NOVELFLEX

العينين الخضراوتين

حين استيقظ الجليد · بقلم kamilahmad66

كانت رين جاثية أمام العرش الجليدي، وقد غطّت الدموع وجهها. ظلت تحدّق في المكان الذي كان يجلس فيه الفتى ، وكأنها تنتظر عودته في أي لحظة.

وفجأة، سمعت صوتًا من خلفها يقول:

— من أنتِ؟

التفتت رين بسرعة، ونظرت إلى صاحب الصوت بدهشة. كان شابًا يقف بالقرب منها، لكن ما أثار استغرابها لم يكن ظهوره المفاجئ، بل ملامحه التي بدت مألوفة للغاية.

نهضت ببطء، ثم قالت:

— من أنت؟

أجابها الشاب بنبرة هادئة:

— لا تجيبي عن سؤالي بسؤال آخر.

تأملت رين وجهه جيدًا، وشعرت بشيء غريب. حتى طريقته في الكلام بدت مشابهة لذلك الفتى.

يا إلهي... إنه يشبهه كثيرًا.

قالت رين:

— كان هناك فتى متجمّد في هذا الكهف... لقد وجدته هنا، ثم حدثت أمور كثيرة. استيقظ بسببي، وبعدها...

أخبرته بما حدث معها منذ لحظة لقائها بكايل، وكيف دخل الرجال إلى الكهف، ثم كيف اقتادوه معهم.

ظل الشاب يستمع إليها بصمت، حتى سألها:

— ومن فعل به هذا؟

أجابت رين:

— لا أعرف... لكنني أريد أن أعرف من فعل هذا به من قيده وجمده في هذا المكان .

نظر إليها الشاب باستغراب، ثم قال:

— أتشفقين عليه؟

أجابته رين دون تردد:

— ولما لا؟ أليس إنسانًا؟

قال الشاب:

— ألم يعاملك بسوء؟

— ربما... لكنه لطيف من الداخل. لقد أنقذ حياتي مرات عديدة.

نظر إليها الشاب قليلًا، ثم قال:

— أنتِ حمقاء.

اتسعت عينا رين، وقالت بانزعاج:

— ماذا؟ حتى أنت! أنا لست حمقاء... أخبرني، من أنت؟

صمت الشاب للحظة، ثم أجاب:

— أنا... أنا تاتارى. هذا اسمي، وأنا أيضًا من فعلت به ذلك.

تجمدت رين في مكانها.

— ماذا؟!

أكمل الشاب:

— أنا شقيقه الأكبر.

نظرت إليه رين بعدم تصديق، ثم قالت:

— لكن لماذا فعلت به ذلك إذن؟ ألست أنت عائلته؟

أجاب تاتارى:

— أجل، لم يكن لدي خيار آخر.

ثم نظر إليها قليلًا، وأضاف:

— لا أصدق أنه أنقذ حياتك. ربما علّمته أنتِ شيئًا لم أستطع أنا تعليمه إياه.

نظرت رين إليه بصمت، وقد ارتسم الحزن على وجهها، ثم قالت:

— أنا آسفة... يبدو أنكما مررتما بالكثير.

أشاح تاتارى بنظره قليلًا، ثم قال:

— أعتقد أن لقاءكما لم يكن صدفة. أنتِ من كنا نبحث عنها منذ مدة طويلة جدًا.

تذكرت رين كلمات الفتى ، عندما قال لها: «ليتكِ ظهرتِ قبل الآن»، وتذكرت أيضًا قوله إن دماءها وحدها تستطيع إيقاف قوته.

رفعت رأسها نحو تاتارى وقالت:

— أتعرِف شيئًا؟ أخبرني أرجوك... وأخبرني عنه أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، أخبرني عن...

توقفت فجأة.

فقد أدركت أنها لا تزال لا تعرف حتى اسم ذلك الفتى.

ابتسم تاتارى ابتسامة خفيفة وقال:

— أنتِ لا تزالين لا تعرفين اسمه حتى الآن؟ حسنًا، إنه يُدعى...

قاطعته رين بسرعة:

— لا تخبرني! أريد أن أسمعه منه هو، أرجوك.

صمت تاتارى ونظر إليها للحظات، ثم قال:

— حسنًا.

وبعد لحظة سألها:

— وما اسمكِ أنتِ؟

أجابته:

— رين... اسمي رين.

كرر تاتارى اسمها وكأنه يتأكد من شيء:

— رين... أفهم من كلامك أن دمك يشفي الجروح والأمراض، أي إنه يشبه الدواء؟

نظرت رين إلى الأرض، وتمتمت بحزن:

— إنه الوحيد الذي لم أشفِ له أي جرح من جروحه...

