صَرخة في وجه القَدر
~~~
أرخَى الليلُ سدولَهُ على أرجاءِ المَملكة، أمرَ المَلِك ماركوس بحَبسِ إيلارا في جنَاحها ، وبينما كانَ غارِقًا في صَمتِه الرّهِيب فوقَ عَرشهِ الأبنوسيّ، إنفَرَجَت رتوجَ القاعَةِ المَلَكيّة الثّقيلة، ولَجَت مِنها الملِكة ميا كحَيّة ناعمة الَملمس.
تقّدمت بخطًى وئِيدَة مُتَزِنة تُحَاكي وقارَ المِلوك، وإنحَنَت لهُ إِنحِناءة دَقيقة وهِيَ ترفَعُ حَاشِيةَ ثَوبها المخمليّ بطَرَف أنامِلَها، ثُمّ اقتربت مِن مِنصّة العَرش لِتَضَع كفّها فوقَ يَده، فِي إيماءة مَلغومة بقَلَقٍ زائِف، وقالت بنَبرة عَذِبة تقطِر كذبًا وزورًا
" حَاولتُ جَاهِدةً أن أواسيَها يا عزيزي، فقَد كانَ بكاؤُها المَرير يُمَزّق نِياطَ قلبي.. لكِنّها واجَهَت إحسَانِي بالصّراخ ، وصَرَفتني عَنْ وجهِهَا بجَفاء . أرجو مِنْ جَلالتِكَ أن تتلطّفَ عليها ، فهِيَ لا تزال غِضة العود، لا تدرِكُ مِنْ أمور الحياة شيئًا. "
تنَهّد المَلِك بِزَفرة حَارّة يَملَؤها الإعيَاء، ومَسّدَ صَدغيهِ بأصَابِعَـه، ثمّ إرتَسَمَت على ثِغرَه إبتِسامة خَفيفة، وضَمّ كَفّي زَوجَتَـهُ بَين يَديهِ وقَبّلهما بإمتِنانٍ عَميقٍ قائِلًا
" أشكرُ لَكِ هذا الصّنيع .. إنّ إعتناءَكِ بِها وحِرصِكِ على رَتقِ حُزنَها، رُغمَ أنّها لَم تخرج من رَحِمكِ، يُثبت لي يومًا بعدَ يَومٍ كم أنتِ إمرَأة عَظيمة تَليقُ بهذا التّاج. "
أجَابَت بمَكرٍ دَفِين، غَلّفَتهُ بإبتِسَامة باهِتَة وهيَ تزيدُ مِنْ ضَغطِ كَفها على يَده
"لا داعِي للشُّكرِ يا عزيزي، فهذا واجبي. إيلارا إبنتِي الثّانِيَة، ومَكانَتها في خافِقي تُضَاهي مَكانة جينا ، على الرُغمِ مِنْ أنَّني أشعُرُ في كَثيرٍ مِنَ الأحيانِ بنفورِها منّي وغُصَّتها تِجاهي."
طَمأَنها المَلِكُ بمَلامِحَ لانَت قَسوتها، وأمالَ رأسَـهُ يَبتسِمُ لها بودٍ و وِئَام
" هِيَ لا تكرهكِ يا ميا، بَل هِيَ غَصّةُ الفَقد ومَرارة الحَنين لوالِدَتِها الرّاحِلة.. لكنّكِ كُنتِ وما زلتِ لها نِعمَ الأمّ والمَلاذ. "
إكتَفَت الملِكَة بإبتِسَامة غامِضَة، وطَبَعَت قُبلة على وَجنتـه، ثُمّ سَأَلت بِخُبث مُستَتَر لا تكادُ تَلمَحُه الفطنَة
" إذن.. متى يَحين موعِد الخِطبة ؟ "
زفرَ، وأجابَها بفتورٍ وهوَ يَشخص بنَِظرهِ نحوَ الفراغ
" غدًا ."
شَدّت على يَدهِ برفقٍ مُبَالغٍ فيهِ، ورَبّتت عليها وهي تُوحِي بالسّكينة بينَما تقول
" لا تَبتئِس يا عزيزي، سَتكون إيلارا بخَير . الأميرُ رَجلٌ وضيءَ الوَجه، وَسيمُ الطالع، ذو شأنٍ ونُفوذ، وسَتُدرِك قِيمَتَه وفَضلُ هذا الزّواجَ بمرورِ الأيّام.. هذا الإقتران هوَ خَلاصَها وخلاصُ المملكة. "
فَجأة، نهَضَ المَلِكُ بعَزمٍ مُبَاغت، ساحبًا برفقٍ يَدَه مِنْ بَينِ كفّي زوجتَـهُ قائلًا بصَرامة
"معَكِ حَق سَأذهبُ لأتَحدّث إلَيها ."
