انطلق تاتارى ورين معًا للبحث عن الفتى، وسط الثلوج الممتدة والرياح الباردة التي كانت تعصف بالمكان.
كانت رين تسير بجانبه، وقد شغل تفكيرها الكثير من الأسئلة منذ سمعت حديثه عن شقيقه. وبعد لحظات من الصمت، التفتت إليه قائلة:
— أريدك أن تخبرني بكل شيء يا تاتارى... لا تخفِ عني شيئًا.
أجابها بهدوء:
— حسنًا، سأخبرك بكل شيء.
ترددت رين قليلًا، ثم سألته:
— أخبرني، كم مضى من الوقت منذ أن تجمّد شقيقك تحت الثلج في ذلك الكهف؟
أجاب تاتارى وهو يواصل السير:
— مضى أكثر من عشر سنوات.
اتسعت عينا رين بدهشة، وقالت:
— عشر سنوات؟! إنها مدة طويلة جدًا... كيف تحمّل كل ذلك الوقت؟ حسنًا، أخبرني، لماذا جمّدته؟ ولماذا قيّدته تحت الجليد؟ لماذا فعلت به ذلك؟
تنهد تاتارى، ثم نظر إليها قائلًا:
— لا تظني أنني رجل سيئ يا رين... فأنا أحب أخي الصغير، ولم أرغب يومًا في إيذائه. لكنني كنت مجبرًا على فعل ذلك، فلم يكن أمامي خيار آخر.
صمت قليلًا، وكأنه يستعيد ذكريات لم يكن يرغب في تذكرها، ثم تابع:
— في ذلك الوقت، وبعد وفاة أمي وظهور ذلك الرجل الشرير... تاماهوم، هربت مع أخي بحثًا عن أبي. قضيت يومين كاملين وأنا أبحث عنه، بينما كان أخي فاقدًا للوعي. كنت أسير وأنا أحمله على ظهري، دون أن أدرك إلى أين تقودني خطواتي.
خفض تاتارى رأسه قليلًا وأكمل:
— لكن قدمي انزلقت فجأة، فسقطت مع أخي من أعلى أحد المنحدرات. ارتطمنا بالأرض، وفقدت الوعي، ولم أعد أشعر بشيء.
توقف للحظة، ثم قال:
— عندما فتحت عيني، كنت أشعر بألم شديد في جسدي، لكن أكثر ما لفت انتباهي كان رائحة السمك المشوي بالقرب مني. كان النهار قد أظلم، ونظرت إلى جانبي لأجد أخي مستلقيًا هناك، لا يزال فاقدًا للوعي.
ثم أضاف:
— سمعت صوتًا يأتي من خلفي يقول: «بُني، استيقظت أخيرًا».
التفتُّ بسرعة، وإذا به أبي!
لم أصدق عينيّ. نهضت مسرعًا واتجهت نحوه، ثم احتضنته بقوة. بادلني أبي العناق، وكانت يداه ترتجفان وهو يسألني بقلق:
— أين أمكما؟
ساد الصمت للحظات. لم أستطع الإجابة مباشرة، فأخفضت نظري وأخبرته بكل ما حدث... عن موت أمي، وعن ذلك الرجل، وعن هروبنا.
تقبل أبي ما حدث بصمت وحزن، لكنه لم يتركنا. بقينا عدة أيام في ذلك المكان، وكان يعتني بجروحنا، وبالأخص أخي الصغير، فقد ظل يهتم به طويلًا حتى استعاد وعيه.
لكن أخي لم يكن كما كان من قبل... لم يستطع الكلام بسبب الصدمة التي تعرض لها.
---
في إحدى الليالي، وبينما كنا نستعد للرحيل إلى مكان آخر، عثر تاماهوم علينا.
حاول أبي بكل ما يملك من قوة أن يحمينا، لكنه لم يستطع التغلب عليه.
كانت انا و أخي الصغير مختبئًا بالقرب من إحدى الأشجار، احتضنه من الخلف ويراقب اخي الصغير ما يحدث بصمت. لم يكن قادرًا على فعل شيء، حتى رأى أبي ينزف الدم من فمه بسبب ضربات تاماهوم.
عندها صرخ أخي فجأة:
— ابتعد عن أمي! ابتعد عن أبي! لا تؤذيهما!
لكن عينيه... لم تكونا طبيعيتين.
فجأة، اندلعت منهما ألسنة من النار، وانطلقت بقوة هائلة نحو أبي وتاماهوم.
أصابت النار أبي، الذي كان مصابًا بالفعل، بينما تمكن تاماهوم من تفاديها، إلا أن يده اليمنى احترقت. لكنه سرعان ما أطفأ النار باستخدام ردائه.
توقف تاتارى عن الحديث للحظة، ثم قبض يده بقوة، وكأن المشهد لا يزال حاضرًا أمام عينيه.
— لقد صُدمت عندما رأيت ذلك... لم أكن أفهم ما يحدث.
ثم تابع بصوت أكثر انخفاضًا:
— بقي أبي ينظر إليّ من وسط النيران، وكان في عينيه شيء لم أنسه حتى الآن... كأنه كان يوصيني بشيء أخير.. وهو انتبه لشقيقك الصغير
صمت قليلًا، ثم قال:
— كانت تلك لحظاته الأخيرة.
---
أكمل تاتارى طريقه، بينما ظلت رين تستمع إليه باهتمام.
