NOVELFLEX

01

ملحمة ڤالينور · بقلم Byunil

سَيّد العُرُوش || رَمَـادُ المَمَالِك

كُسِرتُ المَرّة تِلوَ الأُخرى ، وكنتُ فِي كُلِّ هَبْطَةٍ لِلرُّوحِ أُواسِي نَفسِي بِأنَّ لِيَ رُكْنًا شَدِيدًا آوي إليهِ حِينَ تَضِيقُ بي الحَيَاة..

كنتُ أحمِلُ شَظَايَا قَلبِي بينَ يَديَّ، رَاكِضةً نحوَ المَلَاذِ الذي ظنَنتُـهُ لا يَخون، نحوَ الأيدِي التِي اعتَقَدتُ أنَّها غُزِلَت مِنْ رَحمَةٍ لِتمسَحَ عَنْ عَينـيَّ غـُبـارَ الأسى.

لم أكُن أطلبُ مُعجزَاتٍ، كُلُّ ما أرَدتُـهُ هُوَ سَقفٌ مِنَ الأمَانِ يَقيني لَفحَ هذا العَالَمِ البَارِد.

لكنَّ الصَّدمةَ كانت أسرعَ مِنْ أنفاسِي؛ فالمكانُ الذي رجَوتُ فيهِ الدّفءَ هوَ نَفسـهُ الذي جَمَّدَ دِمَائِي فِي عُرُوقِي، والأصابِعُ التِي تمنّيتُ أَنْ تُدَاوي جِرَاحِي، كانت هِيَ الخِنجرَ الأشَدَّ فَتكًا مِنْ أيِّ نَصل.

كم قَسَت الحياةُ عليَّ يومًا، فجئتُ الى حنانِكُم أشتكيها، فما كانَ منكُم إلا أنْ خذلتمُوني، لأعلمَ - والنصلُ يَنغرِسُ فِي خاصِرَةِ أمني - أنّ الجُرحَ مِنكُم هُوَ أَقسَى ما فِي الوُجُود.

لم يكُن ظُلمًا عَابِرًا مِن غرِيبٍ يَسهلُ نِسيانـهُ، بل كان هدمًا للقَواعِدِ التِي رَفعتُ عليها سمائِي. لقَد تُرِكتُ عَارِيةً أمامَ رِيَاحِ الخيبـة ، لا لأنّي بلا مأوى، بل لانَّ مأوايَ عينـهُ هوَ مَنْ أشعلَ النَّـارَ في ثِيابي ومَضى يُراقِبُ رَمادِيَ بِـبُرُود.

~~~~~~~~~~

فِي غُمرَةِ ذلكَ القَصـرِ المنِيف، الشامِخَ بِجدرانِهِ المَصنوعَة مِنَ الحَجَرِ الجِيريّ العَتِيق، تَجَلّت حِكَايَةُ الزّمـان؛ إذ تآكَلَت حَوافُّـهُ بِفِعلِ الرّياح وعَوادِيَ الأيّام، ليَكتسِبَ لونًا عاجِيّا دافِئًا يميلُ إلى الشحوب.

وفِي حَدائِقَهُ المَلَكيّة الخَلفيّة، كانتِ الطّبيعةُ تَذعِن لِـ لمسَةِ البَشريّة؛ فالأشجـارُ مُشَذّبةٌ بعِنايةٍ فائِقةٍ على هَيئةِ مَخَارِيطَ هندسيّة تتوَزّعُ في الأرجَاءِ كَـحراسٍ مِنْ خُضَار، بَينما تفجّرت أحواض الزهورِ بِملامِحَ اللافندر الإرجوانيّة، تَبثُّ الحَياة فِي المكانِ بعِطرَها الفوّاح وعُنفوانِ لونـها، وشمسُ الصّباحِ مُشرِقةً تغمرُ الوجودَ بنورٍ دافئٍ أخّاذ.

