يجمع ساهر أرهاطه من "حُراس المنابر" وأتباع جلسات الذكر و دراويشه، بصفوف تأرض بالأرض بزعزعة منُقضة نحو "عالم الهيبيز"، فيعلو وغرهم و يشتد أزرهم نحو تلبية نداء النجدة لأتباع الفاتحين.
وإذا بهم يتأهبون للخروج لخرابات ومزابل الشياطين، يصل إليهم زائر غير مُتوقع، وهي أم الراقون مُتشبثة بمخالب نسرها المُنهمك لتنزل أرضًا بأقدام مرتجفة، رافعة صالجونها الذي يشع بريق لامع يجذب الأنظار.
فـ يعترضها أيهم بإنزعاج و رفض لوجودها
- أيهم : المكان ده مش بيستضيف سحرة ومُنجمين.. خدي نجومك وكواكبك وأرحلي.. بدل ما أخلى حُراس المنابر يتمرنوا على سرعة قذف السهام نحو عيونك الضريرة
تُشعر أم الراقون بخدش لكبريائها، كما ترفض تعنت أيهم ضد السحر والتنجيم
- أم الراقون : أنا مش ضريرة يـ أيهم.. أنا شايفك كويس.. كأنك لسه يافع ابن عشرين سنة
يضيق خُلق أيهم نحوها
- أيهم : عاوزة إيه يا خرفانة أنتِ.. أنتِ مُحرمة تلتقي بالنبلاء ؟
- أم الراقون (بغيرة) : أنا من النبلاء ودمي منكوا لحد آخر رمق.. وبعدين أنا مش هنا عشان اعتذارات شرفية.. أنا مستبيعة من زمان
تزيحه بساعدها عن مسلكها، تنظر لجيش ساهر نظرة تفحصيه ناصحة
- أم الراقون : اليد السوداء لطورهوبار ظهرت
ترتجف نظرات أيهم ويتحول رفضه لوجودها إلى اهتمام وإنصات، فيترجل ساهر عن صهوة فرسه مُقدمًا نحوها لكي يستفهم
- ساهر : يعنى إيه اليد السوداء ؟
تؤكد أم الراقون المقصود باليد السوداء، وهو الكاهن الممسوخ من إنسية خانعة وشيطان منبوذ
- أم الراقون : يد طورهوبار اللي بيحركها لتنفيذ كل مراسم استحضار جسد بشري بايع روحه مقابل روح الشيطان
- أيهم (بقلق) : ظهر فين ؟
- أم الراقون : قدام كهفي السبجي.. ومعاه مردة نارين من قبائل الجن الأزرق والأحمر
" الكهف السبجي : تشبيه به تفخيم لوكر أم الراقون، حيث السبج هو حجر بركاني من فصيلة الأحجار الكريمة "
يتزعزع أيهم بخطورة المعلومة ولكنه يحاول كبح جماحه وثباته، إلا أن فضول ساهر كان المُلفت له، فيضطر إلى إرشاده نحو تداعيات هذا الأمر
- أيهم : المردة النارين دول أحفاد إبليس.. وهم أخطر أنواع الجن لأن 70 % منهم ملاحدة
تقف الكلمات بحلق أيهم لصعوبة التلفظ بها، مما يستدعي مُلاحقة أم الراقون لاستكمال الوصف، فتتوجه نحو ساهر المُنصت
- أم الراقون : المرده الناريين بيمتازوا بعيون كثيرة في وجوههم من الأمام ومن الخلف.. أقل واحد عنده أربع أيدى وأربع أرجل.. ده غير أنهم ضُخام في الطول والحجم.. وسرعتهم عالية جدا خصوصًا في الحروب.. و فيهم الطائر وفيهم الغواصين وفيهم التُرابيين
يشعر ساهر بإحباط نحو هذه المعركة غير المُتكافئة القوى، فيضطر أيهم لتقليل حدة الأمر بينه وبين العرافة أم الراقون بـ استشارتها
- أيهم : طب أنتِ دلوقتي جاية تنصحي ولا جاية تكسري المقاديف ؟
تُشهر أم الراقون بغضب صولجانها نحو أيهم و تكشف نواياها الحسنة
- أم الراقون : أنا جاية عشان اجمع حُراس المنابر مع النصيبين.. أيد واحدة زي زمان
" النصيبين : هم من الجن الضوئي المُسلم، عاشوا مع الرسول وحضروا معه دعوته للإسلام و رسخ الله في قلوبهم قوة العقيدة كـ قوتهم الجسمانية، الجن الواحد منهم يستطيع أن يقتل مائة شيطان بضربة واحدة "

يشعر أيهم ببادرة أمل سرعان ما تنطفىء بريقها
- أيهم : بس الجن الضوئي مش بيحاربوا مع البشر من آلاف السنين.. إزاى هنستدعيهم ؟؟
تشحن أم الراقون الحماسة في نفوس أيهم و ساهر، وهي تُرشدهم نحو مُخطط ليس أمامهم سوى إتباعه ومُحاولة إنجاحه
