NOVELFLEX

جاسوسة المقر

كارڤين · بقلم Yassine

في أسفل المبنى...

كانت سيارات الإسعاف تحيط بجسد مغطى بقطعة قماش بيضاء.

ساد الصمت.

ثم قال المدير بصوت منخفض:

ـ كانت الجاسوسة.

نظر إليه حازم بصدمة.

ـ هل... اعترفت؟

هز المدير رأسه.

ـ لم تمنحنا الفرصة.

أخذ نفساً عميقاً، ثم أكمل:

ـ قبل دقائق فقط... اعترفت بأنها كانت تنقل معلومات إلى جهة مجهولة.

ثم طلبت كوباً من الماء.

وحين انشغل الحارس للحظات...

ركضت نحو النافذة...

وقفزت.

ساد الصمت في المكان.

قبض حازم على يده بقوة.

ـ إذن... كانت تخشى شخصاً أكثر من خوفها من السجن.

التفت المدير إليه.

ـ وهذا يعني شيئاً واحداً...

رفع حازم رأسه.

ـ أن العصابة عرفت أننا اقتربنا منها.

أومأ المدير ببطء.

ثم نظر إلى أفراد الفريق.

ـ لم يعد لدينا وقت.

ظل الصمت يخيم على المكتب بعد خبر وفاة الجاسوسة.

أغلق المدير النافذة، ثم عاد إلى مكتبه وأخذ نفساً عميقاً.

ـ بعد ما حدث الليلة... قررت تأجيل المهمة.

نظر الجميع إليه باستغراب.

أكمل بصوت حازم:

ـ لن تغادروا غداً. إرسالكم الآن سيكون مخاطرة غير محسوبة.

ساد الصمت.

نظر إياد إلى حازم، ثم إلى المدير، لكنه لم يتكلم.

أما نور، فاكتفت بخفض رأسها وهي تفكر.

وفجأة...

تقدمت لارا خطوة إلى الأمام.

ـ اسمح لي... لكنني لا أوافق.

التفتت الأنظار إليها.

تابعت بثقة:

ـ إذا انتظرنا، فسنمنحهم الوقت لإخفاء آثارهم.

عقد المدير ذراعيه.

ـ وما الذي تقترحينه؟

اقتربت لارا من خريطة كارڤين المعلقة على الجدار.

ـ بلا شك سيكون مدخل المدينة مراقب من طرفهم أكيد، لذا أقترح أن لا يدخل الفريق كله.

أشارت إلى المدينة بإصبعها.

ـ يدخل شخص واحد فقط كمواطن عادي.

رفع المدير حاجبه.

ـ ومن يكون؟

نظرت إليه بثبات.

ـ أنا.

ساد الصمت داخل المكتب.

ابتسم إياد باستغراب.

ـ وحدك؟

أومأت برأسها.

ـ لن أدخل كمحققة... سأدخل كسائحة أو فنانة تقدم عروضاً في شوارع المدينة. هذا أمر لن يثير الشبهات.

نظرت إلى حازم.

ـ سأراقب المدينة فقط... لا مواجهة، ولا تحقيق، ولا مخاطرة.

تدخلت نور لأول مرة.

ـ وإذا كشفوا هويتك؟

ابتسمت لارا ابتسامة واثقة.

ـ عملي كله قائم على إقناع الناس بأنني شخص آخر.

ظل المدير صامتاً للحظات، ثم التفت إلى حازم.

ـ ما رأيك؟

فكر حازم قليلاً، ثم قال:

ـ إذا التزمت بالمراقبة فقط... فقد تكون هذه أفضل فرصة لمعرفة ما ينتظرنا.

عاد المدير إلى مقعده.

ظل ينظر إلى الملفات أمامه لثوانٍ طويلة.

ثم قال:

ـ حسناً...

لكن بشروط.

لا أي مواجهة.

لا أي محاولة للقبض على أحد.

وأول معلومة تحصلين عليها... ترسلينها مباشرة إلى حازم.

أومأت لارا بابتسامة.

ـ مفهوم.

أغلق المدير الملف أمامه.

ـ إذن...

ستغادرين مع أول قطار عند شروق الشمس.

أما أنتم...

فستبقون هنا حتى يصل تقريرها.

خرج الأربعة من المكتب.

وقبل أن يغلق الباب، التفت حازم نحو لارا وقال بصوت منخفض:

ـ تذكري...

أنتِ ذاهبة لتراقبي..