هنالكَ، وسَطَ هذا البهَاء، جَلَست تِلكَ الحَسناءُ على بِساطٍ أرجوانيّ مَخمليّ، كأنّها تُحفَة فنيّة نُحِتَت مِنْ مَرمَرٍ نادِر، بٕشَرتُها النّظِرة تنصَعُ بَياضًا ساحِرًا تُشّوبهُ حُمرة طَبيعيّة توَرّدت على وجنَتيـها كَشفقِ الصّيف، وعَيناها الواسِعَتانِ، بنقَاءِ لونَهُما الأخضَر الداكِن، مُثَبّتتان بتركيزٍ حَاد على اللّوحة أمامَها، وشفتَيها المُمْتَلِئَتين تنعَقِدُ بعبوسٍ لَطيف يَنمُّ عَنْ إحباطٍ بَسيط.

دُثّرَ جَسَدُها المُتَناسِقُ بفُستانٍ مَلكيٍّ مَكشوف الكَتِفَين، بِلونِ الأزرقِ السماويّ الشَاحِب، يُبرِز عُنقَها المَمْشوقِ الناصِع، وتَنبَثِقُ مِنهُ أكمام قَصِيرة مُنتَفِخة بنعُومـةٍ ملوكيّة، بينمَا تُوّجَ شعرها البنيّ المغزول بخيوطِ الذهب تاجٌ دَقيق، مُرَصّعٌ بالأحجارِ الكَريمـة، زادَها فِتنةً وجاذِبيّة لا تُخطِئَها عَين.

تناثَرت حولَها أدواتُ الرّسمِ مِنْ فُرَش تَلوين، خُرقِ كتّانٍ ومَحابِر؛ بينَما كانت أنامِلها الرّقيقة تتفَنّنُ في خطِّ ملامِحٍ على قِماشِ الكتّان، تصنَعُ لوحَةً لِوالدها، هديّةً تَليقُ بِيَومِ مَولِدهِ الخامِس والأربعين بَعد ثَلاثةِ أيام.

ولِكي تُتقِن مَلامِحَ وجهَه، كانت قد تَسلّلت إلى جَناحَهُ المَلكيّ، وسَرقت لوحَة لهُ رسَمها الرَسّامُ المَلكي، لِتستنِدَ إلى أبعَادِها وتَفاصيلَ ظِلالها في الرسم.

كانَ الصّمتُ سيّدَ المَوقف، لا يَقطَعهُ سِوى ألحانِ العَصافيِرَ العَذِبة وخَريرَ ماءِ النّافورة القَريبة.
فجأة.. إزدادَ عبوسهـا عِمقًا ووَضعت فُرشاتَها جانِبًا بينمَا تَنظرُ إلى قِماش الكتّانِ بسَخطٍ وزفرَت بضِيقٍ قائِلة
" لِماذا لا يَنضبِط مَعِي التدرجُ لِظلال الوَجه! كُلّما حاولتُ دَمجَ الألوانِ تداخَلت وبدَت باهِتة! "

إِرتَفعَت ضِحكة ناعِمَة بجانِبها، جلَسَت إيلين برفقٍ ودَمثَت الجوّ قائلةً وهِيَ تُقَدّمُ لها كأسًا بلورِيًا
" إنّها رائِعَةُ الجَمَال يا إيلارا، لكنّكِ لا تعرِفينَ شيئًا عَنِ القنَاعة. "

تَناولت إيلارا كأسَ عَصِير البُرتقالِ و وَضَعتهُ جانِبًا دونَ أن تَرتشِفَ مِنْهُ، ثمّ عضّت شفتهـا السُفلى بحِيرةٍ وعادت لتتمسّك بفرشاتِها وهَمست
" حسَنًا لا بأس، سأُحاوِل مرّة أُخرى "

عادَ السّكون ليُخَيّمَ على الرّوضِ النَّضِـير، غَمسَت الفُرشاة في مزيجِ الألوانِ، ثمّ مرّرتها بخِفّة الطّيـرِ عَلى القماش، تصنَعُ ضرباتٍ دَقيقة لتَرمِيم الظّلالِ حولَ العَينين، بينما كانت إيلين تُراقِبهَا بصَمتٍ تُتابـِعُ وِلادةَ اللوحة خُطوةٍ بِخطوَة، وسَط أجواءٍ غارقَةٍ بالرّاحة والجَمال الفتِن.

