~مقدمة ~
لم أكن أؤمن أن الإنسان يستطيع أن يموت مرتين، حتى رأيت امرأةً تدفن حبيبها، ثم تعود إلى بيتها لتعيش بجسدٍ لم يعد يعرف صاحبه.
ولم أكن أظن أن للحب وجهًا آخر غير ذلك الذي نراه في عيون العاشقين، حتى عرفت أن الحب قد يتحول، حين يُحرم من نهايته، إلى سؤالٍ لا يهدأ، وجرحٍ لا يلتئم، وذكرى تطارد صاحبها حتى في أكثر لحظاته سكونًا.
كانت ليلى تظن أن أكبر مخاوفها هو أن يتوقف يوسف عن حبها. لم يخطر ببالها أن يأتي يوم تتمنى فيه لو أنه لم يحبها قط، لو أنه بقي بعيدًا عنها، لو أنه اختار حياةً عادية لا يُكتب في نهايتها اسمه على شاهد قبر.
لكن من يستطيع أن يطلب من رجلٍ أن ينجو بنفسه، حين يكون وطنه غارقًا في الألم؟
ومن يستطيع أن يلوم امرأةً لأنها أرادت حبيبها حيًّا، ولو كان العالم كله ينتظر منه أن يموت بطلًا؟
في تلك البلاد التي كانت تحاول أن تستعيد اسمها وحريتها، لم تكن ليلى تعرف شيئًا عن الأبطال. كانت تعرف يوسف فقط؛ ضحكته، وصوته حين يناديها، والطريقة التي كان ينظر بها إليها كأن العالم، على اتساعه، لا يستحق أن يلتفت إليه ما دامت أمامه.
ثم جاءت الحرب.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأشياء كما كانت. صار للباب صوتٌ يخيفها، وللرسائل عمرٌ تنتظره، وللسماء لونٌ تكرهه كلما غابت الشمس خلف الجبال.
أما يوسف، فقد ترك لها وعدًا بالعودة.
ولم يخبرها أحد أن بعض الوعود لا يخلفها أصحابها بإرادتهم، بل تخطفهم الحياة قبل أن يمنحوها فرصة الوفاء.
هذه ليست حكاية شهيدٍ وحبيبة فحسب، ولا حكاية وطنٍ قاوم مستعمِرًا حتى استعاد حريته؛ إنها حكاية قلبٍ وجد نفسه أمام سؤالٍ أقسى من الموت:
حين يأخذ الوطن منك الشخص الذي تحبه، فهل تواصل حب الوطن، أم تبدأ في كراهية كل شيء؟
سأكتب الفصل الأول من رواية «عروس الشهيد» بلغة شعرية تتكئ على الحنين وصورة الوطن والحبيبين، وتجمع بين رهافة الحب وثقل الثورة، بروحٍ شاعرية أصلية دون تقليد أسلوب محمود درويش حرفيًا.
الفصل الأول
حبٌّ على أرض الوطن
«بعضُ الحكايات تبدأ بحبٍّ صغير، ثم تكبر حتى تصبح بحجم وطن.»
لم تكن الجزائر في تلك السنوات تشبه نفسها.
كانت الأرض تعرف أسماء أبنائها الذين غابوا، وكانت الأمهات يُخفين خوفهن خلف أبواب البيوت، وكانت النوافذ تُغلق باكرًا، كأن الليل لم يعد وقتًا للنوم، بل موعدًا محتملًا للفقد.
في القرى الصغيرة، كانت الحياة تمضي بحذر. رغيف الخبز يُقسَّم بين أفواه كثيرة، والوجوه تحفظ ملامح الغائبين أكثر مما تحفظ ملامح الأحياء. أما الأشجار، فكانت تقف في أماكنها القديمة، تشهد على وطنٍ يحاول أن يتذكر كيف يكون حرًّا.
في تلك الأرض وُلدت حكاية ليلى.
كانت فتاةً تؤمن أن الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى؛ يكفيها أن تكون صادقة. تحب رائحة الخبز حين يخرج من التنور، وصوت أمها وهي تناديها قبيل الغروب، والسماء حين تتلون بلون البرتقال فوق أسطح البيوت. وكانت تحب الجزائر أيضًا، ولكنها لم تكن تعرف بعد أن حب الوطن ليس دائمًا أغنيةً نرددها، بل قد يكون جرحًا نحمله دون أن يراه أحد.
كانت ليلى تظن أن الحياة، مهما ضاقت، ستترك لها نافذة صغيرة تطل منها على أحلامها. لم تكن تطلب الكثير؛ بيتًا لا يخاف أهله من الطرقات المفاجئة، وأمًّا تنام مطمئنة، ورجلًا إذا أحبّها لم يجعلها تخشى الغد.
ثم جاء يوسف.
لم يدخل حياتها كما تدخل العواصف، ولم يعلن عن نفسه كما يفعل الأبطال في الحكايات. كان شابًا يحمل في عينيه شيئًا من حزن الرجال الذين رأوا أكثر مما ينبغي، وشيئًا من الأمل الذي يرفض أن يموت، مهما حاولت الأيام دفنه.
