ساد الهدوء داخل المنزل.
جلس الأربعة حول الطاولة، بينما كانت خريطة المدينة لا تزال مفتوحة أمامهم.
قطع حازم الصمت.
— الشيء الوحيد الذي تأكدنا منه الليلة...
هو أن السيد ياسين خرج من ذلك المستودع وهو يحمل إجابات.
تنهد إياد.
— لكنه لن يخبر أي شخص بسهولة.
هز حازم رأسه موافقًا.
— لهذا السبب لا يمكن أن نذهب إليه كمحققين.
ولا حتى كأشخاص يبحثون عن المعلومات.
أضافت لارا وهي تستند إلى الكرسي:
— وإذا شعر أننا نطارده...
فسيغلق الباب في وجوهنا.
ساد الصمت من جديد.
بدأ الجميع يفكر.
قال إياد بعد لحظات:
— ماذا لو راقبناه يومًا أو يومين؟
أجاب حازم:
— سنضيع الوقت...
ونحن لا نعرف ماذا تخطط العصابة بعد الليلة.
رفعت نور رأسها.
بدت وكأنها اتخذت قرارًا.
— سأذهب أنا.
التفت الجميع إليها.
تابعت بهدوء:
— لن أذكر العصابة...
ولا المستودع...
ولا الملف.
سأتحدث معه كرجل مرّ بصدمة ويحتاج إلى شخص يسمعه.
إذا شعر أنني جئت لأستجوبه...
فلن ينطق بكلمة.
أما إذا شعر أنني أريد مساعدته...
فقد يخبرني بما حدث من تلقاء نفسه.
نظر إليها حازم طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— هذا بالضبط ما كنت أبحث عنه.
قال إياد:
— أظن أن نور هي الأنسب.
وأضافت لارا:
— وأنا أوافق.
نظر حازم إلى نور.
— إذًا غدًا صباحًا...
ستذهبين إلى الفندق وحدك.
لكن تذكري...
لسنا بحاجة إلى بطولة.
نحن بحاجة إلى معلومة واحدة فقط.
أومأت نور بثقة.
— سأحصل عليها.
وقف حازم وأغلق الخريطة.
— إذًا...
لنرتاح الليلة.
غدًا...
سنبدأ أول خطوة حقيقية نحو كشف أسرار كارڤين.
انطفأت أنوار الغرفة...
بينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل…
اليوم التالي – 08:40 صباحًا
فندق رويال
غادرت نور المنزل وحدها.
كانت تسير بخطوات هادئة وهي تستعيد في ذهنها كلمات حازم.
"لا تستجوبه... اجعله يتكلم بنفسه."
بعد دقائق...
وصلت إلى الفندق.
دخلت بهدوء، ثم جلست في أحد المقاعد القريبة من بهو الاستقبال، وكأنها تنتظر شخصًا.
لم يمض وقت طويل...
حتى انفتح باب المصعد.
خرج السيد ياسين.
كانت علامات الإرهاق واضحة على وجهه، وكأنه لم يذق النوم طوال الليل.
تقدمت نور نحوه بابتسامة هادئة.
— صباح الخير، أستاذ ياسين.
توقف للحظة.
نظر إليها باستغراب.
— هل أعرفك؟
— لا...
لكنني أردت فقط أن أطمئن عليك.
انعقد حاجباه.
— تطمئنين ؟
أومأت بهدوء.
— سمعت بما حدث لك مؤخرًا...
وأردت أن أعرف إن كنت بخير.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال ببرود:
— ومن أخبرك أن شيئًا حدث لي؟
صمتت نور لثوانٍ.
— لم أقصد التدخل في شؤونك...
ابتسم بسخرية.
— إذًا لماذا أنت هنا؟
أجابت بهدوء:
— أحيانًا... الحديث مع شخص غريب يكون أسهل.
اقترب منها خطوة.
كانت نظراته حادة.
— اسمعي...
من أرسلك؟
هزت رأسها.
— لم يرسلني أحد.
ارتفع صوته قليلًا.
— كفى!
هل تعملين مع الصحافة؟
أم مع الشرطة؟
أم مع أولئك الذين يراقبونني؟
تراجعت نور خطوة.
— أنت تسيء فهمي.
ضرب بيده على طاولة الاستقبال.
حتى التفت بعض نزلاء الفندق نحوه.
— اتركيني وشأني!
لا أريد أن أرى أي وجه يحاول الاقتراب مني!
ولا أريد أن أسمع أي سؤال آخر!
ساد الصمت في البهو.