لكنّ تلكَ الخلوة لم تَدم؛ إذ مزّق هدوءَ المكانِ صوتُ وَقعِ أقدامٍ ناعِمَة ومُتَبختِرة، تقدّمت بخطىً واثِقَة فَتاة يَنسابُ على كَتِفيها خُصلاتٌ سوداء حالِكة كظُلمَةِ اللّيل، وعينانِ واسِعَتان بلون البُن الصّافي. ترتدي ثوبًا مخمليًا باللونِ الأزرَقِ الدّاكِن، مُرَصّع بنُخبة مِنَ الجواهِر التي تبرِقُ معَ كُلّ حَركة.
جَلَست على الأرجوحَة المُقابِلة لإيلارا، وتَرتَسِمُ على ثِغرها إبتسامَة مُتهَكّمة مُفعَمةٌ بالمَكر.

لتَزفر الأخرى بحِنقٍ مكتوم، ورفضَت أن تمنحَها لذّة الإلتِفات، بَل صَبّت جلّ إهتمامها على لوحَتها، وقالت بِنبرةٍ جافّة يُغَلّفها المَلل دونَ أن ترفَع عينيهـا
" ماذا تُريدينَ جينا؟ إن كانَ غَرضكِ إفسادُ خَلوتي وإزعاجِي، فلتتفضّلي بالرحِيل، فأنا كما تَرين.. بالِي مشغـول "

إتسّعت إبتسامَةُ جينا الخَبيثة وإزدادَت ملامِحَها إستفزازًا وهيَ تميلُ بجَسَدها إلى الأمام قائِلة بسُخرية
" على رسلكِ يا شقيقَتي..لم آتِ للشّجار، بل جئتُ لأحمِلَ إليكِ نَبأٌ سيَروقُ لقَلبكِ كثيرًا "

هنا تمكّنَ الفضولُ مِنْ إيلارا، فرفعَت عَينيها مُضطَرة عن لوحَتِها، ونظَرت إلى جينا وقد عَقدت حاجِبَيها بريبةٍ وشك
" وما عساهُ أن يكونَ هذا النّبأ؟ "

أرجَحت جينا حاجِِبَيها بمرحٍ مُستفـز ، وقالت والشماتّة تقطِرُ مِنْ حُروفِها
" وليّ عهدِ زينـدار مأخوذٌ بِجمالِكِ، وسيَتقدّم إلى مملكتِنا بعدَ يومَينِ ليَطلُبَ يدكِ للزواجِ، ويُناقِش تفاصيلَ الخُطبَة معَ والِدنـا، سيَتمّ أيضًا عقدَ تحَالفٍ معَ مَمْلكتهم القويّة بسَببِ هذا الزَواج، أليسَ هذا رائِعاا. "

لا لم يَكُن رائِعًا بالنّسبةِ لها؛ إذ وقعَ الخبرُ على مسامِعَها كصاعِقةٍ مُرَوّعة شقّت سماءًا صافِيَة.
تيَبّستِ الدِماءُ في عُروقِها، وشَردَت نظْراتها في الفراغ للحَظات، وكأنّها تُحَاولُ إستيعابَ الكلِمات.

ثمّ إنتفضَت واقِفة كالذّبيحَة، وتراجَعت خُطوةً إلى الخَلفِ وهِيَ تصِيحُ بنَبرةٍ هادِرة ملأَها الذّعرُ والرفض والدّموع تتهاوى على خدّيها
" هذا لن يَحدُثَ أبدًا ! على جثّتي! "

فزَعت إيلين مِنْ ثورَةِ إيلارا فنهَضت مُسرِعة تضَع يدَها الحَانِيَة على كتِفها لتهدئَةِ روعِها، في حينِ قفزَت جينا عَن الأرجوحة بذُعرٍ مُصطَنع، وصَرخت بدورِها بملامحَ غاضِية
" وما شأني أنا لتَصيحي في وَجهي كالمجنونَة هكذا؟ لستُ سِوى رسولٍ للخبر! "

مَسَحت إيلارا دُموعها الهَارِبة بإنكِسارٍ جَريح، وثَنت أطرافَ ثَوبِها السّماوي بقبضتَيها المُرتجِفتين، وهَرَعت نحوَ ردهاتِ القصـر، تارِكة خَلفها لوحَتَها غيرِ المُكتَمِلة وأدواتَ رسمهـا مُبعثَرةٍ على العُشبِ كأشلاءِ حُلمٍ مَكسـور.