التقيا في ظهيرة هادئة، حين كانت ليلى تحمل سلة صغيرة في طريق العودة إلى البيت. كان الهواء يمرّ بين أشجار الزيتون، وكانت الشمس تميل ببطء نحو الغرب. مرّ يوسف من أمامها، ثم التفت كأنه نسي شيئًا خلفه.
لم يكن قد نسي شيئًا.
كان يريد أن ينظر إليها مرة أخرى.
قال لها:— أأنتِ ابنة ذلك البيت القريب من شجرة الزيتون؟
رفعت عينيها إليه، ثم أجابت:
— وهل تسأل عن البيت أم عن صاحبته؟
ابتسم، وقال:
— لعلني أسأل عن الطريق الذي جعلني أمرّ من هنا أكثر من مرة.
أخفت ليلى ابتسامتها، ومضت.
لكنها حين عادت إلى البيت، لم تستطع أن تقنع قلبها بأن ذلك اللقاء كان عابرًا. كان ثمة شيء صغير قد حدث، شيء لا يراه أحد، لكنه يترك في الروح أثرًا يشبه أول قطرة مطر تسقط على أرض عطشى.
ومنذ ذلك اليوم، صار للطريق معنى آخر.
لم تعد شجرة الزيتون مجرد شجرة، ولم تعد الظهيرة مجرد وقتٍ من النهار. أصبح لكل شيء احتمالٌ جديد؛ أن يمرّ يوسف، أن تسمع صوته، أن تلتقي عيناهما للحظة، ثم تعود إلى غرفتها محمّلة بأسئلة لا تعرف كيف تجيب عنها.
وكان يوسف يعود.
في كل مرة يجد سببًا مختلفًا للمرور، وفي كل مرة كانت ليلى تعرف أن السبب الحقيقي يقف أمامها، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية ليقوله.
حتى جاء اليوم الذي قال فيه:
— ليلى، هل تؤمنين بأن الإنسان قد يجد وطنه في قلب إنسان آخر؟
سكتت قليلًا، ثم نظرت إلى الأرض.
— أخشى أن يكون ذلك الوطن قابلًا للفقد.
أجابها:
— كل ما نحبه معرّض للفقد، لكن هل يعني هذا أن نعيش دون أن نحب؟
لم تجبه. كانت تخشى الكلمات التي تكشف القلب أكثر مما تخشى الصمت. لكنها شعرت، في تلك اللحظة، أن شيئًا فيها قد اختار يوسف قبل أن تستأذنه.
ولم تكن تعرف أن بعض الاختيارات لا تأتي وحدها؛ تأتي ومعها أثمانها، وتترك للإنسان حرية أن يحب، لا حرية أن ينجو من عواقب الحب.
---
كان يوسف يتحدث عن الجزائر كثيرًا.
يتحدث عنها كما يتحدث المرء عن أمّه حين تكون بعيدة، أو عن بيتٍ ترك فيه قلبه واضطر إلى الرحيل. لم يكن يرى في الوطن ترابًا وحدودًا فحسب؛ كان يراه في يد الفلاح المتعبة، وفي عين الأم التي تنتظر ابنها، وفي الطفل الذي يستحق أن يكبر دون أن يتعلم معنى الخوف قبل أن يتعلم الكتابة.
وكانت ليلى تستمع إليه.
تحبه حين يتحدث عن المستقبل، وتخاف عليه حين يتحدث عن الحرية.
ذات مساء، سألته:
— لماذا يبدو صوتك مختلفًا كلما ذكرت الوطن؟
نظر إلى الأفق طويلًا قبل أن يجيب:
— لأنني حين أتحدث عن نفسي، أفكر في رجل واحد. أما حين أتحدث عن الجزائر، فأفكر في وجوه كثيرة لا أعرف أسماءها، لكنها تشبهني، وتستحق أن تعيش.
قالت بصوت خافت:
— وهل يمكن لقلب واحد أن يحمل كل هذه الوجوه؟
ابتسم بحزن:
— لا أعرف. لكنني أعرف أنني لن أستطيع أن أعيش مطمئنًا إذا أغمضت عيني عنها.
أرادت أن تقول له إنها تخاف، وإنها لا تريد أن تكون شجاعة إلى هذا الحد، وإنها لم تقع في حبّه كي تتعلم كيف تودّع. أرادت أن تطلب منه وعدًا بسيطًا، وعدًا لا يخص الجزائر ولا التاريخ ولا أحلام الرجال؛ وعدًا يخصها وحدها.
لكنها سكتت.
فثمة كلمات، حين نحب، نخشى أن ننطق بها؛ لأننا نعرف أن من نحب قد يعجز عن منحنا ما نطلبه، لا لأنه لا يحبنا، بل لأن الحياة وضعته أمام واجبٍ أكبر من رغبته.
