NOVELFLEX

الدخيلة.

في أرض الغرام · بقلم Sarah

ليس هناك ما هو أجمل من التنعم بالثراء، والعيش بالترف والرفاهية، والتلذذ بالأطباق الفاخرة، هذا ما قد دار بمخيلة كاساندرا بيريز لحظة وطأ قدميها أرض إسبانيا لأول مرة، فها قد وصلت لموطن عرابها المشهور بإشبيلية، سانتياغو فالفيردي.
بعد أن ابتعدت عن هذا الزحام المكتظ أمام بوابة الخروج، سمعت أحدًا يناديها بلقبها، وعلى إثره التفتت وأبصرت رجلًا ضخم البنية وحسن الملامح، كان ذا عينين سوداوين صغيرتين برّاقتين وشعر مقلم بعناية يماثلهما بالعتمة، كانت عظام وجنتيه بارزتين بشدّة على أديمه الحنطيّ، وابتسامته البهية محاطة بلحية خفيفة. أخفضت كاساندرا نظارتها الشمسية عن جسر أنفها حتى برز الزمرد في عينيها. تفرّست محيّا الرجل البشوش، ثم راح بصرها يتفحص ما يمكث بيده، وقد خمنت بأنها صورتها، ولكنها لم تطل التفكير وفك الأحجية، إذ سألته مباشرة بالإنجليزية: «هل أنت مبعوث من قبل الدون سانتياغو فالفيردي؟».
«إنني كذلك، يبدو لي إنك ذكية آنسة بيريز» أمسك بمقبض حقيبتها وأهال عليها بعض الإطراء المرفق بإجابته بذات اللغة. وجدته يمدحها بطرافة، إن أسلوبه لطيف بالتعامل. انتشلت نظارتها الشمسية من بين خصلات شعرها الحمراء، وتبعته إلى خارج مطار إشبيلية حتى بلغا سيارته المركونة في موقف السيارات. وبينما كان لورينزو يضع حقيبتها في صندوق سيارته ذات الطراز المعاصر للثمانينيات، استندت كاساندرا على هيكل السيارة وهي تمضغ علكتها بروية، وظلت تحدق بالمارة من المسافرين. كانت ترتدي بنطالًا من الجينز القصير، وقميصًا أبيض اللون وقصير الأكمام، فمسبقًا تم إخبارها بأن مناخ إسبانيا حار للغاية في شهر آب، وما خاب ذلك مطلقًا، فها هي الآن تختبر الحرارة والشمس الساطعة.
«لم تخبرني عن اسمك وعملك» نظرت له بعد أن أغلق باب الصندوق والتف حول السيارة كي يبلغ باب المقعد الخلفي.
«أنا محامي الدون فالفيردي وساعده الأيمن، أدعى لورينزو غونزاليس» ابتسم قائلًا ثم فتح لها باب المقاعد الخلفية للسيارة، فهزت رأسها بإيماءة خفيفة ثم اجتازته وفتحت باب المقعد الأمامي. ضحك لورينزو بخفة ثم أغلق الباب بهدوء بعد تخطيها له واختيارها المقعد المجاور له. ركب السيارة هو الآخر وشرع بالقيادة.
ركزت نظرها على المباني، والناس، والمركبات بأنواعها. تبادلا أطراف الحديث، فحدّثها لورينزو عن البلدة وطبيعتها الصخرية، وما أن ولجت السيارة مساحة الأراضي الخضراء ذات الطرق المتعرجة، عرفت ما يقصده تمامًا، إذ لاحظت سلسلة الهضاب التي بعضها قريب منهما وبعضها الآخر نائي عنهما، هذه المنطقة كانت ذات طبيعة صخرية وغطاء نباتي فقير بعض الشيء. قطبت كاساندرا حاجبيها وهي تتهجأ اسم المدينة على اللافتة القادمة: مورون ديلا فرونتيرا.
»إنها بلدة جميلة للغاية، ستسرين بالإقامة فيها. كما وأن الدون فالفيردي سيسعد بلقائك كثيرًا، حتى أنه لم يتذمر هذا الصباح من تناول دواءه مطلقًا، كل هذا فقط لأنك قادمة» تحدث وهو يضحك، فشاطرته كاساندرا الضحكة الخفيفة وهي ما تزال تراقب هذا الجمال الطبيعي الموجود في الخارج. مرت نصف ساعة منذ انطلاق السيارة، بدا لورينزو اختار الطريق الترابي ليوصلهما للريف بدلًا من المرور بالبلدة. لاحظت كاساندرا أسوارًا متوسطة الطول تحيط تلك الأرض الواسعة، والتي كانت زاخرة بمحاصيل العنب القاني الوافرة، فبعد ذلك تمعنت المنزل العتيق عن بعد، والذي يتأرض الجهة الشرقية النائية عن موقع الزراعة
شيئًا فشيئًا، اقتربت السيارة من المزرعة وولجت بوابتها، كانت كاساندرا تحدق في أرجاء المزرعة من خلف زجاج النافذة لشدة انذهالها. توقفت السيارة، عندئذٍ ترجلت منها بسرعة وهي تحدق بدهشة وفمها غدا فاغرًا، ولدرجة دهشتها لم تع ابتلاعها العلكة.