رَمقَت إيلين جينا بِنَظرةِ تأنيب لاذِعة قبلَ أن تخبّ الخُطى خلفَ أميرتَها المذعـورة وهِيَ تَهتِفُ بصَوتٍ يملَؤهُ القلق
" سموّكِ ، إنتظري!.. على رسلكِ، إلى أينَ تذهَبين؟! "

لمْ تلتَفِت الأخرى بل كانت تجرِي بينَ أروِقَة القَصرِ الطّويلَة حتى وصَلَت إلى قاعَةِ الحُكم الكُبرى ودَلَفتإليها كالإعصارِ، سارَت نحوَ العرش الخشَبيّ الضَخم في نهايَة القاعَة حيثُ وجَدت والِدَها يجلِسُ بوقَار يتحدّثُ بخفوتٍ إلى مُستشارهِ الأقرَب.

تقدّمت بخطىً مُتَهدّجة والدموع تحتَقِنُ في مآقيهـا الخضراوتَينِ، حيثُ بدَتا كأوراقِ شجَرٍ بلّلهُما المَطر، كأنّ الربيعَ ذاتِه أختَنقَ فيهما تحتَ وطأةِ حُزنٍ جَليّ
إنحَنت بأدبٍ مُقتَضَب، ثُمّ رفعَت رأسَها وكانَ ذقنَها يرتجِفُ بضُعف، فخرجَ صوتَها مُتحَشرِجًا
" أريدُ الحديثَ معكَ يا جَلالةَ المَلِك.. على إنفِراد، أرجوك. "

نظَرَ إليْها المَلِك وقطبَ حاجِبَيهِ، ثمّ اومأَ برأسهِ دونَ أن يَحيد بنَظراتِهِ الثّاقِبة عَنْ وجهِ إبنَتهِ الشّاحِب، وأشارَ بيَدهِ إلى مُستَشارِهِ ليتركهما وحدَهما، إنحنى بيرو طاعَةً وإنصَرفَ بخُطىً وئِيدة.

وبعدَ أن أغلِقَت الأبواب الخشبيّة الضّخمة خلفَه، تقدّمت إيلارا خطوَة أخرى نحوَ العرش وهتفَت بصوتٍ مُختنِق بالدموع
" أبي.. أرجوكَ أخبرني، ما قِصةُ هذا الزواج مِنْ أميرِ زيندار؟ "

سادَ الصَمتُ للحظة، قبلَ أن يسألُها المَلِك بنَبرةٍ رخيمة مُحَايدة
" أخبرتكِ والدتكِ بالأمر؟ "

قالت بصَوتٍ عالي قليلاً وهيَ تقبضُ على قماشِ فُستانها بشدّة حتى إبيضَّت مفاصِلُ أصابِعَها
" بل جينا! "

نهَضَ المَلِك عَنْ عَرشـهِ الأبنوسي بوقارٍ ونزلَ دَرجات المنَصّة الحَجَرية بخطواتٍ متزنة حتى وقفَ قبالة إبنتَه، واضِعًا يَدَهُ الثّقيلة على كتِفَها، قائِلاً ببرود لا يَنتمي لعَاطِفَة الأبوّة
" هذا صَحيح.. ستتزوجين مِنَ الأمير، الرَجلُ مُعجَبٌ بكِ وبخُصالكِ، فضلًا عَن أنّ هذا الزواج سيُصَبُ في مصلَحَةِ مملَكَتِنا على أيّ حال. زيندار مملَكَة ذاتَ بأسٍ وقوّة، وتَحالفنا معها درعٌ لنا "

عندَها تحرّرت العبراتُ الحَبيسة مِنْ مَحجريها، وهَطَلت على وَجنتيهـا كـ حبّات مطَرٍ فوقَ مرمر.