أخفضت نور رأسها.
— آسفة...
لم يكن قصدي إزعاجك.
استدارت وغادرت الفندق بهدوء.
أما السيد ياسين...
فبقي واقفًا في مكانه، يتنفس بغضب.
ثم نظر من خلال الباب الزجاجي إليها وهي تبتعد.
فُتح باب المنزل.
دخلت نور وهي تبدو مستاءة.
رفع حازم رأسه فورًا.
— ماذا حدث؟
ألقت حقيبتها على الأريكة وجلست.
— لم أحصل على شيء.
ساد الصمت.
أكملت وهي تتنهد:
— حاولت أن أتحدث معه بهدوء... لكنه كان متوترًا بشكل غير طبيعي.
نظر إليّ وكأنني عدوة.
واتهمني بأنني أعمل مع الشرطة... ثم طردني أمام الجميع.
قال إياد:
— يبدو أنه فقد ثقته في كل من حوله.
هز حازم رأسه.
— هذا متوقع بعد ما حدث الليلة الماضية.
ساد الصمت من جديد.
وفجأة...
سمعوا باب إحدى الغرف يُفتح.
التفت الثلاثة في الوقت نفسه.
خرجت لارا.
كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون هادئ، وصففت شعرها بعناية، وكأنها تستعد لحضور مناسبة لا لمهمة سرية.
نظر إليها إياد باستغراب.
— إلى أين أنت ذاهبة؟
ابتسمت وهي تضع ساعة يدها.
ثم نظرت إلى نور.
— لا تقلقي...
لقد قمتِ بما عليك.
تدخل حازم:
— وما الذي تنوين فعله؟
ابتسمت بثقة.
— الرجال من هذا النوع...
لا يتحدثون عندما تسألهم عن مشكلتهم.
يصمتون...
حتى يجدوا الشخص الذي يجعلهم يرغبون في الكلام.
نظر إليها حازم للحظات.
— هل أنت واثقة؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— دع الأمر لي.
اتجهت نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، التفتت إليهم وقالت:
— لا تنتظروني على الغداء...
أما الأخبار...
ستصلكم الليلة.
فتحت الباب وغادرت.
ساد الصمت داخل المنزل.
نظر إياد إلى حازم ثم قال مبتسمًا:
— يبدو أن لديها خطة.
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة وهو يراقب الباب الذي خرجت منه.
— آمل أن تنجح .
قبل أن تصل إلى الفندق...
توقفت لارا أمام محل صغير لبيع الزهور.
تأملت الباقات للحظات، ثم اختارت باقة من الورود البيضاء.
دفعت ثمنها، وخرجت وهي تحملها بين يديها.
ابتسمت لنفسها.
— أحيانًا... يبدأ أكبر حديث بسبب أبسط الصدفة.
دخلت الفندق بهدوء.
توجهت إلى موظف الاستقبال.
— عذرًا... أبحث عن قريب لي، لكني نسيت رقم غرفته.
ابتسم الموظف.
— ما اسمه؟
— السيد ياسين.
نظر الموظف إلى السجل.
— خرج منذ قليل، لكنه سيعود إلى الطابق الرابع بعد دقائق.
شكرته لارا، ثم اتجهت نحو السلالم.
وقفت في الممر المؤدي إلى الطابق الرابع، تنتظر.
وبعد لحظات...
انفتح باب المصعد.
خرج السيد ياسين وهو شارد الذهن، لا ينظر أمامه.
سارت لارا نحوه بخطوات هادئة...
وفي اللحظة المناسبة...
اصطدمت به.
سقطت باقة الورد على الأرض، وتناثرت الورود في الممر.
تراجعت لارا وهي تمسك كاحلها.
— آه...
يبدو أن قدمي قد إلتوت.
انحنى السيد ياسين بسرعة وجمع الورود المتناثرة.
ثم نظر إليها بقلق.
— هل أنتِ بخير؟
ابتسمت رغم الألم الذي كانت تتظاهر به.
— أنا بخير...
لكن يبدو أن الورد لم يكن محظوظًا مثلي.
نظر إلى الباقة التي تهشمت.
ثم قال معتذرًا:
— أعتذر... سأشتري لك باقة جديدة.
ضحكت لارا بخفة وهزت رأسها.
— لا داعي لكل هذا.
ثم نظرت إليه بابتسامة ماكرة.
— إذا كنت مصرًا على تعويضي...
فاعزمني إلى الغداء بدلًا من شراء الورد.
تفاجأ السيد ياسين.