«إنه بانتظارك» تحدث بالإنجليزية وهو يدعوها للسير أمامه حينما أشار لها بذراعه.
ارتفع شدقها الأيمن إثر ابتسامة جانبية، وتخطته ثم التفتت له وأجهرت بلغة إسبانية ركيكة: «إنني أستطيع تحدث الإسبانية يا سيد غونزاليس».
برزت خطوط جبين لورينزو كتجسيد لاستغرابه الذي بان لكذبها عليه بتحدث الإنجليزية فحسب، ولكنه سرعان ما هز رأسه بقلة حيلة وهو يقهقه؛ فهو يراها تتصرف بصبيانية نوعًا ما. كان الدون فالفيردي جالسًا على كرسيه في غرفة المعيشة وهو يرتدي نظارته الطبية، بانسجام كان يتصفح الجريدة ويعاين أخبار الثالث من شهر آب للعام الحالي ۱۹۸۸، ولكنه أحس بشخص غريب يقف مقابله من بعيد، فأخفض الجريدة وأبصر صبية التاسعة عشرة واقفة عند الباب.
«كاساندرا؟» تمتم وهو يخلع نظارته ووضعها على الطاولة المستديرة أمامه، فابتسم واستقام بهدوء، كيلا يتأذى عموده الفقري وبالتالي يتفرقع. كانت مترددة للغاية فهذه هي المرة الأولى التي تلتقي فيها صديق والدها سانتياغو فالفيردي، هي لم تره من قبل ولم تتحدث معه إلا أنها كانت تسمع عنه دومًا، فالدون فالفيردي دومًا ما يرسل إليها المال ويهتم برعايتها الصحية؛ وهذا لكونه عرّابها وكل ما يخصها من واجبه.
تقدمت نحوه وهي متوترة ومن ثم ابتسمت بخفة، ورفعت يدها ولوحت له بوتيرة بطيئة: «مرحبًا».
«لا بد أنك تعرفينني، إنني صديق والدك سانتياغو فالفيردي» قال ذلك وهو يبتسم برحابة ثم دعاها للجلوس. أخذ صوته الجهور ينادي باسم فالنتينا، وبعد لحظات ظهرت شابّة شقراء ترتدي زي الخدم وقد كانت خفيفة الخطوات، بلغت الرجل الأشيب وأذعنت إليه.
«أكرمي صغيرتنا كاساندرا» تحدث بعد أن جلس، فأومأت الخادمة فالنتينا وعادت تركض بسرعة من جديد.
«إذًا كيف حالكِ وكيف دراستك؟» فركت يديها ببعضهما وأجابت بعد أن تنهدت وهي تبتسم بتكلف: «إنني بخير، لقد أنهيت الثانوية وسأقدم على إحدى الجامعات في تشرين الأول».
جاءت فالنتينا وهي تحمل صينية تتضمن كأس عصير وبعض قطع من الكعك، وضعت الكاس والصحن على الطاولة أمام كاساندرا بينما الدون فالفيردي قال بطرافة بالغة: «لا تقلقي يا كاساندرا، إن جنيّكِ السحري سيتكفل بشؤون جامعتك».
كانت قهقهته صاخبة فضحكت على طريقة ضحكه لا غير، بدت روحه وكأنها تعج بالحياة وهذا ما جعل كاساندرا تشعر بالراحة والألفة ضمن نطاقه.
»كان والدك من أعز أصدقائي، أتذكر كيف أنه مد لي يد العون في تكساس، وقتئذِ عرضت عليه أن يطلب أي شيء يريده وسأحققه له، فكانت لحظة تعميدك أجمل شيء طلب مني» ابتسم سانتياغو وهو يتذكر تلك الأيام الجميلة برفقة والدها.
نظرًا لهدوء كاساندرا وخجلها من عرابها، أراد جعلها تشعر بالراحة: «هل أنتِ متعبة بسبب السفر؟».
