NOVELFLEX

المعركة الأخيرة

رواية طورهوبار · بقلم محمد غنيم

يفيق ساهر من ترنحه ليجد امامه نورًا مُشعًا يشع من وجه الملاك المُجنح الذي أنقذه، نعم إنه ملاك جنسًا وتشبيهًا.. إنه أيهم فى صورة ملائكية نضرة يبتسم بوجه ساهر المسحور بالبياض الطاهر المُزدهر بجانبيه، فيهم ساهر واقفًا مشدوها وهو يتمعن بتفاصيل وجهه وعيناه البراقة بالصفاء الشفاف كـ لون البدر بساعة الغسق

- ساهر : أنت مش أيهم ولا أيهم في صورة مختلفة ؟

يقترب منه وهو يربت على كتفيه بنعومة ليهدأ

- أيهم : أنا أيهم اللي أنت تعرفه.. بس في عالم أنت متعرفوش

يلتفت ساهر حوله فيلاحظ وجوده داخل مدار فلكي، تلمع فيه النجوم والكويكبات، بعالم مداره يدور حول الكواكب الأخرى بشكل دائري، وليس إهليجي مُتفلطح مثل دوران كوكب الأرض حول الشمس، فيثيره سؤال فضولي

- ساهر : احنا فين.. في البرزخ !!؟

" البرزخ : الحاجز بين شيئين، والمقصود هنا الحاجز بين الحياة والموت، فالموت ليس نهاية الحياة بل الروح تنتقل من الحياة بعالم الدنيا إلى عالم البرزخ "

قال الله تعالى في القرآن الكريم ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ*بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾

يبتسم أيهم قائلاً بإنشراح

- أيهم : أنت لسه متعلق بالدنيا ياساهر.. وليك دور لسه مكملتوش

ينظر ساهر أرضًا خجلًا من حاله ومن خذلانه وفشله أمام أيهم المُتعشم فيه

- ساهر : أنا خذلتك يا شيخ أيهم.. الدور اللي أنت وكلتني بيه ده صعب.. أنا فشلت

يُهدئ من روعه حتى لا يقسى على حاله بذنب لم يرتكبه

- أيهم : ومين مش بيفشل.. الفشل أول خطوة في طريق النجاح

- ساهر : وفين طريق النجاح ده.. طورهوبار خلاص على أعتاب نهاية عالمنا وبزوغ عالم تاني أشبه بالجحيم

ينزعج أيهم من إحباطه فيُعيد بناء أبراج من الحماسة والدأب حتى يتسلقه ساهر من جديد

- أيهم : وده مش مُبرر يخليك تحاول تاني ؟؟

فيندفع ساهر بيأس في الاستخفاف بمجهود أيهم وحُراس المنابر

- ساهر : كنت أنت قدرت أنت وحُراس المنابر !!

يتأنى أيهم في رد الصاع المُبرح لساهر

- أيهم : ومين قالك إننا فشلنا.. احنا لسه موجودين.. يبقى ما فشلناش.. الفشل يعني الموت بدون إتمام الغرض.. واحنا اتخلقنا لغرض واحد.. التعمير.. وإذا كان طورهوبار و زبانيته قرروا يخربوا اللي بنعمر فيه من أول ما اتخلقنا.. فأنت دلوقتي هتقرر إنك تمنعه مدام لسه حي

يدب سريان من الحماسة والثبات والعزم بدماء ساهر، بمحاولة منه للضغط على مدارك القلب والعقل لتقبل كلمات أيهم، وهو يقرر المحاولة الأخيرة بالمعركة الأخيرة

- ساهر : طب دلني زي ما بتعمل معايا على طول ؟

- أيهم : ما أنا دليتك و وجهتك ؟

يحاول ساهر فهم مقصده

- ساهر : تقصد ايه ... !!

يفهم ما يلوح له فـ أيهم قد وكله من زي قبل بمهمتين وهما تدمير "عالم الهيبيز" و دعم "أتباع الفاتحين"

- ساهر : أنت عاوزنى أروح وانا أعزل للهيبيز ؟

يقترب أيهم من أذنه بعشم وثقة مُتناهية

- أيهم : انت هتسافر وأنت أعزل.. لبلاد أتباع الفاتحين.. الأرض اللي هيغزوها طورهوبار مع أول إشراقة للنهار.. وزي ما قدامى فيه ساهر الباسل.. عاوزك تنبت من أراضيهم آلاف مؤلفة زيك.