انحَدَر المَلِك يَطأ الدّرجات الحَجَرية بخُطىً سَريعة خارجًا مِنَ القاعة، بَينما لاحَقَتهُ ميا بنَظراتها المَاكِرة التي تحُفّها شَماتة صَامِتَة.
اتّجَه المَلِكُ صَوبَ جَناحِ إبنته، وطَرقَ البَاب الخَشبيّ المُرَصّعِ مِرارًا، فَلَم يأتِهِ مِنَ الدّاخِل سِوى صَدى الصّمتِ الواجِم، قطبَ حَاجِبيهِ برَيبة وإستِغراب، ودَفعَ البابَ بقوّةٍ ودلفَ إلى رَدهةِ الغُرفة، لِيَتَلقّاهُ فَراغٌ مُوحِش يَلفُّ المكان.
صُعِقَ المَلِك حِينَ وَقَعَت عَيناه على إيلين مُلقَاةً على الأرضِ مَغشيًا عَليها، وبجانبها شَظايا مَزهريَة برونزية مُحَطَّمة، والدّمُ القانيّ يَسِيل خطًا رَفيعًا فوقَ جَبهتها الشّاحِبَة.
صَرّ المَلِكُ عَلى أسنانِهِ بِغَيظٍ عَارِم حتى كادَت تَتَكسّر، وإشتَعلَت عَيناهُ بشَرر الغَضب، خرجَ كالإعِصَار الهائِج يزأرُ في وجوهِ الحراس المُتَراصينَ في المَمَر
" أين إيلارا؟! أين الأميرة؟! "
أجابَ أحدُهم، والذّعر يلجمُ لسانَه وركبتيهِ تصطكّـان
" جَلالة المَلِك.. سموّ الأمِيرة في خِدرِهَا، لَم تُغادره "
زمجَرَ المَلِك بجنونٍ ، وإندَفَعَ يُمسِك بِتَلابيبِ زيّ الحَارِس بِقَبضة حَديدية رَفعَته عَنِ الأرض
" لقد هَرَبت يا قُطعانَ الفَشَلِ وعَديمي الفَائِدَة! إنقلِبـوا فِي أرجَاءِ المَملكة، إبحَثوا عَنها فِي كُلّ شبر، وأعيدوها إليَّ حَيّة أو مَيّتَة، وإلا أريتُكم الجَحيم بأمِّ عَينِه! "
ثُمّ إندَفَعَ بنَفسِهِ يَجوبُ الرّدهات والدّهاليز يَبحثُ عَنْ طَيفِها المَفقود.
Pov Elara
لَم أعُد أطيقُ صَبرًا على هذا القَهر المُطبق الذي يَكتمُ أنفاسي. كنتُ أعلَمُ يَقينًا أنّ والِدي سَيسوقني إلى المِقصَلَة، ويُقَيد مِعصَميّ بأصفادِ ذلِكَ المَصِيرِ الأسوَد رغمًا عَنْ أنفِي..
والدي الذي ظَنَنتُـه يَومًا حِصني المَنيع، لم يَعد ذلكَ المَلاذ الآمِن الّذي كنتُ أرتَمِي في أحضَانِه الدّافِئة كُلّما ضاقَت بي الدنيا وإستَبّد بي الجَور. لَيتكِ هُنا يا أمي.. ليتَ تُرابَ قبركِ يضُمُّ شتاتي.
لا يَعنِيني هذا العرش ، ولا تَهمّني تيجَان المَمَالِك.. كُلّ ما أبتَغِيه في هذهِ الحَيَاة هوَ النجَاة بجِلدي مِنْ ذلِكَ الأمير الوَغد.
ذلِكَ الرّجل الفاسِق الذي لم تَمنعه هَيبَتي كأمِيرَة، ولا حرمة الدّماء المَلَكية، مِنَ التّحَرشِ بي في إحدى الحَفلات، مُستَغِـلاً غَفلةِ الحضور، رَجلٌ رَخِيص لا يَعرِفُ مِنَ الوجودِ سوى الخَمر، والمجون، والمَلذات الدّنيئة.. كيفَ لي أن أرتَبِط بجَسَدٍ يُثير إشمئزازي وتَتقزّزُ مِنهُ روحِي؟
سَأهرب.. لن أبقَى سَجِينة رَغباتهم، ولا تحتَ رحمة تلك الأفعى الشّمطاء التي تنفِثُ سُمومها الخَبيثة في أذن أبي لِتَقتلعني مِنْ جِذوري.