«قليلًا، أود أن أنال غفوة...» لم تكد أن تكمل كلامها وإذ به ينادي فالنتينا من جديد. فقدمت فالنتينا بسرعة وأذعنت له فور أن أخبرها بأن تصطحب كاساندرا إلى غرفتها وتوفير كل ما تحتاجه. أومأت وطلبت من كاساندرا اتباعها، فوجدت الأخيرة نفسها تتمعن ممرات وأركان المنزل بكل خطة تخطوها، فعلى الرغم من قدمه إلا أنه ما زال محافظًا على عظمة بنيانه. كانت غرفتها متوسطة الحجم وذات أثاث بسيط، ولكنها مُرّتبة ومُعطّرة فرائحة الزهور تفوح منها وهذا ما أسعدها، وكذلك السرير كان طريًا ومغريًا لشخص مرهق مثلها، فاستسلمت حينما ارتمت عليه وثقلت أجفانها.
استيقظت من غفوتها فحدقت بالساعة الجدارية وقطبت حاجبيها، أدركت أنها نامت لمدة سبع ساعات متواصلة في وضح النهار، لربما بسبب تعب السفر، ولكن الشمس توشك على الغروب وهي أمضت يومها الاول في المزرعة نائمة. كأي شخص استيقظ للتو نهضت ومددت عضلاتها، لسوء الحظ هي لم تنم بشكل جيد لأن هذا المكان غير معتاد بالنسبة إليها. بعد نيل حمام منعش ارتدت ثيابًا جديدة وقد كانت عبارة عن قميص طويل الأكمام، وبنطلون فضفاض يواكب موضة هذه الأيام، بينما شعرها النحاسي فقد لملمته كذيل حصان. عند خروجها أدركتْ أن الشمس تغيب، ولكنها حتمت على نفسها ألا تعود للمنزل إلا إذا أرضت نفسها بالتسكع حول المزرعة. تطفلت الصهباء على بعض العمال وشاركتهم أحاديثهم، فقط من أجل ملاعبة الحصان. تركها العمال مع الحصان نتيجة انشغالهم بالعمل، فظلت تمسح على شعره البُني. لقد علمها والدها ركوب الخيل في هيوستن قبل أن تعود إلى مسقط رأسها في بوسطن بعد وفاته.
كاساندرا بيريز تتصف بصفة سيئة حاول جميع من هم حولها أن يجعلوها تتوب عنها، إلا أن ذلك لم ينفع، فكانت تلك الصفة هي التطفل وحشر الأنف بكل صادرة وواردة. تأهبت ووضعت قدمها على الرّكاب وصعدت بلا أي مساعدة، كان تعرف القليل ولكنها تجهل الكثير، فالحصان لم يتقبلها قط، هو حتى ليس حصانًا مخصصًا للقيادة ولن يتقبل أحدًا يركبه ما عدا صاحبه، فرفع قدميه وحاول الإطاحة بها إلا أنها كانت أكثر التصاقًا بعنقه إذ حاوطته بعناق محكم، ولكنها أثارت رعبته بصراخها، وما زاد الطين بلة هو تجمع العمال حولهما، فما كانت ردة فعل الحصان سوى الركض بالأفق الفسيح حتى قفز من سور المزرعة مصطحبًا على ظهره هذه المفزوعة. وتحت ضوء صراخها وصلواتها المتواصلة، قفز الحصان إلى سياج جديد، حيث أخذت أصوات صهيل الخيول ترتفع شيئًا فشيئًا.
༅═══════ ༺☙♜❧༻ ═══════༅
كان يقود تلاميذه وهو على ظهر جواده الأدهم ويلقي عدة نصائح بشأن السيطرة على الحصان إذا بلغ تمرده الحد الأقصى، وتزامنًا مع محاضرته سمع صوت جلبة عارمة، فإذا بعامله يسرع إليه ركضًا على الأقدام حتى توقف وهو يلهث متهدجًا: «سيدي! إن هنالك حصان لا نستطيع السيطرة عليه وأظنه ليس من مزرعتنا!».
ركز مع الجلبة أكثر فتبين له صوت امرأة مختلط مع صهيل الحصان وزمجرة الرجال، فقبض على السوط المطوي في يده وألقى بنظرة آمرة على تلاميذه. ثم زمجر بصوت جهور فحُثّ جواده على مسابقة الشمس في غروبها، كان ظلًا يأكل الأرض بحوافره، أمّا خيّاله فكان حنطي البشرة، وشعره ذو عتمة مثل عينيه وجواده الأدهم، في حين أن ملامحه القاسية كانت تتميز بحدتها، ولا يُخفى عرض صدره وقوة ساعديه وصلابة بنيته عن أنظار الجميع، فالمالك ألونسو آرانجو يتميز بامتلاكه أقوى بنية جسدية هنا في مزرعته. بلغ بقعة الجلبة فشاهد الحصان ينتفض في مكانه وهو يحاول التخلص من الفتاة التي تمتطيه قسرًا، كما وأن رجال المزرعة يحاوطونه من كل الجهات لئلا ينفذ منهم، فتقدم مالك المزرعة ثم ترجل من صهوة جواده، نظر لتلاميذه الذين يمتطون جيادهم، فقال بهدوء أثناء ما كان الحصان ينتفض أمامه: «إذا زاد تمرد الحصان عن حده...».