- ساهر : وهلحق ؟

يشير أيهم بسبابته نحو الخلف، فينظر ساهر خلفه ليجد مُهرته تصهل وترفرف بجناحيها بقوة تطيح العفار من حولها إستعدادًا لرحلة سريعة لا يجب أن تطول، فينظر ساهر لأيهم نظرة الوداع

- ساهر : مش هشوفك تاني ؟

يكشف له أيهم عن رحلته الأكثر توعر نحو تحرير "أرض النصيبين" من أشرس الدنيء و عملائه الخونة الذين زرعهم، لـ يستنبطوا عن البؤر الضعيفة بنفوس الجن الضوئي كما فعل الكاهن مع البشر

- أيهم : انا قدامي معركة أشد شراسة بأرض النصيبين.. نتيجتها هي اللي هتحدد إجابة سؤالك

يومئ ساهر برأسه بتمني التوفيق والظفر بالعدو مع ابتسامة صافية مُفعمة بالصلابة والإقدام.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f49304641646257456d5044354f513d3d2d313439313134303438392e313830633163623534393261666.jpg

تشرق أشعة الشمس لتُحي جحيم الناريين بجيش من الجن الناري بزعزعة خيولهم المُشوهة وقرع طبولهم المُفزعة المصنوعة من خشب السدر، فالطبول بالحضارة الفرعونية والسومرية والبابلية هي أداة السلم والحرب، وصوت صياحهم و دعق دوابهم يرج أرجاء البلاد ومسامع العباد، فمنهم من يهرول هاربًا ومنهم من يستسلم لهم وينضم لصفوفهم، وأمام تدمير البيوت وقتل الأطفال وإغتصاب النساء وقطع الأشلاء، لن يردعهم رجلًا مهما بلغ بشجاعته وقوته أمام جحودهم.

وبينما يزحف "طورهوبار" بجيشه النارى نحو أراضي "أتباع الفاتحين" وهى تعد آخر بقعة راسخة أمام طغيان الشيطان، كان أيهم يحارب رأس الأفعى أشرس بــ "أرض النصيبين" بتلاحم من سحرة الجن الضوئي وعلى رأسهم ماصر و شاصر .

ولم يُدرك " طورهوبار " وكاهنه أن لـ ساهر أنفاس عاتية لا تُسحق تحت أى ظروف قاهرة، فـ أنفاسه الصخرية وعزيمته الحديدية توقفه كـ البطل الظافر على أعلى منابر أراضي الفاتحين وهو ينبذ بالأتباع روح المُثابرة والتحدي والمُواجهة لهذا الزحف الجائر للأخضر واليابس، إذ يخطب بصوت قيادي حماسي على المنبر قائلًا:

- ساهر : كنتم أتباع الفاتحين لـ عقود وسنين.. واليوم الأعداء على أعتاب حصونكم وبمجرد وصولهم هيتم تمزيق شملكم.. اللي عنده عيلة يودعها واللي عنده طفلة صغيرة يبوسها من خدها قبل مايشوفها محروقة قدامه.. واللي عنده تجارة كان خايف عليها وخايف يواجه الظلم والضلال.. تجارته وفلوسه هيتعبوا فى زكايب الفجار.. يعني لا هينفعكم لا مال ولا بنون.. اللي هينفعكم إيمانكم وسلاحكم.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f3536317844424670665039526e673d3d2d313439313134303438392e313830633164316165386561363.jpg

يُحبطه أحد الجمع بنظرة ضعف وإستسلام

- التابع 1 : احنا بقالنا سنين لا مسكنا سلاح ولا سمعنا أصوات هيقعة ؟؟

" الهيقعة : صوت السيوف في المعركة، الخَضعَة : صوت السيوف عند الضرب، البضعة : صوت السيوف عند القطع "

ينحل ساهر الجلد المُلتهب ببثور الإحباط والهوان بعلاج من الحماسة والبسالة

- ساهر : وأهو جه الوقت اللي كلنا مُجبرين نسمع كل أصوات السلاح بالمعارك.. ها.. هنقول لـ طورهوبار وشياطينه إحنا مش مستعدين.. أجل حربك لحد ما نستعد ؟؟

فيقف أحد الجمع بجُبن وتقهقر لا ينتمي لعالم الرجال الذي يُحكمهم الشكيمة و روح الكرامة

- التابع 2 : لأ نلم اللي نقدر عليه ونهرب

ينظر له ساهر بإشمئزاز لخَوَره وضعفه

- ساهر : أنت شايف أنك تموت وأنت محني وبتهرب من عدوك أفضل من أنك تموت وأنت رافع رأسك و بتحاول ؟