إستَدعَيتُ إيلين على عَجَلٍ ، فأتَت مُسرِعة وهِيَ تَحمِلُ بِيَدَيها صِينية فِضيَة بِها كأس مِنْ عَصِير التوت القانِي، وكَعكة صَغيرة مُزَيّنة بِحَبّـات التوت الأحمر. وعلى مَلامِحَها النّاعِمَة الحَانِية، إرتَسَمت ظِلالُ القَلق والاضطراب؛ فَهِيَ ليسَت وصِيفتي فحسب، بل صَدِيقة طفولتي، والقلب الوحيد الذي يَنبضُ بالصّدقِ والوَفاء في هذا البلاطِ المُنَافِق، وهِيَ الوَحيدة التي أأتَمِنها على روحي.
سَحِبتُها مِنْ يَدَها بعُنفٍ يائِس، وأجلَستُها على طَرَفِ سريري الوَثير بَينما جَثَوتُ أنا على رُكبَتيَّ أمَامها، أنظُر إلى عَينَيها مُتَوَسّلةً بدموعٍ حَارِقة
" أرجوكِ يا إيلين.. أنقِذِيني مِنْ هذهِ الهَاوِية! "
إنحَنَت نحوي لتَأخذَني إلى حِضنِها الدّافئ، فأكمَلتُ غِصّتي والدّموع تَخنِقُ حَنجَرتي
" سَأَضعُ حَدًا لِحَياتِي بيَديّ هَاتين، قبلَ أن يُنهِي والدي أنفاسِي بتَزويجي مِنْ ذلِكَ الفاسِد المُستَهتِر! سَاعِديني على الفِرار، فلا يَمين لي ولا ثِقة بأحَدٍ في هذا العَالَمِ سواكِ. "
هَتَفَت إيلين بذعرٍ شقّ سكون المكان
"إيلارا! الحُراس يُطَوِّقونَ القصر كالأطواقِ حَولَ المَعاصم! سَيُمسِكون بكِ قبلَ أن تَخطِي خُطوَة واحِدَة خارجَ الأسوار، وسَيكون العقاب وَبيلاً ! "
أجَبتها بحَزم ، ونَظراتي تتَشبّث بوجهِها برَجاءٍ أخِير
" سأرتدي زيّكِ هذا وأخرج في عتمة المَمَرات.. وقَد أخَذتُ أيضًا زيًا للحرَسِ المَلَكيّ، ثمّ سأتّجه إلى شَمالِ المَملكة، عِندَ التخوم الحِدوديَة لمَملكة ڤالينور ."
صُعِقَت إيلين، وَوضعت كَفّها المُرتَعِشة فَوقَ شَفتيها تُدَاري صَرخة دَهشتِها
" عِندَ حِدود مَملَكةِ ڤالينور؟! "
أجَبتُها وقَلبي يَثب فِي صَدري كطَائِرٍ ذَبيحٍ يكادُ يُمزّقُ قَفَصِي الصدري، بَيْنما أتمَسّكُ بِيَدَيها بقوّة
" نعَم.. يَفصِلُنا عَنْ حُدودِها مَسيرةَ يَومينِ . لنَلتقِي عِندَ أولِ قريةٍ حدودية هناك. "
تَنَهّدت إيلين تَنهِيدة طَويلة، وبَدا أنّ العَزم قَد سَرى في أوصالِها، فأومَأت برأسِها بحزمٍ هامِسة
" حسَنًا إذن يا أميرتي، لِنَضَع خُطّتنا بدِقّة، وليَكن الرب في عَونِنا. "
إنفَرَجَت أساريري حِينَ أذعنَت لِمَطلبي، فإندَفَعتُ وأطبَقتُ ذِراعيّ حَولَها أضُمّها بشدة تُماثِل تشَبّث غَريقٍ بطَوقِ نَجاة؛ فهِيَ لم تكُن مُجرّدَ خادِمَة، بَل كانَت لي الأختَ التي لم تَلدها أمي، والصَديقة الوَفيَة، والجِدارَ المَتين الذي أستَندُ إليهِ كُلّما مَالت بي الأيّام.
