الفصل الثالث : الكوخ
تركني هناك وحدي.
بدأ الظلام يزداد، وبعد دقائق، بدأت أسمع عواء الذئاب من بعيد.
ازداد خوفي، وبقيت أبكي وأنا أضم سترته إلى جسدي، محاوِلةً تدفئة نفسي في ذلك البرد القارس.
وفجأة...
سمعت صوته.
— انهضي معي. لا تكوني عنيدة.
رفعت رأسي بسرعة.
كان قد عاد!
نظرت إلى يده الممدودة نحوي، وترددت للحظات.
هل أثق بشخص غريب... أم أبقى هنا حتى أموت بين الذئاب؟
لم يكن لديّ خيار آخر.
مددت يدي إليه، فساعدني على النهوض، بينما اتكأت على الشجرة بسبب الألم الذي كنت أشعر به في ساقي.
ثم توجهنا معًا نحو الكوخ.
دخل فيكتور أولًا، ثم التفت إليّ وأشار بيده إلى الداخل.
دخلت وأنا أتكئ على ساقي المصابة، فقد كان الجرح يؤلمني بشدة.
خلع سترته الثقيلة، ثم اقترب مني وقال:
— دعيني أفحص جرحك.
أجبته بسرعة:
— لا، لا داعي لذلك. سأعتني به بنفسي.
نظر إليّ للحظات، لكنه لم يجادلني.
استدار، وأحضر علبة الإسعافات الأولية، ثم وضعها أمامي دون أن يقول شيئًا.
أخذتها وبدأت بتعقيم جرحي بنفسي.
وبعد أن انتهيت، قلت بهدوء:
— شكرًا لك.
نظر إليّ، لكنه لم يجب.
كان منشغلًا بإعداد شيء ما في المطبخ.
وبدأت رائحة الطعام تنتشر في أرجاء الكوخ، رائحة بدت مألوفة لي بشكل غريب.
وفجأة، أعادتني تلك الرائحة إلى مشهد من الماضي...
قبل أربع سنوات، عندما اصطحبنا أبي في رحلة إلى سويسرا.
كنت برفقة أمي وأختي الصغيرة، التي كانت حينها رضيعة.
أتذكر كيف أشعل أبي النار، وأعدّ لنا حساءً ساخنًا وأرنبًا مشويًا.
كانت عائلتي سعيدة يومها...
ابتسمت بحزن، قبل أن تنزل دمعة ساخنة على خدي.
مسحتها بسرعة، قبل أن يلاحظها فيكتور.
لم أكن أريد أن يعرف هذا الغريب كم كنت أتألم في داخلي.
بعد دقائق، جلس فيكتور على الأريكة، ووضع أمامي طبقًا من الطعام إلى جانب وعاء من الحساء.
نظرت إلى ما قدمه لي باستغراب، ثم سألته:
— ما هذا؟
أجاب ببرود:
— أرنب مشوي.
تأملت الطبق للحظات، ثم قلت:
— أنا لا آكل هذا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، قبل أن يقول:
— هذا ليس فندقًا. إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة، فعليكِ أن تأكلي أي شيء.
نظرت إليه بغضب، لكنني التزمت الصمت.
لم أكن في مزاج يسمح لي بالدخول في جدال معه، خصوصًا أنني كنت متعبة وجائعة، ولا أملك أي مكان آخر أذهب إليه.
قطع صمته فجأة، وسألني:
— ماذا تفعلين هنا؟
رفعت عيني إليه.
وللمرة الأولى، بدأت أتأمل ملامحه جيدًا.
كان يبدو رجلًا في الثلاثينات من عمره، بعينين عسليتين ورموش طويلة وملامح حادة. كان جسده قويًا، وعضلاته واضحة، حتى إن مظهره كان يوحي بأنه رجل يعيش حياة مستقرة وسعيدة...
على عكس حياتي تمامًا.
قاطع أفكاري صوته المفاجئ:
— هل ستبقين تنظرين إليّ هكذا؟ هذا عيب.
شعرت بالإحراج، فأبعدت نظري عنه بسرعة وقلت:
— آسفة... شردت قليلًا.
ثم أضفت، محاوِلةً تغيير الموضوع:
— على كل حال، أنا هنا لأنني تائهة فقط. هل تعرف طريق المدينة؟
أجابني ببساطة:
— نعم، أعرفه.
سألته بسرعة، وقد لمعت عيناي بالأمل:
— كم تبعد من هنا؟
— ثلاث ساعات، إذا لم يُغلق الثلج الطريق.
تنهدت بقوة.
ثلاث ساعات أخرى...
كنت أريد المغادرة في أسرع وقت ممكن، لكن ساقي المصابة والطقس السيئ جعلا الأمر شبه مستحيل.
— حسنًا...
فهم من نبرة صوتي أنني أرغب في المغادرة، لكنه لم يعلّق.
اكتفى بمسح الطاولة، ثم توجه نحو إحدى الغرف.
بعد لحظات، عاد وهو يحمل وسادة وغطاءً.
وضعهما على الأريكة دون أن يتحدث، ثم جلس أمام المدفأة.
أما أنا، فتغطيت جيدًا، وأخرجت هاتفي من حقيبتي.
فتحت صورة أمي وأبي، وظللت أنظر إليها طويلًا.
كانا يبتسمان في الصورة، وكأنهما لا يزالان هنا، يراقبانني ويطمئنان عليّ.
ابتسمت بحزن، ثم همست في داخلي:
أعدكما أنني سأغيّر حياتي... من أجل أختي.
أغمضت عيني للحظات، محاوِلةً طرد أفكاري المؤلمة.
لكن التعب كان أقوى مني.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أغفو ببطء.
بقي فيكتور يراقبني بصمت.
لم يكن رجلًا يثق بالنساء بسهولة، ولم يكن من عادته السماح لغريبة بدخول مكانه الخاص، فضلًا عن قضاء الليل فيه.
ظل ينظر إليّ، محاولًا فهم حقيقة وجودي في تلك الغابة.
هل هي فتاة محترمة فعلًا؟
هل تقول الحقيقة؟
وهل هي تائهة حقًا، أم أن وراء قصتها شيئًا آخر؟
لم تكن ملامحي توحي سوى بالتعب والإرهاق الشديدين، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليجعل رجلًا مثله يثق بي.
فهو لم يكن يعرف شيئًا عن قصتي...
ولا عن السبب الحقيقي الذي دفعني إلى الهروب.
أما أنا، فكنت غارقة في نومي، دون أن أعلم أن الرجل الجالس أمام المدفأة سيصبح جزءًا من حياتي بطريقة لم أتخيلها يومًا.