لا لتصبحي بطلة.

ابتسمت لارا وهي تتجه نحو الممر.

ـ لا تقلق…

05:20 صباحاً

كان ضوء الفجر يتسلل ببطء بين المباني، بينما بدت شوارع ميرفا شبه خالية.

توقفت سيارة حازم أمام منزل لارا.

خرجت بعد لحظات وهي تحمل حقيبة صغيرة على كتفها، ثم ركبت بصمت.

انطلقت السيارة نحو محطة القطار.

طوال الطريق، لم يتحدث أي منهما.

كان حازم يركز على الطريق، بينما كانت لارا تنظر من نافذة السيارة إلى المدينة التي تستيقظ ببطء.

بعد دقائق، وصلا إلى محطة القطار.

أوقف حازم السيارة، ثم التفت إليها.

ـ ما زال لدينا وقت. سأوصلك إلى كارڤين بالسيارة، سيكون الطريق أسرع.

ابتسمت لارا وهزت رأسها.

ـ لا... سأذهب بالقطار.

نظر إليها باستغراب.

ـ القطار سيستغرق وقتاً أطول.

أخرجت تذكرة من جيب سترتها وقالت:

ـ وهذا ما أريده.

عقد حاجبيه!

ـ لم أفهم.

ابتسمت وهي تشير إلى خريطة السكة المعلقة داخل المحطة.

ـ سكة القطار تمر بمحاذاة الجبال والوديان المؤدية إلى كارڤين... بينما الطريق السريع يختصر كل ذلك.

توقفت لحظة ثم أكملت.

ـ إذا كنت سأستكشف المدينة، فعلي أن أبدأ قبل أن أصل إليها.

نظر إليها حازم بصمت.

ـ أريد أن أرى الطرق المؤدية إلى كارڤين... المزارع... الأنفاق... وكل مكان يمكن أن يستغله أحد للاختباء.

ابتسم حازم ابتسامة خفيفة.

ـ يبدو أنك بدأتِ المهمة قبل وصولك.

ابتسمت لارا بدورها.

ـ لهذا اخترتني؟ أليس كذلك؟

أومأ برأسه.

ثم أخرج جهاز اتصال صغيراً وسلمه إليها.

ـ سيبقى مفتوحاً طوال الوقت. إذا لاحظتِ أي شيء غير طبيعي، أبلغيني فوراً.

أخذته ووضعته في حقيبتها.

في تلك اللحظة، دوى صوت صفارة القطار في أرجاء المحطة.

نظر حازم إليها للمرة الأخيرة.

ـ كوني حذرة.

ابتسمت بثقة.

ـ لا تقلق...

ضحك حازم بخفة.

حملت حقيبتها،

وصعدت درجات القطار.

وقبل أن تُغلق الأبواب، التفتت نحوه ولوحت بيدها.

لوّح لها حازم بالمثل، ثم بقي واقفاً يراقب القطار وهو يغادر المحطة ببطء.

على مشارف مدينة كارڤين

كانت عجلات القطار تشق السكة بهدوء، بينما بدأت الجبال تحيط بالمكان من كل جانب.

جلست لارا بجوار النافذة، وعيناها لا تفارقان المناظر الخارجية.

كلما اقترب القطار من كارڤين، أصبحت الطبيعة أكثر وعورة، والطرقات أقل ازدحامًا.

أخرجت دفترًا صغيرًا، وبدأت تدون ملاحظاتها.

"طريق واحد رئيسي... جبال مرتفعة... ووديان عميقة."

وفجأة...

مر القطار بمحاذاة وادٍ واسع.

لفت انتباهها شيء غريب.

في أسفل الوادي، كانت عشرات الصناديق الخشبية والعلب الكرتونية مكدسة بعناية، وكأنها تنتظر من ينقلها.

ضيقت عينيها وهي تحاول رؤيتها بوضوح.

همست لنفسها:

ـ غريب...

قلّبت صفحات الدفتر.

ـ لا أذكر أن في كارڤين مصانع .

اختفى الوادي سريعًا خلف الأشجار، لكن الصورة بقيت عالقة في ذهنها.

في تلك اللحظة، جلس رجل في المقعد خلفها، وأخرج هاتفه.

خفض صوته وهو يتحدث، لكن هدوء العربة جعل بعض كلماته تصل إلى أذن لارا.

ـ ...نعم، الطريق المؤدي إلى كارڤين...