تنَحَيتُ عَنها مُتّجِهَة صَوبَ خِزانَتي الخَشَبيّة العَتيقة، ونَبَشتُ في زَواياها المَنسيّة حَتى أخرَجتُ صندوقًا خَشَبيًا قَدِيمًا كسَتْهُ السّنون برِداءٍ مِنْ غِبارٍ، نفضتُ عَنهُ الأثر، وفتَحتُ قفلـهُ الصَدئ بالمِفتَاحِ الصّغير الذي برَعتُ في إخفائِهِ طَويلًا.
أخرَجتُ مِنْ جَوفِـهِ خَريطة قَدِيمة مَطوية لمَملَكتنا، وفَردتها أمامَ إيلين المَذهولة ثمّ أتبَعتُها بِخَريطةٍ تَفصِيلية قديمة أخرى لِمَمرات القَصر السرية ودَهاليزه. إتّسَعت عَيناها بذهولٍ مُبَاغت، وهَتفت بِنَبرة خافِتَة مَصدومة
" مِنْ أينَ لكِ بهذا يا إيلارا ؟! خَرائط كهذهِ لا يُسمَح بتَداولها إلا للمَلِك، أو كبير المعماريين ورسامي البَلاط! "
إبتسَمتُ بمَرارة ، وبقِيَت عَينايَ شاخِصَتين نَحو الخُطوط والمَسَارات المرسومة على الورق المُصفَر
" وجَدتُها يومًا في زاويَةٍ مَهجورَة بالمَكتبة المَلَكية، داخِلَ صِندوقٍ أثَريّ كانَ يَخصُّ والِدَتي الراحِلة. إنتابني الفضول آنذاك، فَقررت الإحتِفاظَ بها لدراسَتِها يومًا ، والآن.. أنظري هنا."
أشَرتُ بإصبَعي على منعرجَاتِ خَريطة القَصر، وبَدأتُ أشرَح لها خُطّتَنـا بدِقّة
" عُقبَتنا الأولى هِيَ مُغَادرة هذا الجَناح دونَ إثارة الريبة، وإليكِ الحيلة، سأستعير زيّكِ لأتَخفّى بِه. ثُمّ سَنعمدُ إلى كَسرِ هذهِ المَزهرية ، وسَأجرحُ إصبَعي بقطعَةٍ من شَظاياها لأسكُبَ دَمِي فوقَ جَبهتكِ ، ليَبدو الأمرَ وكأنّنِي إعتَدَيتُ عَليكِ، وضَربتُكِ بقَسوة لأسلبَكِ ثِيابكِ قبلَ أن أفِر، وأنتِ غارِقَة في إغمائكِ. وأنتِ بالمُقابل، سَترتدين أحَدَ فساتيني وَنُلطِخهِ ببَعضِ القَطرات أيضًا. "
هَمَسَتْ وهِيَ تَرنو إلى عينيّ بنظراتٍ يُغَلّفها الخَوف الوجل
" ولكِن.. هَل أنتِ واثِقة يا إيلارا مِنْ نجاحِ هذا ؟ "
أمسكتُ كَفيها بينَ يديّ، ونظَرتُ إليها بأسَى يَمتزِجُ بعَزم
" لن نعلمَ إن كانَ النَّجاحُ حَليفَنا حَتّى نخوضَ التّجربة يا إيلين. البَقاءُ هنا يَعنِي مَوتِي البَطِيء، وليسَ أمامِي خِيارٌ آخرٌ سِوى المُغامرة. "
راقَبتُها وهيَ تمسَحُ دَمعة عَنِيدة فَرّت مِنْ عَينها، بَينما كانت دقات قلبها تقرع في المَكان كطبولِ حَرب تُوشِكُ أن تَبدأ. أعلَمُ أنَّ إيلين جَبانة وقَلِقة عليّ، وأنا ذاتي يَنهَشني الجُبن والخَوف، بل وأكثر مما تتصوّر.. لكنّني لن أستَسلم لهذل المَصِير البَائس ما دامَ في صَدري عرقٌ يَنبِض.