همَسَت بنبرة واهِنة، خافِتة
" لا... "

إنعَقدَ حاجبي المَلِك بغضَبٍ مُباغتٍ وضغَطَ على كتفها بقسوَةٍ قائلاً بصوتٍ حاد كالشفرة
" ماذا تعنينَ بـ لا ؟! لا تكونِي أنانيّة، فكّري في مَصلحَةِ العَرشِ والشّعب! زيندار ستمّدنا بالعِتاد والمُؤن التي نحتاجُها! "

تَراجَعت بجسَدِها الواجف الى الوَراء مُحاوِلةً الفكاك مِنْ قَبضَته، وقالت بنشيجٍ مَرير
" أرجوك يا أبي لا.. لا يمكنني إحتِمالُ هذا، لا أستَطِيع. "

بلغَ الغضَب مِنَ المَلِك مبلغًا وفقَـدَ صَوابـهُ وركَل الطاولة الخَشبيّة المُجاوِرَة لهُ بحِدّة، لتَدوي في القَاعة جَلَبة مُفزِعَة جَعَلَت قلبها يتوقّفُ مِنَ الرّعب، وصاحَ المَلِك ساخِطًا والشرر يتطايَرُ مِنْ عَينيْهِ
" إخرَسي! أنتِ بعنادكِ وأنانيّتكِ المُفرِطَة ستُدمرينَ صفقةً ثمينة لا يُمكِن تعويضَها "

لكن، وفي غُمرةِ ذلك الخوف، إنتفضَ شيء ما فِي أعماقِها، إرتَفعَ رأسُها ودوى صوتُها في أرجاءِ القاعة الحجرية قاطِعًا مشحونًا بمرارة الرفض ودموعها تنحدِرُ كالسّيلِ على وجنتَيها اللتين أصطُبِغَتا بِحُمرَةِ القَهر
" أنا لن أقبلَ الإقتران بذلك الأمير أبدا! "

ثمّ تابعَت تواصِلُ صُراخها المذعور
" فلتذهَبْ كُلُّ تلك التَّحالفاتِ اللعِينة إلى الجَحِيم! "

ولم يكَد صَدى كَلِماتِها يتَبدّد، حتى شقّ الصّمتَ صوتُ صَفعَةٍ قويّة، كانت كَفيلة في أن تُخرِسَ الزّمانُ والمَكان.
عمّ سكونٌ رَهيب، جَمُدَت معَهُ الأنفاس، وضَعَت إيلارا يَدها المُرتَجفة على وجنتَها المُشتَعِلة لتَنظُر إلى والِدهَا بعينينِ تملؤُهما الصّدمة، تَلمعانِ ببريقِ الدّموع التي أبت التّوقف.

رفعَ المَلِك ماركوس إصبَعَهُ بتهديدٍ تزلزلَ له كيانُها، وهتَفَ بصوتٍ صارمٍ لا يَقبلُ الجَدَل
" ستتزوجينَ الأمير ، شِئتِ أم أبيتِ.. فكلِمةُ المَلِك فوقَ عاطِفةِ الإبنة! "

لم تحتمِل، إستَدارت والشَهقاتُ تُمزّقُ صَدرها، تركُضُ خارجَ قاعةِ الحُكم، غير آبهة بإيلين التي كانت تقف بالخارج عاجِزة تذرعُ المَمَرّ ذهابًا وإيابَا بقلق.

ركَضَت مُتعثّرة نحوَ جناحِها كعصفورٍ جَريح، يبحثُ عَنْ مأوى، تارِكَة حُطَامَ أحلامِها عندَ أقدامِ العَرش.
لتلحَق بها إيلين والوَجلُ ينهشُ قلبها .

" أخبريني ماذا حَدَث "
قالَت إيلين بقلقٍ بينما تُغلِقُ بابَ الجناحِ خلفَها وتخطو نحوَ إيلارا التي جلَست على السرير المَلَكيّ ذو الأغطِية الزهريّة الفاتِحَة، تُخفِي وجهَها بكفّيْها وتنهارُ بِبكاءٍ مَرير.

