NOVELFLEX

الطريق إلى كارڤين

كارڤين · بقلم Yassine

توقفت يد لارا عن الكتابة.

أخذت تنظر إلى النافذة وكأنها لا تهتم، بينما ركزت سمعها على حديثه.

ـ لا ليس اليوم….أضن أنهم غيرو موعد قدومهم.

ساد صمت قصير.

ثم تابع الرجل بصوت أخفض:

ـ المهم ألا تبقى الطريق مراقبة...

عبست لارا قليلاً.

"أي طريق يقصد؟"

حاولت الالتفات دون أن يلاحظها، لكنها لم تستطع رؤية وجهه، فقد كان يجلس خلفها مباشرة.

وبعد لحظات...

توقف القطار أخيراً في محطة كارڤين.

وقف الرجل بسرعة، وأغلق هاتفه، ثم غادر العربة قبل أن تتمكن لارا من رؤية ملامحه.

نظرت من النافذة تبحث عنه بين الركاب...

لكنه اختفى وسط الزحام.

أغلقت دفترها ببطء.

ورغم أنها لم تكن تملك دليلًا واحدًا...

إلا أن إحساسًا غريبًا أخبرها...

أن ما سمعته قبل قليل...

لم يكن مجرد مكالمة عابرة.

نزلت لارا وهي تحمل حقيبتها الصغيرة، ثم وقفت للحظات تتأمل المدينة.

كانت الشوارع تعج بالمارة، والمحلات تفتح أبوابها، بينما كانت المباني القديمة تمنح المكان طابعاً مختلفاً عن ميرفا.

ابتسمت وهي تتمتم:

ـ إذن... هذه هي كارڤين.

سارت ببطء بين الأزقة، تراقب الوجوه والمحلات، وكأنها سائحة جاءت لاكتشاف المدينة.

كانت تحفظ كل شيء في ذاكرتها.

أسماء الشوارع...

أماكن الكاميرات...

مداخل الأزقة الضيقة.

وبينما كانت تعبر أحد الشوارع...

مرّت دراجة نارية بجانبها.

اضطر سائقها إلى الانحراف فجأة لتفادي طفل ركض إلى الطريق.

اصطدم مقود الدراجة بحقيبة لارا.

سقطت الحقيبة على الأرض...

وتناثرت منها عشرات أوراق اللعب.

توقفت الدراجة فوراً.

خلع الشاب خوذته بسرعة، ثم اقترب منها.

ـ أنا آسف... لم أقصد.

انحنى يجمع أوراق اللعب معها.

أمسك بإحدى البطاقات، ثم نظر إليها مبتسماً.

ـ يبدو أنك محترفة.

ابتسمت وهي تأخذ البطاقة من يده.

ـ أحاول فقط أن أُمتع الناس.

نظر إلى بقية الأوراق بدهشة.

ـ هل تعملين في السيرك؟

ضحكت بخفة.

ـ ليس تماماً... أقدم عروض ألعاب خفة، وقد جئت إلى كارڤين لأقيم بعض الحفلات إذا وجدت المكان مناسباً.

أعاد إليها آخر بطاقة.

ـ اختيار غريب... هذه المدينة لا تهتم كثيراً بالعروض.

وضعت الأوراق داخل الحقيبة.

ـ ربما حان الوقت لتبدأ بالاهتمام.

ابتسم دون أن يشعر.

ثم مد يده إليها.

ترددت لحظة، ثم صافحته.

تبادلا النظرات لثوانٍ.

ثم ابتسم  قائلاً:

ـ أتمنى أن تنجح عروضك.

أجابت بابتسامة هادئة:

ـ وأنا أتمنى أن أستمتع في هذه المدينة.

ارتدى خوذته من جديد.

ـ إذا احتجتِ إلى معرفة أي مكان في كارڤين...فأنا هنا .

أدار محرك الدراجة.

وقبل أن ينطلق، التفت إليها مرة أخيرة.

ـ وحاولي ألا تُسقطي أوراقك مرة أخرى.

ضحكت.

ـ سأحاول... إذا لم تصطدم بي مجدداً.

انطلقت الدراجة واختفت بين الشوارع.

أما لارا...

فظلت تراقبها للحظات، ثم أكملت سيرها.

بينما كانت تواصل التجول بين شوارع المدينة، وتتأمل المحلات والوجوه، وتحفظ أسماء الأزقة في ذاكرتها.

لاحظت  الرجل الذي كان يتحدث في القطار.

متذكرة حديثه .

"الطريق المؤدي إلى كارڤين..."

كان يسيرعلى الرصيف المقابل مهرولاً في خطواته ، يحمل الحقيبة نفسها التي كانت معه في القطار.

ضيقت عينيها.

ـ إنه هو…

بدأت تسير خلفه من بعيد، محافظة على مسافة حتى لا يلاحظها.

دخل الرجل زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين.

ترددت لارا للحظة...

ثم تبعته.

لكن ما إن وصلت إلى الزقاق...

توقفت فجأة.

اتسعت عيناها.

كان الرجل ملقى على الأرض بلا حراك.