عدتُ أُشير إلى الخَريطة وهمَستُ مُكمِلَة
" سأخرجُ حاملة صِينية الطّعام تِلكَ كخادمة ، سَأتجه إلى المطبَخ ومِنْ بابِ الخَدَم الخَلفِي سَأعبرُ نحوَ الفناء. هنا كما ترَين مَمر سري يقودُ مباشرةً إلى الإصطَبلاتِ الملكية، سأرتَدي زي الحَارسِ الذي معِي وسأستقلُ صَهوةَ جوادٍ أو عَربة وأهربُ بها نحوَ الحدود مِنْ البَوابة الأخرى للأسوار . "
أومَأت إيلين بإذعان، ثُمّ مَرّرت إصبَعها على الخَريطة الأخرى مُتَسائِلة
" وماذا عَنِ الملاذ؟ وكيف ستعبرينَ ذلك النّهر العاتِي الذي يَربِطُ بينَ مملكتنا ومملكةَ ڤالينور؟ "
شخِصتُ ببَصَري نحو النقطة الشَمالية حَيثُ تقَع مَملكة ڤالينور ، والتي يَحدّها نَهرٌ جاري بمَوجٍ عَنيف وأمواج مُتَلاطِمة لا ترحَم، وقلتُ
" هناكَ مَعبران؛ الأول طَريقٌ تجَاريّ تَستَخدِمه ڤالينور، لكنّ المُرورَ مِنه أشبه بالإنتحار، فالأبراجُ شاهِقة والحُراس يُطَوّقونهُ كالسوار. أما المَعبر الثّاني، فهوَ مَمر وعِر وشديدِ الخطورَة، حَيثُ يَلتف خَلفَ السِلسلة الجَبَلية وعَلينا عُبوره مِنْ نُقطةِ سقوطِ ماء الشّلالِ الهادر.. هذا هوَ دَربنا الوَحيد رغمَ أهواله! "
شَهَقت إيلين، وإرتَفعَ صوتها قليلًا بذعرٍ
" هل فَقدتِ صَوابكِ يا إيلارا؟! هذا جنون مَحض! لن أسمح لكِ بأن تُلقِي بنفسكِ في تَهلكة كهذه! "
وضعتُ كفي على فمها بسرعة وهمستُ بقَلق
" إيلين، أخفِضِي صوتكِ لئَلا يَسمعَنا الحُراس خلفَ الباب! "
عادَت لتهامِسَني بملامحٍ يَملؤها الرفض القاطِع وعَيناها مُتَسِعتان
" لن أسمحَ لكِ بتَعريضِ حَياتكِ للخَطر. "
تَنهّدتُ، وشَعرت برَغبةٍ عارِمَة في البُكاء المَرير، بسبب رفضها المُتَكرر بينَ الفِنيَة والأخرى، لكنّني تماسَكتُ وهَتفتُ برَجَاء ضَعيف
" إيلين..أنتِ تعرفين كم أنا بارِعَة في ركوب الخَيل، لا تقلقِ عليّ، أعدكِ أنّني سأنجو، فقَط أرجوكِ.. كونِي عَوني فِي هذهِ المِحنَة. "
تبادَلنا النّظرات؛ نَظراتَها القَلِق الحَائِرة أمامَ نَظراتِي اليَائِسَة المَليئَة بالدموع ، حَتى تَنهّدَت أخيرًا وأومَأَت برأسها بحزنٍ مُستَسلم.
إبتَسمتُ وسَطَ دموعِي، ومَسَحتُها بسُرعة بأصابِعي لأعودَ إلى الخَريطة
" انظُري، هذهِ قرية فالديرون، أولى القُرى الحِدودية التّابِعَة لڤالينور، سَتكونُ نُقطَةَ إلتِقائَنا حينَ تتمكّنينَ مِنَ الهَربِ أيضًا . سأقومُ بربطِ شَريطٍ أحمَرٍ حولَ جِذعِ شَجَرةٍ بارِزة هُناك، وأحفِرَ حرفي الأول على لِحائها، لتَستدلي على مَكاني.. اتفقنا؟ "
أومأَت لي برأسها، فباغَتُّها بحُضنٍ مُبهج سَريع سكَبَ في روحِي عَزيمة مُتَجدّدة، ثُمّ بَدأنا تَنفِيذ الخطة دون تباطؤ، فكُلّ شيء جاهِز.
أعَدتُ الخَرائِطَ إلى مَخبئِها السرّي، وجَرّدتْ إيلين نفسَها من ثيابِها وسَلّمَتني إيّاها، بينَما إرتَدَت هيَ فُستانًا مِنْ فَساتيني البَسيطة.
حزَمتُ كُلَّ ما أحتاجـه مِنْ مؤَن يسيرة ومُدّخَرات في جِراب جلدي، ولم أنسى بالطّبع زيّ الحارِس ، دَثّرتُ الجِرابَ جيّدًا تحتَ الثّياب، ثُمّ التفتُّ إلى إيلين مُحَذّرة بنَبرةٍ حاسِمة
" تَذَكّري جيدًا يا إيلين.. إنْ كُشِفَ أمركِ، قولي إنّني باغتُّكِ بِضَربةٍ وسلَبتُكِ ثيابَكِ عسفًا وهرَبتُ، لا تذكُري لهُم عَونكِ لي أبدًا، وإلا سيُهلككِ أبي."