" سيبيعُني لـه "
قالت بصوتٍ باكي، لتشهَقَ إيلين بصَدمة واضِعةً كفّها على فمَها، وإقتَربت تأخُذُ إيلارا لأحضانها.

بعدَ بُرهة مِنَ الزّمن، طُرِقَ بابُ الجناح ودلفَت المَلِكة مِيا بخطواتٍ واثِقة بلا إستئذان، نهَضَت إيلين لتنحَني لها بإحترام فقالت الملكة بهدوءٍ
" أتركينا وحدَنا "
عضّت إيلين شفتهـا السفلى ثمّ اومأت بطاعـة وإنحنَت مُغادِرةً جناحَ إيلارا

تقدّمت الملِكَة تجلسُ على حافةِ السّرير بجانِب تلكَ الروحِ المُنكَسِرة، وقالت بنبرةٍ حاولَت جعلهَا هادئة
" كُفّي عنِ البُكاء يا إبنتي، فالدموعُ لن تغَيّر قرارَ العَرش "

رَفَعَت إيلارا رأسها وتمسّكت بطَرَفِ رداء الملِكَة، تتوَسل إليها بعَينينِ غارِقَتينِ بالأسى
" أرجوكِ.. أنتِ الوَحِيدة التي قد يُصغِي إليها والِدي، تحدّثي معـه، أخبريهِ أنّني لا أرغبِ بهذا الزواج.. أتوَسّلُ إليكِ، لا تتركيني لهذا المَصيـر "

نظَرَت إليها المَلِكة قليلا وأجابت بجمود
" لن أحشُرَ نَفسي في قراراتِ جَلالَتهِ؛ فهوَ المَلِك، وكَلِمَتهُ هيَ القانون الذي يُنَفّذ. ثُمَّ أنّ زوجكِ المُستقبليّ شاب ذو شأن، وستَجدينَ في قلبكِ مُتسّعًا لحُبهِ لاحِقًا، تذكّري يا إبنتي، هذا القِرانُ هوَ طوقُ النجّاة لمملَكَتِنا. "

إنفَجَرت الدّموع مِنْ عينيها مُجّددًا ونظَرَت إليها بنبرةٍ مكسورة سائِلة
" وماذا كنتُ أتوَقّعُ مِنكِ غيرَ هذا "

نهَضَت الملِكَة ميا بوِقار عَن السّرير بثوبها المَلَكيّ الأخضَر الداكِن متوجّهة نحوَ الباب، وأردَفت
" مازلتِ غِضةً لا تُدرِكينَ أينَ تكمُنُ مصلحَتكِ الحَقِيقيّة "

" بل تقصِدينَ مصلَحتَكُم أنتم.. وأطمَاعَكم! "
صَرخَت إيلارا بمرارة ، بينما تمسحُ دموعهَا عَنْ خدّيها وتقِف، فـ إستوقَفت الملِكَة عندَ العتبة
ووَاصلت حديثهـا تضحكُ بسُخرية رُغمَ الألم الذي يفتِكُ بصَدرها وحَنجرتها مِنْ شدّة النّحيب

" أنا لستُ في نظَركم سِوى بيدقٍ على رقعَةِ شطرَنج تُحَرّكونَه لإرضاءِ جَشَعِكم.. وكأنّ زيندار ستَصنَعُ مِنْ ضَعفِنا قوّة! "

لَم تُعقب الملِكَة، بل خرجَت بهدوءٍ تُغلِقُ البابَ خلفَها وتَرَكت الجناحُ يغمُرهُ السّكون، إنهارَت إيلارا على سريرَها تدفنُ وجهها في وسَادَتِها، مُخمِدَةً شهقاتها، وفي أعماقِها يسكُنُ قسَمٌ واحِد، لن تخضعَ أبدًا لهذا الزواج، ولن يكونَ جسَدُها جِسرًا لتحالفٍ لم تختَره.. ولو كانَ الثّمنُ حياتَها.

Pov Elara


حِينَ هَوت كفُّ والدِي على وَجنَتي، لم أشعُر بألمِ الجَسَد قَدر ما شَعَرتُ بكِياني كُلّه وهوَ يتَهدّم..