ينظر ساهر نظرة مُجمعة للجميع

- ساهر : أنتم شايفين يا أتباع الفاتحين يا آخر المُخلصين والمُوحدين.. إن الموت المغموس بالمهانة والخوف أفضل من الموت في ساحة المعركة

يصرخ الجمع بحماسة بالرفض، فيزيد ساهر من إشعال حماستهم

- ساهر : يبقى كلنا هنشيل سلاح.. حتى لو فاسك اللي بتزرع بيه أرضك.. لأن اليوم أراضينا هتتسقي بدم الأنجاس مش الأطهار.. ومن اليوم مش هتكونوا أتباع للفاتحين.. أنتم هتبقوا أتباع للحق ونصرة الحق.. أنتم النهاردة هتكونوا المُناصرين

يهتف الجميع بحماس و يركضوا بطاقة وجسور نحو حمل أسلحتهم والاستعداد الدامي للمعركة الأخيرة فقد حمي الوطيس.

فها هم المُناصرين يصطفون بصفوف مُستوية لا يوجد بها إنبعاجات أو إعوجاجات، فهي صفوف المُوحدين المستقيمة أمام قبلة الصلاة ليصلوا خلف إمامهم وقائدهم الساهر الذي يقرأ بصوت عذب خاشع آيات كتابه الجليل بـ سورة النساء

" الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا "

وبعد أن فرغوا من الصلاة، يرفعوا أكف ضراعتهم إلى الله داعين له بأن يعزهم بعزته ويقويهم بقوته وينصرهم بنصرته التي لا نصرة قبلها ولا بعدها، فيسمعوا قنع أبواق الشياطين وزعزعة خيولهم وقرع طبولهم، ويروا من بعيد لمعان بوارق سيوفهم تحت أشعة الشمس الحارقة المُنعكسة نحوهم.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f61442d67546741773879314e4d413d3d2d313439313134303438392e313830633164306132393766616.jpg

يقف " طورهوبار" بمُقدمة جيشه وهو يُحذرهم التحذير الذي يهيب فى النفوس الضعيفة إهابة النفور من الإلتزام، ولكن المُناصرين لا يهابون سوى غضب الله سبحانه وتعالى

- طورهوبار : أنا أؤمن بالفرصة التانية.. التانية بس.. واسألوا أراضي اللي قبلكم.. اللي بيضيع الفرصة ديه.. بيدينى أنا فرصة إني أشوف عروس الشمس وهي بتتمايل بين ضلوعه.. والفرصة مُتاحة لخُطي فرسي.. فرسخين من مكانه.. يعنى ست أميال.. بعدها النار هي اللي هتحكم

رغم رجفة البعض من المُناصرين وإهتزاز أيديهم الحاملة للسلاح، إلا أنهم يُفضلوا الموت تحت راية الإسلام عن الانضمام لـ كنف الشيطان .

يترنح " طورهوبار " بخيله ويتمايل لستة أميال كما قال لـ تحدث المُعجزة الإلهية أمام ثبوت عقيدة المُناصرين، وهي غياب قرص الشمس عن السماء بشفق ناعم وحُمرة خلابة، ولكنها بالنسبة لـ " طورهوبار " وأتباعه نفاد لوقودهم.

يرمق " طورهوبار " الكاهن بنظرة قلقة تتحول إلى نظرة مُشتعلة بسرعة إنهاء الحرب، فيأمر الكاهن جِنه الناري بسرعة الإنطلاق لساحة المعركة، فها نحن أمام مشهد دامي ملحمي بين فرسان الحق وشياطين الضلال، بين نفث نيران سموم إلحادهم وثبات الإيمان بقلوب المُناصرين.

ورغم قوة النار وطغيانها و إحراق الكثيرين منهم إلا أن المُوحدين أقدامهم راسخة بـ رمال المعركة، يحاولون و يُثابرون ويستشهدون وطاقة الشيطان " طورهوبار " وأتباعه قاربت على النفاد، لكنها مازلت تُحدث أضرارًا جسيمة بالمُنشئات والمنابر والمنازل، وتُرهب النساء والأطفال الراكضين بينها كـ طيران الذباب بين خيوط العنكبوت المُتشعبة.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f4a65496c304a4171434b365963673d3d2d313439313134303438392e313830633164343734323061326.jpg