بكَت إيلين وهيَ تَطبقُ ذِراعَيها حَولي للمَرّة الأخيرة، ثمّ أسقَطنا المَزهرية البرونزية لتَتَحطّم على الأرضِ بجَلبَة مَكتومة، وجَرحتُ يَدي بقِطعةِ زجاجٍ حادّة، ولطّختُ بدَمي جَبهتها الشاحبة لتَبدو الضّربة وَاقِعية.
خرجتُ مِنْ جَناحِي المَلَكي بعدَ أن ألقَيتُ عليهِ نظرةً أخيرة، أحفَظُ تَفاصِيله التي كانَت تعجّ بالدّفء والتّرانيمِ يومًا ما.
تسَلّلتُ في عَتمةِ الرّدهات بزي الخَوادم، مُطَأطِئة رأسِي ، وأنا أحمِلُ الصينية بَين يَديّ كأنّني طَيفٌ عَابِر لا يَراهُ أحَد، تجاوزتُ الحراسُ بخفة وتسلّلتُ عبرَ المَطبَخ ومِنهُ إلى بابِ الخَدم المُطِل على الحَديقة الخَلفية.. إرتدَيتُ زيّ الحراسِ سريعًا ثمّ صِرتُ في العَراء، والإصطَبلُ بات على مَرمى حَجر.
ولكن.. تمَلّكني الغَباءُ للحظة؛ فماذا عنِ الحُراس المُرابطين أمامَ بابِ الإصطَبل؟! تيَبستُ في مَكاني، ثمّ لمِعَت في رأسي فِكرة مُستَعِرة.
خَطفتُ مشعلاً مِنَ المشَاعِل البرونزية المُعَلّقة على الجِدار، وقذفتُ بهِ وَسَط جُبّ الأشجار الكَثِيفة القَريبة، وما إن بَدَأت النّيرانُ تَلتهِمُ الأغصَان الجافَة وتَتَصاعدُ أعمِدَة الدُخان، حَتى صرختُ بأعلى صَوتي مُتصنعةً الذعر، ومُغَيرةً بَحة صوتي نائِحَة
" حَريق! حَريق هائِل في الحَديقة الخَلفية "
هرَعَ حُراس الإصطَبل نحوَ اللهبِ المُستَعِر يُحَاوِلونَ إخمادَه، وفي خَضمِ تلكَ الفوضى ، تسلّلتُ كالقِطّة إلى داخِل الإصطَبل، إمتَطَيتُ صَهوةَ حِصانِي أوريك، وأنا التِي تعلّمتُ فنونَ الفروسِية سِرًا على يَدِ خالي مِنذُ نعُومةِ أظافري.
لقد فعَلتُها!.. نعَم، فعلتُها! انطلقتُ بأوريك كالسّهم المارق، والريحُ الباردة تلطِمُ وَجهِي بقَسوة، وتَطير بخُصلاتِ شَعري. تجَاوزتُ تِلكَ البَوابة الملكية ، تارِكةً خَلفي أسوارَ القَصرِ الكَئيب وقهرَ والدي.
وبعدَ سيرٍ مُستمِر، هاهوَ مسَاءُ اليوم التالي قد أسدَلَ ستاره،
ودلَفتُ أخيرًا إلى أعماقِ الغابَة المُظلِمة التي ما إن أعبرها سأقتَرِب لحدود ڤالينور، كانت الأشجارُ تتشابَكُ فوقَ رأسي كأصابعَ وحوشٍ أسطورية تُطارِدني، والظّلام الحَالِك يَلّفَني مِن كُلّ جانب كأنّه كفن أدهَم.. يا إلهِي، المَكان مُوحِش ومُرعب ويُفزِع القلوب، لكنّ رُعبَ هذهِ الغابة أهونُ على روحي بألفِ مَرة مِنْ حُضنِ ذلك الأمير الفاجر.
END POV
جلسَت على صَخرة بجانبِ جدولَ ماءٍ صغير لتَرتاحَ قليلًا، تارِكةً الحِصانُ ليَشرب، وهيَ تنظُر الى السّماءِ ، بينما تضمُّ جسَدَها بيَديها، وخصلاتها الكهرمانيّة تُداعِبَها الريّاح ، لكنّ سكونَ الغابة الكئيب قَد تبدّدَ بأصواتٍ ألِفَتها وأقشعَرّ بدنُها لها، صلصة الدّروع الحديدية، ووقعُ أقدامِ الحُراس الثّقيلة وهُم يُمَشّطونَ الأحراش تعقبها صَيحاتٌ غاضِبة بإسمهـا.