نظر إليها لثوانٍ، وكأنه لم يتوقع هذا الرد.
ثم خرجت منه ضحكة قصيرة...
ربما كانت الأولى منذ وصوله إلى كارڤين.
قال وهو يناولها آخر وردة بقيت سليمة:
— يبدو أنك بارعة في تحويل الحوادث إلى صفقات.
ابتسمت وهي تأخذت الوردة.
— وأنا أكره أن يضيع شيء جميل بلا مقابل.
ظل ينظر إليها لحظة.
ثم قال:
— حسنًا...
الغداء إذًا.
ابتسمت لارا ابتسامة انتصار صغيرة أخفتها بسرعة.
وقالت بهدوء:
— اتفقنا.
وسارا معًا نحو مطعم الفندق…
جلسا في زاوية هادئة من مطعم الفندق، تطل على البحر.
وضع النادل الطعام على الطاولة ثم ابتعد، وبقي الصمت بينهما للحظات.
كسر السيد ياسين الصمت وهو يبتسم ابتسامة خفيفة.
— لم أعرف اسمك بعد.
— لارا.
— وأنا ياسين.
ابتسمت.
— أعرف.
رفع حاجبيه باستغراب.
— يبدو أنني أصبحت معروفًا في كارڤين.
ضحكت بخفة.
— من الصعب ألا يعرف الناس رجلًا يريد تغيير مدينة كاملة.
تنهد وهو ينظر من النافذة.
— أحيانًا أشعر أن المدينة لا تريد أن تتغير.
لم تستغل لارا الفرصة مباشرة، بل أخذت رشفة من العصير وقالت:
— كل مدينة تحمل جراحها... وبعضها يخاف من المستقبل أكثر من الماضي.
نظر إليها باهتمام.
— تتحدثين وكأنك تعرفين كارڤين منذ سنوات.
— لا...
لكنني أعرف البشر.
عندما يصبح الإنسان عصبياً مع كل من يقترب منه... فهذا يعني أن أحدًا جرح ثقته.
ساد الصمت.
أنزل ياسين الملعقة من يده.
— هل هذه محاولة لتجعلي أتحدث؟
ابتسمت دون إنكار.
— لا.
أنا فقط أكره رؤية شخص يحمل كل هذا الثقل وحده.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— بالأمس جاءت فتاة أخرى لتسألني الأسئلة نفسها.
ابتسمت لارا في سرها، لكنها لم تُظهر شيئًا.
— وأنا لا أحب الأسئلة.
أنا أحب القصص.
إذا أردت أن تحكي... سأستمع.
وإذا لم ترغب…
سننهي الغداء، و أشكرك لأنك عوضتني عن الورد.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم أخرج ياسين زفيرًا عميقًا.
— هل تؤمنين بأن الإنسان قد يثق بالشخص الخطأ؟
أجابت بهدوء:
— يحدث ذلك للجميع.
خفض رأسه.
— بالأمس...
ذهبت لاستعادة شيء يخصني.
ظننت أنني أعددت كل شيء...
لكنني كنت أنا الضحية.
لم تقاطعه.
لم تسأله: أين؟ ولا مع من؟
اكتفت بالإنصات.
تابع بصوت منخفض:
— الأشخاص الذين ظننت أنهم سيحمونني...
كانوا يعملون معهم.
لأول مرة في حياتي...
لم أعد أعرف بمن أثق.
ابتسمت لارا ابتسامة هادئة.
— إذًا لا تثق بي.
رفع رأسه إليها.
— ماذا؟
— لا تثق بي...
ولا بأي شخص آخر.
لكن لا تجعل خوفك يمنعك من رؤية الحقيقة.
لأن هناك فرقًا...
بين أن تفقد الثقة...
وأن تفقد الأمل.
ظل يحدق فيها للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— غريب...
أشعر أنني أعرفك منذ زمن.
ابتسمت وهي تنهض من مكانها.
— وربما...
هذه بداية صداقة جيدة.
بقيت لارا واقفة للحظات.
وقبل أن تغادر...
سمعت صوت ياسين خلفها.
— لارا...
التفتت إليه بهدوء.
— اجلسي قليلًا.
عادت إلى مقعدها دون أن تتكلم.
تنهد ياسين طويلًا، ثم شبك أصابعه فوق الطاولة.
— لم أخبر أحدًا بما حدث هناك...
ولا أعرف لماذا أشعر أنني أستطيع أن أخبرك.
ابتسمت لارا ابتسامة خفيفة.
— تكلم.
أطرق برأسه لثوانٍ.
— عندما دخلت المستودع…