الفصل الأول: الوردة الحمراء
كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً حين عاد هيثم إلى الشقة التي يقيم فيها مؤقتًا خلال فترة تدريبه.
لم يكن في ذلك اليوم ما يستحق التذكر. ساعات طويلة انقضت بين العمل والتدريب، ووجوه مألوفة، وطرقات اعتاد المرور بها، ثم عودة إلى المكان نفسه الذي يستقبله كل مساء.
كانت الشقة بسيطة، تتوزع فيها الأشياء على نحوٍ لا يعكس اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل. غرفة معيشة صغيرة، وأثاث يؤدي غرضه، وجهاز تلفاز، وطاولة تتجمع فوقها أشياء لا يجد أحد ضرورة لترتيبها.
كان زوج أخته يعود من عمله منهكًا، ثم يستقر أمام ألعاب الكمبيوتر، مستمتعًا بساعات هادئة لا يشاركه فيها أحد. وبالقرب منه زجاجة من شرابه المعتاد، بينما تنبعث من الجهاز أصوات الألعاب التي أصبحت جزءًا من أمسيات المنزل.
أما هيثم، فقد اعتاد أن يقضي ساعاته أمام حاسوبه المحمول.
كان يجد في الإنترنت شيئًا لا تمنحه إياه الأيام المتشابهة. عالمًا مفتوحًا، لا يحتاج الدخول إليه إلى أكثر من اتصال بالشبكة واسم مستعار، يستطيع خلفه أن يتحدث مع أشخاص لا يعرفهم، وأن يكتشف حياة لا تمر أمامه في الواقع.
في تلك الفترة، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تأخذ مكانها في حياة الشباب. كانت المنتديات وغرف المحادثة وصفحات «هاي فايف» مساحات جديدة للتعارف، يلتقي فيها الغرباء دون مواعيد سابقة، وتبدأ العلاقات أحيانًا من زيارة عابرة لصفحة شخصية.
وكانت الصور قليلة، والأسماء الحقيقية أقل حضورًا. اختار كثيرون أن يختبئوا خلف رموزٍ وعبارات لا تكشف هوياتهم، فامتلأت الصفحات بالورود والقلوب والمناظر الطبيعية وأسماء توحي بالحزن أو الشوق.
لم يكن هيثم مختلفًا عن أبناء جيله.
كان يتصفح تلك الصفحات بدافع الفضول، وينتقل بين الملفات الشخصية، ويقضي ساعات في محادثات قصيرة غالبًا ما تنتهي دون أن تترك أثرًا.
وفي بعض الليالي، كان يتحدث إلى أشخاص لا يجيد لغتهم، فيستعين بترجمة غوغل لفهم الرسائل وصياغة ردوده. وكانت العملية بطيئة، لكنها تحمل متعة الاكتشاف، وتمنحه شعورًا بأنه يستطيع الوصول إلى أماكن وأشخاص أبعد من حدود يومه المعتاد.
ومع مرور الوقت، أصبح المساء موعدًا ينتظره.
من السابعة حتى الحادية عشرة، كان الحاسوب يحتفظ بجزءٍ من حياته لا يعرف عنه الآخرون الكثير.
وفي إحدى تلك الأمسيات، وبين عشرات الصفحات التي مرّ عليها دون اهتمام، استوقفته صورة وردة حمراء.
كانت الصورة تنتمي إلى حساب فتاة تُدعى فاطمة.
لم يكن في الصفحة ما يكشف الكثير عن صاحبتها. معلومات قليلة، واسم بسيط، وصورة رمزية لا تحمل ملامح بشرية.
كانت فاطمة في السابعة عشرة من عمرها، تدرس في المرحلة الثانوية، وتقضي بعض أوقات فراغها على الإنترنت، كما يفعل كثيرون ممن اكتشفوا حديثًا متعة الحديث إلى أشخاص خارج محيطهم اليومي.
بدأ التعارف بتحية عابرة.
لم يكن لدى هيثم سبب محدد يجعله يعتقد أن هذه المحادثة ستكون مختلفة عن سابقاتها. ولم تكن فاطمة تنتظر من ذلك الغريب شيئًا يتجاوز حديثًا يخفف عنها ملل المساء.
لكنها كانت تحب الحكايات.
وكانت تفاصيل يومها تتدفق بسهولة كلما وجدت من يصغي إليها.
بدأت بالمدرسة، ثم انتقلت إلى صديقاتها، وأحداث منزلها، والمواقف الصغيرة التي كانت تحدث بين أفراد عائلتها الكبيرة.
لم تكن حكاياتها مرتبة، بل تنتقل من ذكرى إلى أخرى، ومن حادثة مضحكة إلى شكوى عابرة، كأنها تفتح دفاتر يومها أمام شخص لا تخشى أحكامه.
أما هيثم، فقد وجد نفسه يتابع تلك التفاصيل دون أن يشعر بمرور الوقت.
في البداية، لم يكن اهتمامه يتجاوز الفضول الطبيعي تجاه فتاة مجهولة. كان يتخيل ملامحها من طريقة كتابتها، ويحاول أن يستنتج شخصيتها من الكلمات التي تختارها، دون أن يملك ما يؤكد صحة تصوراته.
ومع ذلك، استمرت المحادثة.
في الليلة التالية عاد إلى الصفحة نفسها.