وجيش ساهر مازال يُقاوم ويكبح غورهم كغور شمسهم، فساهر مهارته بالتدريب بمملكة حُراس المنابر برزت أمام قوة العدو، كبروز مصل مُداوىٍ بجرح عميق، وبرمحه المُزدوج النصال يُحارب ببسالة ويقطع أشلاء العدو يمينًا ويسارًا، فيُثير غضب الكاهن ويثور نحوه راكبًا على جواده الممسوخ الحال كحاله،

فيدور حوله ويُلقي نحوه الزجاجات النارية التي تشبه المولوتوف، ولكن ساهر يتفاداها بمهارة، وبمهارة يقطع أحد أوردة قدم فرسته المُشوهة، فيسقط أرضًا ويسقط معه الكاهن وهو يتراجع زاحفًا بخوف وتوسل، أمام أقدام المقدام ساهر نحوه، حيث يُشهر سلاحه قائلاً بين عفار المعركة وأصوات صراخ الجرحى والقتلى

- ساهر : أكتر حاجة كان نفسي اكتشفها هى لون دمك الدنس ؟

يتوسل الكاهن زاحفًا يُقبل أقدامه بذعن

- الكاهن : انا زيك يا ساهر إنسي.. أنت فاكر إني شيطان لا لا لا.. أنا أضحك عليا ولو سمحتني بعدلك وانسانيتك.. هكون خدامك المُخلص

يضحك ساهر أمام خداعه الفاقد للحِكنة

- ساهر : لا يا كاهن طورهوبار شكلك كده مبقتش موهوب زي الأول.. أو يمكن عشان هتموت حالًا.. متوتر وخايف ومش عارف تفكر !!

يرفع نصله أمام عينيه فينظر له الكاهن بكشف آخر كروت خداعه

- الكاهن : طب هريحك وهقولك مين اللي قتل سعيد و رغدة ؟

يكشف ساهر سره الملعون وعقدة ذنبه الحقيقية، التي تُغرق آخر قشة كانت ستنقذ الكاهن الغريق ببحار الجحيم

- ساهر : ومين قالك إني معرفش.. أنا ورغدة للأسف كنا على علاقة ببعض ولما كشفت لي سر سعيد وجنانه كنت مفكره بيلعب لعبة من ألعاب الأخوية ومهتمتش لكلامها.. لو كنت اهتميت كنت ممكن أنقذها.. ولو كنت اتكلمت كنت هخسر صداقة سعد.. واللي كده كده خسرتها وكنت هخسر معاها نفسي.. هو ده الذنب اللي عشت معاه سنة بحاول إني أطهر منه.. وأنا واثق إني بقتلك هتخلص من عقدته

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f6257535a757a49324f59544274413d3d2d313439313134303438392e313830633164373639353230643.jpg

رغم صدمة الكاهن بهذه الحقيقة التي تكشف لنا ركاكة " محكمة النار " و " طوهوبار " المزعوم، إلا أن مشاعر الخوف واليأس كانت تنتابه بصورة أوضح، فيقطع ساهر رقبته ليخرج منه مئات من الأفاعي الصغيرة الحية، فيُسرع ساهر بحمل أحد زجاجته النارية المُعلقة بـ سرج فرسه المجروح المُتساقط بجانبه، وإلقائه نحو جسد الكاهن الممسوخ وإحراقه ليموت بالنار التي عبدها .

ورغم فرحة ساهر بقتله إلا أن فرحته لم تطول، فـ " طورهوبار" وجيشه طغوا بالأرض طغيان حارق لا يردعه أى سلاح والحرقى والقتلى حوله بالمئات، كما أن " طورهوبار" يطير بفرسه وهو ينفث نيرانه كالتنين، ومردة الشيطان يطيحون بالعشرات من الأناسي بضربة واحدة.

يشعر ساهر بأنها نهاية البشر ونهاية الأمل وبداية " عهد النار " ويلقي برمحه أرضًا ويجثو بركبته وهو ينظر لربه بعنان السماء بـ دمعة حارقة تتضرع للمغفرة وتخفيف عبء رحلته لدار البقاء.

إلا أن يأسه لم يطول حيث لفت أنتباه الجميع حتى " طورهوبار " ضوء لامع شديد البياض بالسماء يصاحبه صوت التكبير بأفضل أسماء الجلالة، فيتمعنوا النظر ليظهر أمامهم موكب ضخم من خيول مُجنحة يقودها أيهم و شاصر وماصر، وجيش من الجن الضوئي الذي يُلهب نظرات الناريون.