لاحظ تاتارى حزنها، لكنه لم يعلّق، بل بدأ يتحدث:

— كان أخي طفلًا صغيرًا وُلد بهذه القوة الغريبة. كنت حريصًا على ألا يكتشف أحد أمره، وخصوصًا الأشرار.

رفعت رين رأسها باستغراب:

— الأشرار؟

أجابها:

— أجل. كان أبي يبحث عن أي شيء يمكنه إيقاف قوة أخي. لم يكن قادرًا على ممارسة حياته بصورة طبيعية؛ فقد حُبس داخل المنزل، وحُرم من الذهاب إلى المدرسة.

توقف قليلًا، ثم تابع:

— ورغم كل ذلك، كان أخي يرسم ابتسامته من أجل أمي، التي كانت تحاول جاهدة أن تجعله سعيدًا وتضحكه.

أخذ تاتارى نفسًا عميقًا، ثم أكمل:

— وعندما سمع أبي بقوتك، انطلق يبحث عنك. كان أخي سعيدًا عندما علم أن لقوته الغريبة حدًّا يمكن إيقافه، فقد كان لدينا أمل بأن دمك يستطيع شفاءه أو إيقاف قوته.

خفض تاتارى عينيه قليلًا، ثم قال:

— لكن كان هناك رجل يسعى وراء قوة أخي، وكان يُدعى تاماهوم.

نظرت رين إليه بترقب.

— استغل تاماهوم الفرصة، ودخل منزل أبي. لم يكن في المنزل سوى أمي وأخي. احتضنت أمي أخي ورفضت تسليمه إليه، لكن تاماهوم سحب سيفه محاولًا قتلها.

توقف تاتارى عن الكلام للحظة.

انخفض صوته، وأصبحت عيناه تلمعان بالدموع.

— ذُعر أخي مما رآه... فصرخ، وخرجت تلك النار الخضراء من عينيه دون أن يدرك ما يفعله. حاول قتل تاماهوم، لكن ذلك الرجل تفاداها بطريقة ما.

شدّ تاتارى قبضته، ثم تابع بصوت متقطع:

— لم يستطع أخي إيقاف عينيه... فاحترقت أمي التي كانت تعانقه وتحتضنه.

سكت قليلًا، وكأنه يحاول استجماع شجاعته لإكمال الحديث.

ثم قال:

— عدت من المدرسة في ذلك اليوم، فوجدت منزلنا يحترق، وذلك الشرير يقف مبتسمًا. أما أخي، فقد غاب عن الوعي بعد أن انطفأت النار في عينيه من تلقاء نفسها.

ارتجفت شفتا تاتارى، ومسح دمعة تسللت على خده.

— كانت أمي لا تزال على قيد الحياة... همست في أذني قبل لحظات من موتها قائلة: اعتنِ بأخيك الصغير.

أغمض تاتارى عينيه للحظة، ثم أضاف بصوت خافت:

— وبعدها فارقت الحياة...

ساد الصمت بينهما.

لم تستطع رين قول أي شيء. كانت تنظر إلى تاتارى بحزن، بينما كان يحاول إخفاء تأثره.

ثم تابع:

— حملت أخي على ظهري وهربت، والدموع تملأ عيني. لم يكن هناك وقت لأبقى بجانب أمي... فقد كنت مضطرًا لإنقاذ أخي والبحث عن أبي.

قالت رين بصوت حزين:

— لا أصدق ما مررتم به...

أجاب تاتارى:

— لقد حبست أخي في هذا المكان لكي لا يعثر عليه تاماهوم. هل فهمتِ الآن؟

نظرت إليه رين وقالت:

— لكن... رغم ذلك، كان ما فعلته به قاسيًا.

لم يجبها تاتارى مباشرة، بل نظر نحو العرش الجليدي، ثم قال:

— على أي حال، يجب أن أنقذ أخي من قبضة الأشرار.

رفعت رين رأسها وقالت دون تردد:

— وأنا سأأتي معك.

التفت تاتارى إليها باستغراب:

— ماذا؟ لن تأتي.

قالت رين بإصرار:

— بل سأأتي. فأنت لم تخبرني بالقصة كاملة، وأريد أن أعرف كل شيء عن شقيقك.

نظر إليها تاتارى للحظات، ثم تنهد وقال:

— افعلي ما يحلو لكِ.

بعد ذلك، بدأت رين تتحرك نحو مخرج الكهف، لكنها توقفت فجأة والتفتت إلى العرش الجليدي خلفها.

ظلت تنظر إليه بصمت، ثم همست:

— انتظرني....

وبعدها مسحت دموعها، واستدارت لتلحق بتاتارى.