ثم تكرر الأمر بعد يومين.
وبدأت المصادفة تتحول إلى عادة صغيرة.
لم يكن أحدهما قد وعد الآخر بشيء، لكن كليهما أصبح يتوقع أن يجد رسالة جديدة حين يفتح الموقع.
كان الماسنجر في ذلك الزمن أكثر من وسيلة لتبادل الرسائل. كان مساحة شخصية يحتفظ فيها الناس بأسمائهم المستعارة وصورهم الرمزية وعباراتهم المفضلة، ويتركون فيها إشارات صغيرة إلى ما يشعرون به.
كان ظهور حالة الاتصال يمنح الآخرين شعورًا بالحضور، وكان الغياب يثير أسئلة لا يجدون لها إجابات إلا حين يعود صاحب الاسم إلى الشاشة.
احتفظت فاطمة بوردة حمراء إلى جوار اسمها.
وأصبح هيثم يعرف مكان ذلك الاسم بين بقية الأسماء.
شيئًا فشيئًا، بدأ ينتبه إلى مواعيد دخولها.
صار يعرف أن حديثها يطول في بعض الأمسيات، وأنها قد تختفي مبكرًا في الأيام التي تسبق امتحاناتها. وكان يشعر بأن الليل أصبح أقصر حين تتصل، وأطول حين تغيب دون موعد.
لم يكن ذلك حبًا بعد.
كان نوعًا من الألفة ينشأ حين يكرر شخصان اللقاء في المكان نفسه، حتى يصبح وجود أحدهما جزءًا من يوم الآخر.
كانت فاطمة تكتب كثيرًا.
وكان هيثم يقرأ أكثر مما يكتب.
ومن خلال تلك العلاقة البسيطة، بدأت تتكون بينهما معرفة لم تكن قائمة على الملامح أو اللقاءات، بل على التفاصيل الصغيرة التي يتذكرها كلٌّ منهما عن الآخر.
ومع اتساع تلك المعرفة، بدأت الأغاني تجد طريقها إلى المحادثات.
كانت موسيقى خالد عبدالرحمن وعبدالمجيد عبدالله ترافق أمسيات كثيرة من ذلك الجيل، وكان إرسال أغنية يحمل معنى يتجاوز الرغبة في مشاركة لحن جميل.
أحيانًا كانت الأغنية تعبر عن شوق لم يُعترف به، وأحيانًا تحمل عتابًا لا يستطيع صاحبه كتابته مباشرة.
وكان هيثم يستمع إلى الموسيقى عبر برنامج «ريل بلاير»، بينما تبقى نافذة الماسنجر مفتوحة أمامه، يتابع تغير حالة الاتصال، ويتوقف عن كل شيء حين يصل تنبيه جديد.
لم يكن يعلم متى بدأت فاطمة تحتل تلك المساحة من انتباهه.
فالعلاقات التي تنشأ ببطء لا تعلن دائمًا عن لحظة تحولها.
لا يحدث شيء استثنائي.
لا اعتراف كبير، ولا وعد، ولا حدث يغيّر مجرى الحياة.
فقط اسم يصبح مألوفًا أكثر من غيره.
ورسالة ينتظرها المرء دون أن يعترف بأنه ينتظر.
ومساء يفقد شيئًا من معناه حين لا يحضر الشخص الذي اعتاد أن يملأه بالكلمات.
ومع اقتراب نهاية ذلك الشهر، لم تعد فاطمة مجرد فتاة صادفها هيثم في موقع للتواصل الاجتماعي.
أصبحت جزءًا من تفاصيل يومه.
أما فاطمة، فقد وجدت في ذلك الحضور المنتظم راحة جعلتها أكثر ميلًا إلى مشاركة حكاياتها معه، حتى تلك التي لم تكن ترى أنها تستحق اهتمام الآخرين.
كان كلٌّ منهما يمنح الآخر شيئًا بسيطًا دون أن يدرك قيمته.
هي تمنحه سببًا للعودة إلى الشاشة.
وهو يمنحها شخصًا لا يملّ من الاستماع.
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف أن الاعتياد قد يكون بدايةً لمشاعر أكبر من قدرة الإنسان على تفسيرها.
وفي إحدى الليالي، بعد أن انتهت المحادثة وأغلق هيثم حاسوبه، بقي مستيقظًا لبعض الوقت.
لم يكن يفكر في شيء محدد.
غير أن صورة الوردة الحمراء عادت إلى ذاكرته.
تذكر الكلمات التي كتبتها فاطمة، وبعض المواقف التي روتها، ثم وجد نفسه يتساءل عن ملامح وجهها.
كان قد عرف الكثير من تفاصيل يومها، لكنه لم يعرف بعد كيف تبدو حين تضحك، ولا كيف تتغير ملامحها عندما تغضب، ولا إن كانت تشبه الصورة التي بدأ خياله يرسمها لها.
وللمرة الأولى، شعر بأن الكلمات لم تعد تكفيه تمامًا.
كان يريد أن يرى الوجه الذي تختبئ خلفه كل تلك الحكايات.
وهكذا، دون أن يدرك، انتقل هيثم من فضول الحديث مع فتاة مجهولة إلى فضول معرفة الفتاة نفسها.
وكانت الوردة الحمراء لا تزال الصورة الوحيدة التي يعرفها عنها.