ألسْتُ إبنَتَه؟ ألسْتُ قِطعةً مِنْ قَلبِهِ وفلذة كَبدِه؟ بَل ألسْتُ الأثَـرَ الأخِير الباقِي لهُ مِنْ وَالِدَتي الراحِلة؟

كيفَ لَم يُبصِر مَلامِحَها في تقَاسيمِ وَجهي؟ وكَيف لم يَلمَح طَيفَ روحها في عَينيَّ؟ أنا الذّكرى التي تمشِي على الأرض، وثمَرةُ الحُبِّ الذي كانَ يومًا يملأُ هذا القصر بالدّفء.. ألم أكن تلكَ الابنة المُدللة التي كانَ يُقسِمُ يومًا أنّه سَيَحرُقَ العَالم لو سَقَطت دَمعَة مِنْ عينيها.

ما أوجَعَني لَم يَكُن حَرارةُ الصّفعة، بل ذلك الجُمود الذي إستَوطنَ عَينَيه، وتِلك النّظْرة البارِدَة التي شَيّعت لِينَ الأبوّة إلى مَثواهِ الأخير.

لقد كانَت نَظراتَه لي يومًا مَلاذًا يُغَلّف قَلبي بالأَمان، ويَجعَلُ روحِي تُحَلّق كفَراشة.. فما الذي بدّلَـهُ هكذا؟ ولِماذا إستحالَ الأبُ الحَنون سَجّانًا يَرى فيَّ مُجَرّد دُميَة صَمّاء؟ كيفَ جَفّت مآقيهِ وهوَ الذي كانَ يَذرفُ الدّمع لمَرأى حزني؟

رفعتُ وجهِي عَنِ الوِسادَة وتَحسستُ وَجنتي بألمٍ يَعتَصرُني، وأنا أشعُر بأصَابِعَـه قد طَبعَت وشمًا على جِلدي.. الركنُ الذي كان يَأوِيني باتَ يَلفِظَني.

عندما ركضتُ لجناحِي، وارتميتُ فوق سَريري أحاولُ غَسل خَيبَتي بالبُكاء وإيلين معِي تواسيني، و سَمِعتُ طَرق الباب. تَعلّق قَلبي ببَصيصِ أمَلٍ واهنٍ حينَها .. رَجَوتُ أن يكونَ هُوَ؛ أن يَأتِي ليَمسح عنّي إنكِساري، ويَحتَضنني بقوّةٍ مُخبِرًا إيّايَ أنّه آسف، وأنّ غَيمتَهُ السّوداء قد إنقَشَعت.

لكِنّ آمالي تبَخّرت كالدُخانِ حٓين دلفَت هيَ.. زَوجةُ أبي، تلك المَرأة التي منذُ أن وَطِئت قَدماها القصر، سَلَبَتـهُ مِنّي ومِنْ نَفسِه.

توَسّلتُ إليها بقلبٍ يَقطُر ذِلاً، علّها تميلُ بقلبهِ عَنْ قَرارهِ الجَائِر، لكِنّها وَاجَهَتني بِبرودٍ يُضَاهِي صَقِيعَ الشّتاء، زاعِمةً أنّها لن تَحشر نَفسَها فِي شؤون المَلِك، يا لِزيفها! هِيَ تَعلم، وأنا أعلَم، أنّها المُحَركُ الخَفِيّ لكُلّ قَرارٍ ، وأنّ سُمومِها هِيَ التي تنفِثُ في أُذن والِدي ليلَ نَهار.

تَدَّعِي أنّني غِضةٌ لا أدرِكُ مَصلَحَتي.. بَل هِيَ الحَقودة التِي تُريد إقصَائِيَ عَنْ مَملَكَتِي، لِتَخلو السّاحَة لإبنَتِها، ويُصبِحَ عَرشُ والدي إرثًـا لها، لكنَّني أقسَمتُ فِي سري، لن أكونَ اللّعبة التِي تُحَرّكها أطماعُ هذهِ العَجوز البَغيضَـة، ولن أسمحَ لِخُطَطِها الخَبيثةِ أن تَقتَلِعَني مِن جِذوري، مهما كلّف الثّمَن.

End Pov