التفت مجددًا وسرعان ما بسط لسان السوط الذي كان منطويًا بقبضته، فساط سيقان الحصان به، رفع الحصان ساقيه وصهل بقوة، وقد اقترب سيّد المزرعة بسرعة وأمسك اللجام حتى سيطر عليه، بينما ذات القلب المرتجف فقد خُطفت بسرعة من ظهر الحصان من قبل أحد الرجال.
«لا بد أن يؤدب» هسهس وهو يجر لجامه، ثم سلّمه لأحد عماله لكي يحتجزه بالإسطبل حتى يعرف ماذا سيفعل بشأنه فيما بعد؛ فهو لا ينتمي إلى مزرعته من الأساس.
«من الدخيلة؟» اقترب من أحد رجاله الواقفين بجانبها وسأله بصوت جهور، فكان يطوي السوط في يده وهو يراقبها ترتشف من كأس الماء ويديها ترتجفان.
«لا أعرف، تبدو أجنبية فهي لم تكن تتحدث الإسبانية عند طلبها النجدة» أفصح أحد الرجال.
هز ألونسو رأسه وهمهم، ثم دنا من الجالسة على الكرسي وهمس بلكنته الإسبانية الأندلسية: «لستِ أهلًا لركوب الخيل، فلا تتطفلي».
«أخرجوها من أرضي» أجهر وهو ما انفك يرشقها بنظرات تستحقر قدرها. ثم اتجه ثم نحو جواده وأمسك اللجام، ولكن صوت أنثى ناطق بالإسبانية استوقفه ونعته بالعجرفة.
«أنت! لا تعتقدنّ إنني لا أفهمك أيها المتعجرف!».
التفتت يعاينها وهي تتواقح معه بجسارة، فقطب حاجبيه واستهجن: «متعجرف؟ أولا أستحق الثناء لإنقاذي إياكِ من خطر الإطاحة فالدهس تحت حوافر ذلك الحصان؟».
«كنتُ سأفعل ولكني لستُ مضطرة بعد الآن، فأنت قد استحقرتني بكلامك ظنًا منك إنني لا أفهم لغتك» تكتفت وهي تسترسل بمجادلته.
«لكنتكِ ركيكة، يبدو أنكِ أجنبية فعلًا».
«إنني أمريكية» تقدمت صوبه وهي ترمقه بنظرات اعتبرها بقمة الوقاحة، حتى أمست بقربه بكل جرأة ونافسته على الهواء المُستنشق.
ارتفع طرف شفته بسخرية وقال: «لا عجب من جرأة النساء الأمريكيات».
«لا تضيّع بؤرة الحديث، أنت تدين لي باعتذار» كاساندرا مُصرة للغاية ولن تقبل أن تهان، كذلك العناد يتراقص بعينيها الخضراوين الحانقتين، فكانت كالفرس العنيد في عيني الخيّال الأندلسي.
وعلى إثر ما أفصحت به قطب حاجبيه ثم باح مستفسرًا: «لا بد أنك قد نسيتِ أمر تجاوزكِ على مزرعتي، وإحداث الجلبة فيها إضافة إلى إفساد درسي، أنتِ من يدين لي بالاعتذار».
«درس؟ أنا لا أراك سوى شخص يستقوي على الحيوانات بهذا السوط الجائر» رمقته باستحقار ثم استدارت وبرحت بقعتها، ولكنها توقفت في مكانها فور سماعها ارتطام السوط الناتج عن لطمه بالأرض، فأُسفرت سحابة من الأتربة بين قدميها.
«إياكِ وإهانة طرقي بالتلمذة، لذا من الأفضل أن تغادري أرضي وأنتِ سليمة» أجهر محذرًا، فتهكمت إثر هذا التهديد الصريح، ثم غادرت وهي تشتمه بلغتها الأم. لن تنكر أن تهديده الأخير دعاها إلى الانسحاب فهي رأت أن بقاؤها واستفزازها له سيصيّرها مثل ذلك الحصان العنيد. أيقنت كاساندرا أن ألونسو آرانجو شخصٌ متغطرس ومتكبر، وتمنّت ألا تقابله مجددًا.