تسَمّرت مكانها والأنفاسُ تتَسابَقُ في صدرِها، نهَضَت وقدِ إضطَرَبت رُكبتاها، وكادَت تسقطُ أرضا مِنْ شدّةِ الهَلَع، لملمَت شتاتَ نفسَها المُبَعثر، هامِسَة بصَوتٍ مخنوقٍ بالعَبَرات
" سأهربُ قبلَ أن تُطوقني قيودَهم.. عليّ ذلك . "
إرتَجَفت يَداها وهيَ تقبِضُ على رسنِ جَوادها، إعتَلَت صهوَتهِ برعشة ثمّ نغَزَت خاصِرَتهُ فإنطَلَقَ يختَرِقُ ظُلمَة الغاباتِ المُتَشابِكَة وكانَ الجنودُ يتبَعونهـا كأسرابِ الغِربان
إنطَلَقَت بأقصَى سُرعَتها وهيَ لا تَلتَفِت وراءَها، تُنَاشِدُ جَوادَها العَدْوّ كأنّما تُسابِقُ الموتَ نفسَه، غُصون الأشجارِ الجّافة تخدِشُ وجهَها وتُمَزّق أطرافَ ثَوبِها، ولفَحَـاتُ البَردِ تَلسَعُ صَدرها الخافِق.
لكنّ صَدى حَوافِرِ خيولِ الحَرَسِ التي كانت تقتَرِبُ شيئًا فشيئًا كانَ السّوط الحَقيقيّ الذي يدفَعُها للأمام.
مَضى الكَثيرُ وبعدَ يومَين مِنَ الركضِ المُتواصِل، حتى إنقشَعَت كَثافَةُ الأشجارِ، وتراءَى لها مِنْ بعيدٍ الهَول الذي كانت تنتظِره، إبتَعَدت عَنْ أعين أبراج المراقبة التي تحرِسُ معَابِرَ النّهر، وتَناهى إلى سَمعها دويُّ رعديّ، إنّهُ الشلالُ.
إتجهَت إلى السلسلة الجَبلية لذلِك المَعبر الوعِر، الواقِع خلفَ الشلال
إبتَلعَت رِيقهَا برعبٍ، ثمّ نَزَلت عَنْ حصانها مُمسِكةً لجامَه، وأخذَت تَتسّلقُ الجَبلَ بحَذَر
" يا رجال، إنّها تتجِه إلى ڤالينور!...توقّفِ يا سمُوّ الأميرة، لا مَفرّ لكِ! "
صاحَ أحَد الحُراس وهوَ يتبعُها ثمّ أمسَكها مِنْ كتِفهـا بقوّة
صرَخت بدورها وغرزت خنجَرًا حادًا في صَدرهِ تأوّه الحارس وسَقطَ مُتَدحرجًا على العُشبِ البارد، بينما تراجَعَت إيلارا بخطواتٍ مُرتَعشة، والخنجر يَرتجفُ بين أصابعها المُلطّخة بالدّماء.
لم يكُن هناكَ وقتٌ للنَدمِ أو البكاء؛ صدى حوافر الخيول وصَيحات بقيَة الجنود كانت تَقتربُ كقصف الرّعد وسَطَ هذا الليلِ البَهيم.
ركِبت ظهرَ جوادها وإنطَلَقت نحوَ المَعبر الصّخري، كانَ ضيقًا كحَدّ شفرة، تتآكلُ أطرافهُ الحَجَرية بفعلِ الرطوبة الدّائِمة، تُغَطّيهِ طَحالِبٌ لَزِجَة جَعَلت حوَافِرَ الحِصان تنزَلِق عدةَ مرّات، على حافّة الهَاوِية السّحِيقة، خطَأ واحِد سيُودي بحَياتها ويُحَطّم الشّلالُ العَنيف عِظامَها.
كانَ الماءُ يَتدفقُ صَبيبَه بعنفوان يَصّمُ الآذان، ويَتَناثَرُ رذاذَهُ الكَثيف ليَحجبَ الرؤية تمامًا، وكانَ أوريك يثورُ ذعرًا مِنْ دوي السقوطِ العاتِي للماء، فأضطّرت إيلارا أن تنزِلَ عَنْ صَهوَته وتقودَهُ بحَذر مُمسِكَة بلجامـه حافِيةَ القَدَمينِ بعدَ أن تمَزّق حذاؤها الخَفيف فوقَ الحِجَارة المُدَبّبة.