— أخذت أخي وهربت بعيدًا عن ذلك المكان. وبعد مدة طويلة، عثرت على منزل قديم مهجور بعيدًا عن إحدى القرى، فاختبأت فيه معه.
تنهد تاتارى وأكمل:
— كنت ألوم أخي كثيرًا على ما حدث، ولم أعد أتحدث إليه إلا قليلًا. كان يجلس حزينًا معظم الوقت، وأحيانًا يحاول الهروب من حزنه بقراءة الكتب المدرسية التي وجدناها في المنزل.
ابتسم تاتارى ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت.
— ربما كانت تلك الكتب تذكره بأمي... فقد كانت تعلّمه القراءة والكتابة في المنزل، وكانت توصي دائمًا بألا يترك دراسته مهما حدث.
ثم أضاف بحزن:
— أعلم أنني كنت قاسيًا معه، لكنني لم أكن أملك خيارًا آخر.
نظرت رين إليه، ثم سألته بهدوء:
— هل كان شقيقك يعلم أنه تسبب في موت والدكما؟
أجاب تاتارى بعد لحظة صمت:
— نعم... لقد رأى كل شيء بعينيه. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ينظر إلى نفسه بالطريقة نفسها. كان يعتقد أنه السبب في كل ما حدث لعائلتنا.
شعرت رين بالحزن، لكنها لم تقاطعه، فتابع تاتارى:
— مضت سنتان على وفاة والدينا، حتى عثر علينا ذلك الشرير مجددًا. كان يريد الحصول على قوة أخي بأي وسيلة.
توقف قليلًا، ثم قال:
— قاومته بكل قوتي، لكنني أُصبت في ذراعي إصابة خطيرة. وعندما سنحت لي الفرصة، غافلته وأخذت أخي وهربت بعيدًا.
---
— وعندما وصلت به إلى ذلك الكهف الذي عثرت عليه، أدركت أنني لم أعد أملك مكانًا آخر أختبئ فيه.
نظر تاتارى إلى الطريق أمامه، ثم أكمل:
— التفتُّ إلى أخي وقلت له: «يجب أن تصبح جزءًا من هذا المكان».
صمت قليلًا، ثم تابع:
— فهم أخي ما كنت أقصده. لم يرفض طلبي، رغم كل ما فعلته به، ورغم قسوتي عليه طوال تلك السنوات.
ابتلع تاتارى ريقه بصعوبة، ثم قال:
— جلس على ذلك العرش الجليدي، ونظر إليّ بهدوء وقال: «أنت محق يا أخي... كل ما حدث كان بسببي».
خفض تاتارى رأسه، وتابع بصوت حزين:
— لم أعرف ماذا أجيبه... لم أستطع حتى النظر في عينيه.
— وبعدها بدأ يخفض طاقته شيئًا فشيئًا، حتى أخذ الجليد يغطي جسده بالكامل.
صمت تاتارى للحظات، ثم قال:
— كنت أعلم أنه سيبقى على قيد الحياة، وأنه لن يموت داخل الجليد. كنت أعلم أن هذه الطريقة ستخفي قوته عن تاماهوم، ولن يستطيع استشعارها مهما بحث عنه.
شدّ قبضته وأضاف:
— لكنني كنت أشعر بالذنب... فقد كنت أعلم أنني أحكم على أخي بالبقاء متجمدًا تحت الجليد، محرومًا من حياته وحريته. لقد كان ذلك ظلمًا كبيرًا له، حتى وإن كان السبيل الوحيد لحمايته.
---
ظلت رين صامتة، وقد بدت عليها علامات التأثر.
وبعد لحظات، التفتت إلى تاتارى وسألته بصوت منخفض:
— وهل كان يعلم أنه سيبقى هناك كل هذه السنوات؟
أجابها:
— لم أكن أعرف كم سيستمر ذلك، لكنه كان يعلم أنني أفعل ذلك لحمايته... ومع ذلك، لم يعترض.
أخفض تاتارى رأسه، ثم أضاف:
— لم أستطع مسامحة نفسي على ما فعلته به يا رين. لقد تركته وحيدًا في ذلك المكان، بينما واصلت حياتي بعيدًا عنه.
لم تجبه رين، فقد شعرت أن وراء كلماته ألمًا أكبر مما يستطيع التعبير عنه.
واصل الاثنان السير وسط الثلوج، حتى توقفت رين فجأة.
— تاتارى... انتظر!
التفت إليها مستغربًا:
— ماذا هناك؟
انحنت رين قليلًا ونظرت إلى الأرض، ثم أشارت بيدها نحو الثلج.
— انظر... هناك آثار أقدام!
اقترب تاتارى منها، وانحنى ليتفحص الآثار بعناية.
قال بعد لحظات:
— إنها حديثة... يبدو أن أحدهم مرّ من هنا منذ وقت قريب.
رفعت رين رأسها ونظرت إلى الاتجاه الذي تقود إليه الآثار، ثم قالت بقلق:
— هل تظن أنها آثار شقيقك؟
وقف تاتارى وأجابها:
— لا أعلم... لكن علينا أن نتبعها.
نظرت رين إلى الآثار مرة أخرى، ثم بدأت بالسير خلفها، وتاتارى إلى جانبها.
كان الأمل يزداد في داخلهما مع كل خطوة...
فقد يكونان أخيرًا على وشك العثور عليه.