يهرولون الشياطين نحو الهرب إلا أن سرعة خيول النصيبين كانت لها الصدارة في الإلحاق بهم ونهشهم كنهش قطيع من الأسود لقطيع ضعيف من الجرذان، وهي دقائق معدودة يُحرز فيها النصيبين والمُناصرين النصر.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f5f3242722d6364673578576569513d3d2d313439313134303438392e313830633165346262303566613.jpg

وينضم أيهم لـ ساهر العائد بحماسة للقتال حتى ينتهوا من نسلهم، وما يزيد الأمر صعوبة و هرولة على " طورهوبار " وزبانيته، تساقط الأمطار الغزيرة التي تُطفىء نيران أجسادهم، مما يجعل " طورهوبار " يضطر للهرب ويبقي بعض البشر الخانعين لهم والذين نسوا الله وسجدوا للشيطان، فـ يجثوا على الأرض مُستسلمين لـ أيهم و ساهر طالبين العفو، فينظر أيهم لساهر بتساؤل يريد أن يقتلع إجابته من بواطن قلبه

- أيهم : هتسامحهم ؟

ينظر لهم ساهر بإبتسامة بها سماحة و زُهد من أمور الدنيا مثل الثأر والكره والظلم

- ساهر : ومين أنا عشان أعارض صفة إلهية ؟

يلتفت أيهم نحو الأضرار الجسيمة التي حدثت بالعمار

- أيهم : عمومًا أنت كده كده هتحتاج عمال يحيوا العمار والخضار في الأرض من جديد.. بس الأول لازم تقطع فلول طورهوبار وجِنه ؟

تنبثق من عيون ساهر نظرات واثقة الخطى، نحو إمتطاء خيله بساحات المعارك حتى يتحرر العالم من العبودية والوثنية

- ساهر : متقلقش.. أنا عارف إزاى هتخلص من طورهوبار.. ومش هيكون لروحه البشعة مسكن تاني للنجاة

يحاول أيهم أن يقرأ افكار ساهر، فما خطته للتخلص من هذا الوثني العابث !!؟

فقد قال رجلًا حكيماً ذات مرة "أجلب الكلب السعران بدجاجة "، فما دجاجة ساهر التي سـ يجلب بها " طورهوبار " وينحر نحره، حيث إن دجاجته هي سلاح العصر الذي يستخدمه الأعداء للإطاحة ببعضهم، إنه سلاح المكر والإدعاءات والقذف بالإشاعات نحو فلان وتشويه سُمعة علان.

إنها مجرد كلمات تُلقى بين ألسنة الناس تصل إلى " طورهوبار" بجحره الدنس بمعبده الوثني، كلمات تُدله على الكهف الذي يتعبد به ساهر، ليسير طورهوبار نحوه كـ دمية يُحركها ساهر بفطنته وليس هو المُتحكم باللعبة كما يعتقد.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f317a61495a76743479526a7a5a773d3d2d313439313134303438392e313830633164386236303063316.jpg

فيقف أمام الكهف المُظلم لـ يسمع صوت ساهر العذب يقرأ القرآن، يخطو بحذر وهو يسد أذنه بيده حتى لا يسمع الكلمات الصادقة المُميتة للشيطان، وينفث بداخل الكهف نيرانه السوداء مُعتقدًا أنه أحرق ساهر، يلقي نظرة من الخارج وهو يُقرر الدخول والتأكد من ضالته المُحترقة، وبمجرد دخوله يظهر ساهر و أيهم خارج الكهف وهما ينفذان خطتهما الماكرة بإحكام

- ساهر : اهلا بطورهوبار الجبار.. اللي طلع في الآخر أغبى من الحمار !!

يكشف " طورهوبار" أنيابه المُنزعجة إلا أنه يشعر بمكيدة تُضعف محاولاته

- طورهوبار : انت يا إنسي يا حقير تعمل كده في طورهوبار !!

يزيد ساهر من إرعابه واللعب بوتيرة أعصابه كأنه يعزف بكلمات ساخرة على آلة كمان

- ساهر : كان نفسي يكون سعيد بجسمه وعقله هو اللي قدامي كنت هعرف أفهمه إن خلاص هو انتهى.. لكن أنت جسم من غير عقل !!

يتنغم أيهم مع نفس الوتر الموسيقي بآلة الانتقام البارد

- أيهم : القوة.. قوة الجسد بتضعف قوة العقل.. وأنت افتكرت إن احنا هنستسلم لجسد مُتحلل وعقل تايهة جوا أدغال الظلام !!