وفي تلك الليلة، بكت ليلى للمرة الأولى دون أن تعرف السبب.
لم تكن قد فقدت يوسف، ولم يكن قد غادرها، ولم يحدث بينهما ما يستحق الحزن. ومع ذلك، شعرت أن الفرح الذي دخل قلبها جاء مرتديًا ثوب الغياب، كأن روحها تهمس لها بأن بعض اللقاءات تحمل في بدايتها ظلَّ نهايتها.
---
كانت الجزائر تكبر في قلب يوسف، وكان يوسف يكبر في قلب ليلى.
وبين الحب والوطن، بدأت المسافة تتسع دون أن يخطو أحدهما خطوة واحدة.
لم تكن ليلى تكره الوطن، ولم تكن تريد من يوسف أن يتخلى عن أحلامه. كانت تريد فقط أن يكون للحرية وجهٌ يعود إليها في المساء، وأن يكون للشجاعة قلبٌ تستطيع أن تضع رأسها على كتفه حين تتعب.
أما يوسف، فكان يحلم بيومٍ لا تخاف فيه فتاةٌ مثله من الغد، ولا تضطر أمٌّ إلى إخفاء دموعها كي لا يراها أبناؤها، ولا يصبح الحبّ حكايةً ناقصة لأن رجلًا اختار أن يدافع عن أرضه.
وكان كلاهما محقًّا بطريقته.
وهذه هي مأساة القلوب أحيانًا: أن يتقابل شخصان لا يريد أحدهما إيذاء الآخر، ثم تقف الحياة بينهما، لا لأنها تكرههما، بل لأنها لا تسألهما إن كانا مستعدَّين لما تفرضه عليهما.
في آخر لقاء لهما ذلك الأسبوع، وقف يوسف قرب شجرة الزيتون، بينما كانت ليلى تنظر إلى الطريق الذي اعتادت أن تراه يسلكه نحوها.
قال لها:
— أتدرين ما الذي أتمناه؟
— ماذا؟
— أن يأتي يوم أستطيع فيه أن أطلب يدك أمام أهلك، دون أن أخشى أن يقطع صوتي صوتُ رصاصة، أو أن يُفسد الغدُ ما نعدّه لليوم.
ابتسمت، وكانت ابتسامتها أقرب إلى الدموع.
— وأنا أتمنى أن يأتي ذلك اليوم قبل أن نتعب من الانتظار.
مدّ يده إليها، فترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.
لم يكن بينهما قَسَمٌ كبير، ولا كلماتٌ تصلح لأن تُكتب على جدران المدن. كان هناك دفء يدين، ونظرة طويلة، وأملٌ صغير يحاول أن يجد مكانًا آمنًا في زمنٍ لا يمنح الأمان بسهولة.
قال يوسف:
— سأعود إليكِ يا ليلى.
نظرت إليه، وكأنها تريد أن تحفظ ملامحه قبل أن تحفظ كلماته.
— لا تعدني بما لا تملكه يا يوسف. عِدني فقط ألّا تنسى أن هناك قلبًا ينتظرك.
ضغط على يدها برفق.
— وكيف أنسى قلبي؟
افترقا عند الطريق، ومضى كلٌّ منهما نحو بيته. لم يلتفت يوسف، لا لأنه لم يرد النظر إليها، بل لأنه كان يخشى أن يرى في عينيها ما قد يجعله يتراجع عن المضيّ في الطريق الذي اختاره.
أما ليلى، فبقيت واقفةً حتى غاب عن نظرها.
كانت تظن أن الحبّ هو أن ينتظر الإنسان من يحبّه، ولم تكن تعرف بعد أن الانتظار قد يصبح عمرًا كاملًا، وأن بعض الوعود لا تنكسر حين يخون أصحابها؛ بل حين تأتي الحياة بما لا يستطيع أحدٌ ردَّه.
وفي تلك الليلة، نامت ليلى وهي تفكر في عرسها الذي لم يُحدَّد موعده بعد.
لم تكن تعرف لون فستانها، ولا شكل البيت الذي ستعيش فيه، ولا عدد السنوات التي ستقضيها إلى جانب يوسف. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: أنها تريد أن تستيقظ ذات صباح فتجده قريبًا منها، وأن تسمع صوته دون أن تخشى أن يكون آخر ما تسمعه منه.
وخارج نافذتها، كانت الجزائر تواصل ليلها الثقيل.
كان الوطن يستعدّ لأيامٍ أخرى من الألم والمقاومة، وكانت الحكايات تُكتب في الخفاء، بعضها سيصل إلى نهايته، وبعضها سيبقى معلّقًا بين وعدٍ ودمعة.
أما حكاية ليلى ويوسف، فقد بدأت للتو.
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف أن شجرة الزيتون التي شهدت أول لقاء بينهما، ستبقى يومًا شاهدًا على وعدٍ لم تستطع الحرب أن تمحوه، حتى حين عجزت الحياة عن الوفاء به.