في تِلكَ اللحظاتِ العَصيبة، إنزَلقت قدَمها وتعَثّرت على وشَكِ السقوطِ في المُنحَدَر المائي، صَرَخت رُعبا وتمَسّكت بجذعِ شجَرة يابِسة نبتت بينَ الصخـور ، وبينما كانَ جَسَدها مُعلّقًا بينَ السّماءِ والهاوِيَة، تسَمّرت أنفاسَها. وجَفلت حوافِر أوريك وإرتدّ إلى الخَلفِ بصَهيلٍ ذَعِر قطّع نياطَ قلبها
لكنّ لِجامه ظلّ مشدودًا في يَدها اليُمنى، بينما يدَها اليُسرى تنزِف إثر تشبّثها القاتِل بجذع الشَجرة.
تحَامَلت على آلامها، ودموعها تختلط برذاذ الشّلال البارد الذي أعماها. رَفعَت جَسَدها بجهدٍ مُستندةً على الصخور ، لتَستوي واقِفةً مَرّة أخرى على المَمرّ الزَلِق، وأقدَامها الحافِية تنزِفُ دمًا قانيًا صبغَ الطّحالب.
مسَحَت وجههَا المُبَلل بأكمَامِ زي الحُراس المُمَزّق، وهمَسَت للحصان بينما تداعِب شعرَه
" أرجوك يا أوريك.. خُطوَة واحِدة بعد. "
إندَفعت تقودُه عبرَ المُنعَطَفِ الأخير والخَطِير تحتَ لسَان الشّلال الهادر مباشرةً.
كانَ ضَغطُ الماء والرياح يَعصِفُ بجَسدها الضّئيل، والمَمر يَكادُ يَختَفي تحتَ أقدَامها.
فَجأة، إنقشعَ الرذاذ قليلًا لِتَجد نفسَها على أرضٍ صُلبة كَسَتها الحَشائِش الخضراء القَصيرة.. لقد عَبرت الحِدود! دَخلت أراضي مملكة ڤالينور أخيرًا!.
شقّ وهَجُ الشّمسِ حجب الظَلام، تلألأ ماءُ النّهرِ ببريقٍ أخاذ كأنّهُ نثارٌ مِنْ ألماس، مَشَت بخطى مُتَعثّرة، تُمسِك بيَدَها لجامَ أوريك، وبَعدَ ساعات، وصَلَت إلى مشارِف قَريةِ فالديرون، كانت قَرية هادِئة، بيوتُها حجريةّ بسيطة وبعضها خشَبية، تحفّها حقولُ الزهور.
نظَرَت إلى مَدخَل القَرية، و وَقَعت عيناها على شجَرَةِ بلّوطٍ قَديمـة، تحَامَلت على جَسَدها المُنهَك، وإقتَرَبت بينما تسحَبُ مِنْ جرابها الجلدي- الذي نجَى مَعَها بإعجوبَة- شريطًا أحمَر، لتَقومَ برَبطهِ بإحكام حولَ الجذع، ثمّ إستَلّت الخَنجر، وحَفَرت حرفَ إسمها الأول على اللحاء.
تراجَعَت خطوتَينِ إلى الخَلف، تنظُر إلى علامَة اللقَاء، وهَمَست ومُقلَتيها تغرقانِ
" لقَد نجَوتُ، أنا بإنتظاركِ إيلين. "
سَقَطت بجانب الشّجَرة تتكئُ على جذعهـا، كانَ كيانها يرتجِفُ بعنفٍ مِنْ فرطِ الإعياءِ، والجوع يَنهَشُ أحشاءها.
فَتحَت كفّها المُرتَعِشة مُحَدّقة بحفنة النقود التي تحمِلُ شِعارَ مَملكتها، هامِسة واليأسُ جَثمَ على صدرها كصخرةٍ ثَقيلة بينما تضعُ رأسها بينَ ساقَيها المثنيتين
" تبًا.. حتى عُملَتنا لا قيمة لها هنا، سأكون مُجَرّد مُتشردة في هذهِ البلاد. "
إستَسلمت لنَوبة مِنَ الأنين الضّعيف، تُمسِك مَعِدتها بقوّة.
" يا فتاة؟ "
02
ملحمة ڤالينور · بقلم Byunil