا منها؟

لم تعرف.

وهكذا بدأت تفهم أن الحب ليس دائمًا طريقًا يقود إلى الطمأنينة؛ أحيانًا يكون بابًا ندخل منه إلى أسئلة لم نكن نعرف أننا نخافها.

---

مدّ يوسف يده إليها، ووضع الورقة الصغيرة في كفها.

— احتفظي بها.

نظرت إلى الورقة.

— ما هذه؟

— رسالة.

— لكنها فارغة!

كان في الورقة سطر واحد فقط، مكتوب بخط متعجل:

«إذا غبتُ، فلا تصدّقي كل ما سيقال عني.»

شعرت ليلى بأن الأرض مالت تحت قدميها.

رفعت رأسها إليه بسرعة.

— ماذا تعني؟ لماذا تكتب لي هذا الكلام؟ هل حدث شيء؟ هل هناك من يهددك؟

أمسك يوسف بيدها، ثم تركها فورًا، كأنه تذكر أن رجلًا غريبًا يراقبهما من بعيد.

— لا أستطيع أن أشرح لك الآن.

— لا تستطيع أم لا تريد؟

بدا السؤال وكأنه أصابه في موضع موجع.

— هل تظنين أنني أريد أن أتركك في الظلام؟

— لا أعرف ماذا أظن! أنت تأتي إليّ وتحدثني عن الرحيل والموت، ثم تطلب مني أن أثق بك دون أن تخبرني بشيء. كيف تريدني أن أفهمك؟

للمرة الأولى، ارتفع صوتها.

مرّ صمت ثقيل بينهما.

ثم قال يوسف:

— لأنني لا أريد أن أضعك في خطر بسببي.

ضحكت ليلى ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن ضحكة فرح.

— وهل تظن أنني آمنة الآن؟ هل تظن أنني سأعود إلى البيت وأنسى هذه الكلمات؟ لقد جعلتني أخاف من كل شيء، حتى من الأشياء التي لم تحدث بعد!

أشاح يوسف بوجهه.

كان يعرف أنها محقة. وربما كان هذا أكثر ما يؤلمه؛ أن يحاول حماية إنسان بالكتمان، ثم يكتشف أن صمته هو أول ما يؤذيه.

قال بعد لحظة:

— سامحيني.

كانت تلك الكلمة البسيطة أشد وقعًا عليها من كل تفسير كان يمكن أن يقدمه.

— لا أريد اعتذارك يا يوسف. أريد أن أعرف إن كنت ما زلت ترى لنفسك مكانًا في المستقبل.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— أراه.

— وأين أنا فيه؟

لم يجب فورًا.

وفي تلك اللحظة، شعرت ليلى بالخوف الحقيقي؛ لا الخوف من الموت الذي يتحدث عنه الناس، بل الخوف من أن تكون قد بنت في قلبها بيتًا لشخص لم يعد يعرف إن كان يستطيع العودة إليه.

أخيرًا، قال:

— أنتِ في المكان الذي أريد العودة إليه.

لكنها لم تبتسم.

لأنها أدركت أن الرغبة في العودة ليست هي القدرة على العودة، وأن الإنسان قد يحب الطريق الذي ينتظره في نهايته، ومع ذلك لا يملك أن يختار إلى أين تأخذه الحياة.

---

قبل أن يفترقا، نادى الرجل الغريب يوسف.

التفت يوسف نحوه، فتغيرت ملامحه في لحظة. لم يكن خوفًا ظاهرًا، بل ذلك النوع من القلق الذي يحاول صاحبه إخفاءه عن الجميع، فيفضحه جسده قبل صوته.

اقترب الرجل وقال بصوت منخفض:

— يجب أن نذهب. الأمر لا يحتمل التأجيل.

سألت ليلى:

— إلى أين ستذهب؟

لم ينظر إليها يوسف.

— سأعود في أقرب وقت.

— يوسف!

توقف.

كانت تريد أن تقول له أشياء كثيرة، لكن كل الكلمات التي تدربت عليها في رأسها اختفت. لم يبقَ منها إلا سؤال واحد، خرج من فمها مرتجفًا:

— هل سأراك مرة أخرى؟

التفت إليها.

وللحظة، بدا كأنه يريد أن يترك كل شيء ويعود إليها، كأنه رجل عادي لم يسمع نداءً من بعيد، ولم يحمل في صدره قضية أكبر من أحلامه الخاصة.

ثم قال:

— نعم يا ليلى.

ومضى.

راقبته حتى ابتلعه الطريق، وبقيت يدها مغلقة على الورقة الصغيرة.

لم تكن تعرف لماذا شعرت أن وعده هذه المرة مختلف عن الوعد السابق. ربما لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على قلبه حين يكون سعيدًا، لكنه يصبح أكثر قدرة على سماع الحقيقة حين يخاف.

عادت إلى البيت، ووضعت الورقة تحت وسادتها.

في تلك الليلة، لم تبكِ.

كانت هناك مرحلة في الحزن تسبق الدموع، مرحلة يقف فيها الإنسان أمام ما يحدث عاجزًا عن تصديقه، كأن عقله يرفض أن يسمح للكارثة بالدخول قبل أن يتأكد من اسمها.

جلست قرب النافذة، وأخذت تتساءل: هل من حقها أن تطلب من يوسف أن يبقى؟ وهل من حقه أن يتركها دون تفسير؟ وهل يصبح الحب أقل صدقًا حين يختار صاحبه طريقًا لا يستطيع أن يصطحبنا إليه؟

لم تجد جوابًا.

لكنها فهمت شيئًا واحدًا: أن يوسف لم يكن يخفي عنها مجرد سر، بل كان يقف على عتبة حياة جديدة، حياة قد لا تجد فيها ليلى المكان الذي ظنت أنه ينتظرها.

وفي مكان ما من القرية، كان رجل غريب يحمل خبرًا لم يصل إليها بعد.

خبرًا سيجعل الورقة الصغيرة، التي بدت لها في البداية مجرد كلمات غامضة، الشيء الوحيد الذي ستعود إليه حين يبدأ الجميع في إخبارها من يكون يوسف حقًا.