- أم الراقون : احنا مش هنستدعيهم.. احنا هنروحلهم.. أنا بنفسي هكون مع المجموعة لإن ليا ود عند بعض السحرة منهم.. وأقدر أقنعهم
يتبادل ساهر و أيهم نظرات يترجمونها بفراسة، حيث يشعر ساهر بموافقة أيهم المبدئية على رحلة يخوضونها لـ " أرض النصيبين "، فينظر لأم الراقون بجسور
- ساهر : أنا هاجي معاكي
- أم الراقون : معنديش مانع بس نتعرف الأول.. أنت منا ولا منهم ؟؟
تقصد إن كان بشري أم من حُراس المنابر!!؟ إلا أن إجابة ساهر لم يُقدر لها الاسترسال، حيث صخور نارية ضخمة تُقذف نحو قلاع المنابر من قبل عدو غائر من مردة النار، فيقبض أيهم بيده الراجية ذراعي ساهر بعين راسخة الثقة
- أيهم : روح معاها بس اوعى تأمن لها أو تؤمن بعلمها ؟
يرفض ساهر بأصالة متجذرة نحو المكان الذي أصبح فيه الرجل الذي طالما أراده، فكيف له أن يتقاعس عن واجبه تجاه رؤيته المُبجلة للمدينة الفاضلة والجزء المُصغر من الفردوس على كوكب الأرض!! وهي تُدنس بأقدام الملاحدة والمرده؟
- ساهر : أنا لازم ابقى معاكوا.. أنا من حُراس المنابر !!
يرفض أيهم تعنته واستماتته نحو الانضمام لصفوف المدافعين من حُراس المنابر
- أيهم : لاااا احنا حُراس المنابر هنعرف ندافع عن أراضينا.. أم أنت من البشر.. وواجبك تدافع عن عالم البشر.. يلا متضيعش وقت ؟
ينظر ساهر نحو قلاعهم المُهشمة بالهجمات النارية، وحُراس المنابر من حوله يحاولون التعامل مع هذه الهجمة غير المتوقعة، فيمتطي فرسه وتتشبث العرافة بـ نسرها الأخضر ويفران نحو "مملكة النصيبيين"، نحو مملكة آمالهم الفارقة بين مُواصلة الملحمة الناهية أو الرضوخ للشيطان.
أما أيهم فيُعيد صفوف حُراسه لمُواجهة عدوهم الغاصب .

يتجه صباحي نحو باب منزل سارة المفتوح حاملًا المعلومة من الكاهن، وحاملًا معها كيفية استخدامها والتعامل على أثرها، وهذا هو الشرط الذي شرطه " اليد السوداء " لكشف هوية سارة لـ صباحي، فيخطو ممرات منزل مُظلم يفوح منه رائحة الخمور ودخان بقايا السجائر المُرتمية أرضًا، بجانبها الكثير من زجاجات المياه الغازية المعدنية و زجاجات الخمر الفارغة، فيصل صباحي الهادئ الخطي قبل أن يندلع لهيب وتره نحو الهول.
ليجد ضالته شاحبة الوجه، والهالات السوداء تحت أعينها كـ أوساخ الحبر، وأعصابها مُرتخية، وأثر الدموع الجافة على وجنتيها، فهي فى حالة يُرثى لها ما بين قليلا من الوعي وفقدان مقصود للوعي، فيُجالسها صباحي بـ اغتباط لبليتها, وهو يُشعل سيجارته وينفخ دخانها بوجهها
- صباحي : أستنتيني كتير مش كده ؟؟
تنظر له بـ إستدارة مُجهدة برأسها وجوارحها، وعيون هائمة لشخص آخر كانت تّطلع لرؤيته
- سارة : كان نفسي يكون مصطفى هو اللي بينفخ دخان السيجارة في وشي مكانك ؟
يحترم صباحي أمنيتها بعتاب قاتل يُزيدها ندمًا
- صباحي : دة مطلب جماعي ياسارة.. بس للأسف أنتِ كنتِ مركزة أوى إنه ميطلعش من اليخت حي
تُبرر سارة فعلتها الإنفعالية لنفسها وليس لصباحي، فهي لا تنتظر نظرة بها استمالة منه، إنما تنتظر كل ما هو مُتحجر، ليخفف عن كاهلها تأجج مشاعر الندم بقلبها
- سارة : لو كان اختارني كان هيبقى هنا.. ومكنتش أنا هبقى كده !!
يقف صباحي يُنهي إمتصاص تبغ سيجارته ثم يُلقيها أرضًا، ويهرسها بقدمه بجز أسنان وعيون خالية الدَماسة ومُتعطشة للوتر
- صباحي : ومن الحب ما قتل.. بس أنتِ نسيتي أنك تهتمي إن أنا كمان مطلعش من اليخت حي زى مصطفى.. لأني زيك بالضبط.. مستعد اقتل من أجل الحب
لا تهتم سارة و لا يتحرك لها ساكن لا يرتجف رمشها الباهت نحوه، كأنها تبحث عنه مثلما بحث عنها، فترجوه بنصيحة أخيرة
- سارة : قبل ما تبرد نارك عايزة أقولك.. الدم مش بيطفيها !!