يستشيط "طورهوبار" غضبًا فـ يحاول أن يُغضبهم مثلما يفعلان

- طورهوبار : بس أنتم ناسيين إن فيه أطفالي وأحفادي.. هيكملوا من بعدي ؟

على نفس النغمة البراقة بالآلة الهادئة التي تُشعل اليأس بكل آمال طورهوبار، نغمات ساهر و أيهم المُستخفة به تخمدها بإقتدار

- ساهر : لأ متقلقش احنا هجمنا على الهيبيز وقتلناهم كلهم وكمان أحفادك المسوخ المُلوثة.. و حرقناهم بالنار بتاعتك.. هى اسمها ايه بالحق ؟

يُجيبه أيهم بلكنة ساخرة

- أيهم : عروس الشمس !!

- ساهر : أهي عروس الشمس بتزغرط دلوقتي من الفرحة.. بس مُضطرين بقى إننا نطلقها ونرجعها لبيت أبوها.. هو مش أنت أبوها برضو ؟!!

يشعر " طورهوبار " بالقلق بينما يفتح أيهم القرآن ويبدأ بقراءة نفس الآيات القرآنية، التي حفرها ساهر على جدار الكهف لردع الشيطان بصوت عذب قوي، يُحدث له صدي بالمسامع الكونية والكهوف المجاورة

" أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين "

ويقرأ ايضاً لـ سورة فاطر

"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ"

وبينما مُستمر أيهم فى القراءة يصرخ " طورهوبار " ويتلوى والحروف المنقوشة بالجدار تلمع وتُنير عتمة قلبه وسواد عقله، وهو يتلوى بين جدرانها وصخورها يحاول أن يسد أذنية ويغلق عيناه ولكن دون جدوى، فالأمر أصعب بكثير من هيمنته المزعومة بالسحر الأسود، فكلمات الله تنقذ العاكف لعبادته وتقتل المُتكابرعن طاعته.

يُصيح "طورهوبار" صحوته الأخيرة التي تخرج من هذا الجسد الهامد ويخرج معها روحه السوداء مُتناثرة بين حصى الكهف لا منبت ولا ملاذ لها سوى الجحيم موعدها، فيركب ساهر سيارة ونش ضخمة ويقوم بحمل صخور قوية و وضعها كسد منيع أمام هذا الكهف الذي تحول لـ قبر موحش لروح الشيطان العاثرة وترك جسد سعيد المُتحلل يرحب بدود الأرض وحشراتها من جديد، فهل مات الشيطان وانتهى أمره أخيرًا؟ أم هناك ذيول لتلك اللعنات الوثنية؟؟

لنتوجه نحو "الأدغال السوداء" التي تكلم عنها أيهم، المكسوة بالزرع الشيطاني الخبيث ونقيع الغربان السوداء و ضباح الأفاعي السامة، التي تسير بينهم علياء الهاربة من الهيبيز، ومازلت تحمل هذا المسخ المُلوث بجوفها، فتركض من أهوال الدم والقتل الفوضوي، لتُخرج للعالم هولاً آخر يُصيح داخل جوفها مُعلنًا عن استعداده للخروج.

تخر قواها وتسقط أرضًا وعروقها سوداء، حولها إلتهاب جلدى مُحمر، إنها ساعتها تحين نحو حافة الموت، وساعة هذا المسخ تحين نحو الخروج للحياة، فتصرخ علياء صراخ خروجه من جوفها مصحوبًا بسكرات الموت التي تُنهى حياتها.

يبقى هذا الكائن المشوه يصيح ويصرخ بإستهلال مُخيف والحبل السري ما زال جامعًا بينه وبين جثمان أمه، فينقض نحوهم قطيع من الضباع تزمجر نحو الطفل كوجبة دسمة تشتهي براثنهم.

يقتربوا من إستهلال الطفل المشوه الذي يُفزعهم بمكنونه المُريب ونظراته المُشعة بالمسخ بين الإنس والجن، فيتركوه ويتجهون نحو جثمان علياء يلتهموا من لحمه ودمه ما يُرضي شعورهم بالجوع.

68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f6b49557a41756d5167476a4a37513d3d2d313439313134303438392e313830633165343133303432663.jpg

فهل هناك عودة لشر طورهوبار أم تنتهي القصة عند هذا القدر الدموي الذي لا نهاية له مهما قتل الأخيار من الأشرار !!؟؟؟