وبجانبه بقعة دم.

وضعت يدها على فمها وهي تقترب بحذر.

انحنت بجواره.

لم يكن يتنفس.

لفت انتباهها شيء أبيض موضوع فوق صدره.

ورقة مطوية.

نظرت حولها سريعًا...

لم يكن هناك أحد.

التقطت الورقة وفتحتها.

لم يكن مكتوبًا فيها سوى ثلاث كلمات...

"إلحق بتلك الفاشلة."

تجمدت في مكانها.

أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.

ـ الفاشلة...؟

لم تفهم المقصود.

في تلك اللحظة…

سقطت الورقة من يدها وقبل التقطها ...

وصل صوت خطوات من آخر الزقاق.

 ابتعدت عن الجثة قبل أن يراها القادمون.

متجهة نحو الشارع الرئيسي، بينما بدأ الناس يتجمعون عند مدخل الزقاق بعد سماع صرخات أحد المارة.

وقفت لارا بين الحشد، تنظر بصمت.

ثم همست لنفسها:

ـ هذه المدينة...

تخفي أكثر مما تُظهر.

و استدارت ببطء…

05:40 مساءً

توقفت سيارة أجرة أمام منزل صغير يقع في أحد الأحياء الهادئة، بعيدًا عن مركز المدينة.

نزلت لارا وهي تحمل حقيبتها، ثم نظرت إلى الورقة التي أعطاها لها المدير قبل المغادرة.

ابتسمت بخفة.

ـ يبدو أن هذا هو المكان.

أخرجت المفتاح، وفتحت الباب.

كان المنزل بسيطًا، لكنه مجهز بكل ما يحتاجه شخص سيقيم فيه أيامًا.

وضعت حقيبتها فوق الأريكة، ثم أغلقت الستائر بحذر.

تأكدت أن جميع النوافذ مغلقة، قبل أن تخرج جهاز الإتصال المشفر الذي سلّمه لها حازم.

ضغطت الزر.

لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاءها صوته.

ـ لارا... هل وصلتِ بسلام؟

تنهدت وهي تجلس على الأريكة.

ـ نعم... لكن الأمور هنا ليست كما توقعنا.

ـ ما الذي حصل .

أخذت نفسًا عميقًا.

ـ أثناء اقتراب القطار من المدينة، رأيت أسفل أحد الأودية عشرات الصناديق الخشبية والعلب الكرتونية. المكان بدا وكأنه مخزن سري، وليس مستودعًا عاديًا.

بدأ حازم يدوّن ملاحظاته.

ـ تابعي.

ـ ثم سمعت رجلًا في القطار يتحدث عبر الهاتف عن الطريق المؤدي إلى كارڤين، وكان ينتظر وصول شيء ما.

توقف قلم حازم.

ـ وبعدها؟

ـ عندما وصلت المدينة... رأيته مرة أخرى.

ساد الصمت.

ـ تتبعته حتى دخل زقاقًا.

ثم انخفض صوتها.

ـ وجدته مقتولًا.

اتسعت عينا حازم.

ـ ماذا؟

ـ وعلى صدره ورقة.

قبض حازم على القلم.

ـ ماذا كُتب فيها؟

أجابت ببطء:

ـ "إلحق بتلك الفاشلة."

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثم قال حازم بهدوء:

ـ لا تخبري الشرطة بما رأيت.

استغربت.

ـ لماذا؟

ـ لأننا لا نعرف لمن تعمل الشرطة هناك... ولا لمن تلك الرسالة.

أومأت رغم أنه لا يراها.

ثم أكملت:

ـ وهناك أمر آخر.

ـ تفضلي.

ابتسمت بخفة.

ـ التقيت شابًا هذا الصباح... اصطدم بي بدراجته النارية.

ضحك حازم .

ـ وهل هذه أيضًا من تقرير المهمة؟

ابتسمت هي الأخرى.

ـ لا... لكنني شعرت أنه يعرف المدينة جيدًا.

عاد حازم إلى الجدية.

ـ هل أخبرته من أنتِ؟

ـ لا... قلت له إنني جئت لتقديم عروض ألعاب خفة.

تنهد حازم براحة.

ـ ممتاز... أبقي هذه الشخصية حتى إشعار آخر.

نهضت لارا واتجهت نحو النافذة، ثم أبعدت الستارة قليلًا ونظرت إلى الشارع.

كان هادئًا...

هادئًا أكثر مما ينبغي.

عادت إلى جهاز الاتصال.

ـ متى ستصلون؟

أجابها حازم بثقة:

ـ كنا سنغادر غدًا عبر الطريق الجبلي...

ثم توقف للحظة.

ـ لكن بعد ما أخبرتِني عن ذلك الرجل والطريق... سأراجع الخطة من جديد.

ابتسمت لارا.

ـ لهذا اتفقت معك أن آتي أولًا.

أغلق حازم دفتر ملاحظاته.

ـ أحسنتِ يا لارا... ومن هذه اللحظة، لا تغادري المنزل إلا للضرورة. أشعر أن المدينة بدأت تراقبك.