يميل صباحي جسده وينحني نحوها بلكنة مُستخفة بالنصيحة
- صباحي : أمال العفو عند المقدرة !!
تبتسم سارة فى حالة غياب وعي مُتأرجح بين درجات قياسية مُتذبذبة، لتنطق بكلماتها الأخيرة قبل غياب الوعي الدائم
- سارة : فى موضوع العفو ده.. مقدرش أفيدك
تغيب سارة عن الوعي، أو تترك عمدًا إحتياجها لعمليات عقلية كـ التركيز والإدراك والتفكير، وتضرب بهم عرض الحائط.
إنها أحداث مُتفرقة الأماكن والأزمنة، ولكنها تحمل نفس المؤشر نحو إما حافة التحرر من قيود إبليس أو الإنحدار نحوها بإرادة لا تكترث للغضب الإلهي.
فرحلة ساهر و أم الراقون نحو "أرض النصيبيين" ستحدد ما سيلوح له المؤشر، فقد حَميَ الوطيس وأشتدت أهبة المعركة بين الحق والضلال.
حيث إن اغتصاب "مردة النار" قلاع المنابر وقتلهم للنبلاء من الحُراس، وعلى رأسهم قائدهم الباسل أيهم الذي قُتل رافعًا رايات التوحيد بالله وعزته، على يد أنجاس أندال، جعلت المؤشر يقترب من حافة الإنحدار.
وتكبيل صباحي لجسد سارة المنزوع منه الأمل بالحبال، ثم وضعها بالعرض على قضبان قطار مُنتظر، لتنفيذ شرط الكاهن لإرضاء حكم قاضى النار الزاعم، فمعصية سارة بمحكمة النار كانت وجه ملوث بالدماء مع صوت صفارة قطار صارخة، وهذا مقصد الكاهن أو " اليد السوداء " لتحقيق نبوءة هذه المحكمة الوثنية.
إذ تنطلق صفارة القطار مع صوت إحتكاك عجلاته المعدنية بالقضيب، قادمًا نحوها، لتفتح سارة عينيها بتكاسل فتلاحظ أنوار قطار مُنطلق قادمًا نحوها، فتُغمض عينيها بلذة بها تناغم وكأنها تسمع نغمة ضوء القمر لبيتهوفن، وهنا عقرب المؤشر يقترب أكثر نحو حافة الإنحدار أمام قلوب لا تستطع العفو والسماح .

ويونس المسعور بسُعار نحو الدم وهو ينفذ طلب الكاهن أمام فتاة بائسة، أجبرتها ظروف الحياة المُتوعرة لتختار طريق الهلاك وتقدم جسدها على أطباق من فضة بمزاد الشهوانيين، يلتهموا بأموالهم ما يشتهون ثم يلقوا بهذه الأطباق أرضًا وقد تنجست بالمجون.
ولكن مهمة " اليد السوداء " ليست إطاحة يونس للفتاة المسكينة، وإنما إطاحته هو أمام جمع من الناس اقتحموا منزله مُلتفين حول الكاهن المُتقمس شخصية العاكف عن المعاصي وهو يُشير بإصبعه الماكر نحو يونس داعيهم لعقابه على فعلته الشنعاء، فما هدفه من إفضاح أمر يونس أمام الجمع !!؟.. هنا المؤشر يستوطن بناصية الحيرة وليس الجزم بالقرار.
أما سعد فقد رأى الرمز الدخاني الرابع لــ " كف يد " فأصبح أمامه أربع رموز، وكالعادة لا يعلم ما تؤول إليه تلك الرموز، فيقرر الذهاب الى مكتبة قديمة بوسط البلدة والبحث بالكتب و المعاجم الهيلوغريفية عن ترجمة لهذه الرموز وهم زهرة اللوتس - الساعد أو الذراع - قصبة الكتابة - كف اليد.

وبينما هو جالس على منضدة المكتبة يبحث ويترجم بنهم، يصل إلى ما يرج مخِه بين عظام جمجمته كأن رأسه تعرضت للطمة أو إرتطام معنوي.. وعند تلك النقطة يرتجف المؤشر وهو كغاز مُسال نحو حافة الجنون
" الغاز المُسال : هو غاز طبيعي يتم إستخراجه من حقول النفط والغاز، ويتم معالجته و إسالته بالتبريد أو عند تعرضه لظروف جوية "
فما هو اسم الجاني الذي شكلته الرموز الأربعة ؟ وهل صدمة سعد كانت لصحة توقعه للاسم أم أن ما ظهر له هو آخر الأسماء المتوقعة على الإطلاق ؟