لم أجد زعيم العصابة.
وجدت أربعة أشخاص فقط.
رفعت لارا حاجبيها باهتمام.
— أربعة؟
أومأ برأسه.
— رجلان...
وفتاتان.
كانوا جميعًا يضعون أقنعة.
لم أستطع رؤية وجوههم.
لكن...
لكل واحد منهم شخصية مختلفة.
سكت قليلًا وهو يسترجع ما حدث.
— أحد الرجلين...
لم يتكلم كثيرًا.
كان هادئًا بشكل مخيف.
أما الآخر...
فكان أطول منه، قوي البنية، لكنه بدا أصغر سنًا.
لم يكن يتصرف كالمجرمين الذين اعتدت رؤيتهم.
ثم ابتسم بسخرية.
— الغريب أن الفتاتين كانتا أخطر منهما.
إحداهما كانت تتكلم بثقة وكأنها هي من تدير اللقاء.
والأخرى...
كانت تضحك طوال الوقت.
كأن كل ما يحدث أمامها مجرد لعبة.
أنصتت لارا دون أن تقاطعه.
ثم سألته بهدوء:
— وهل ذكروا أسماءهم؟
هز رأسه.
— لا.
ولم ينادِ أحدهم الآخر باسمه.
وكأنهم تعمدوا ألا يتركوا خلفهم أي أثر.
تنهد وهو ينظر إلى البحر من خلف الزجاج.
— لكن هناك أمر واحد متأكد منه...
هؤلاء الأربعة...
ليسوا مجرد أتباع.
إنهم مدربون جيدًا.
و يثقون ببعضهم بطريقة مخيفة.
خفضت لارا نظرها للحظة.
كانت كل كلمة يقولها تضيف قطعة جديدة إلى اللغز.
لكنها لم تُظهر اهتمامًا مبالغًا فيه.
ابتسمت وقالت:
— إذًا...
أنت ما زلت حيًا.
وهذا يعني أن لديهم سببًا لتركك تغادر.
نظر إليها ياسين باستغراب.
— لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
— فكر فيه...
لأن الشخص الذي يترك خصمه حيًا...
يريد منه أن يفعل شيئًا بعد ذلك.
وقفت لارا استعدادًا للمغادرة.
ابتسم السيد ياسين وهو ينظر إلى لارا.
— أشكرك...
لا أعرف لماذا، لكن الحديث معك جعلني أشعر ببعض الراحة.
ابتسمت وهي تحمل حقيبتها.
— هذا يكفيني.
وقبل أن تستدير...
قال بصوت هادئ:
— هل...
يمكن أن نلتقي مرة أخرى؟
التفتت إليه.
بدت المفاجأة على وجهها للحظة، ثم ابتسمت.
— إذا سمحت لنا الصدفة...
فلن أمانع.
هز رأسه مبتسمًا.
— سأعتبرها وعدًا.
لوحت له بيدها، ثم غادرت المطعم.
سارت على الرصيف الواسع الذي يطل على البحر، وما زالت الوردة البيضاء بين أصابعها.
كانت شاردة الذهن...
حتى وقع بصرها على شاب يجلس وحده فوق أحد المقاعد الخشبية.
كان ينظر إلى البحر بصمت، ويعبث بمفتاح دراجته النارية بين أصابعه.
توقفت مكانها.
ابتسمت دون أن تشعر.
ثم اقتربت منه بخطوات هادئة.
ولم ينتبه إليها إلا عندما توقفت بجانبه.
رفع رأسه...
وتجمد للحظة.
— أنتِ...!
ضحكت بخفة.
— يبدو أن المدينة ما زالت تُصِر على جمعنا.
وقف من مكانه وهو يبتسم.
— مع أن كارڤين كبيرة...
إلا أنني أراك في كل مرة بطريقة مختلفة.
نظرت إلى الوردة التي تحملها.
ثم مدت يدها إليه.
— هذه لك.
نظر إلى الوردة باستغراب.
— لي؟
— نعم...
أظن أنها ستكون أجمل بين يديك.
أخذها برفق.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم.
— أول مرة أحصل فيها على وردة.
قالت ضاحكة:
— إذًا احتفظ بها جيدًا.
استدارت لتكمل طريقها.
لكن صوته أوقفها.
— انتظري.
التفتت إليه.
اقترب خطوة وهو لا يزال يحمل الوردة.
— في كل مرة أراك...
ترحلين بسرعة.
ابتسمت.
— ربما لأن الصدف قصيرة.
هز رأسه.
— إذًا...
فلنجعل هذه الصدفة أطول قليلًا.
سكت لحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
ثم قال:
— هل يمكنك أن تأتي للعشاء معي الليلة؟
نظرت إليه مبتسمة.
— دعوة مفاجئة.
ابتسم بثقة.
— والمصادفات الجميلة لا تأتي كل يوم.
خفضت نظرها للحظة، ثم أعادته إليه.
— حسنًا...
لكن بشرط.
رفع حاجبيه.
— وما هو؟
— تختار مكانًا هادئًا...
بعيدًا عن ضجيج المدينة.
ابتسم ابتسامة عريضة.
— أعرف مكانًا لن يزعجنا فيه أحد.
ابتسمت لارا موافقة.
— إذًا...
سأراك الليلة في المكان نفسه .
وقبل أن يضيف شيئًا...
استدارت وغادرت.
أما هو...
فبقي واقفًا في مكانه، ينظر إلى الوردة في يده، ثم إلى الطريق الذي اختفت فيه…
كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل عبر نوافذ المنزل، وتلون الغرفة بلون برتقالي هادئ.
انفتح الباب.
دخلت لارا وهي تخلع معطفها.
رفع حازم رأسه فورًا.
— كيف سار الأمر؟
جلست أمامهم، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
— أفضل مما توقعت.
اقترب إياد من الطاولة.
— هل تكلم؟
أومأت برأسها.
— نعم.
في البداية كان حذرًا...
لكن بعد الحديث بدأ يفقد ذلك الحاجز الذي بناه حول نفسه.
نظر إليها حازم بإهتمام.
— وماذا قال؟
— أكد أنه دخل المستودع.
وأخبرني أنه لم يجد زعيم العصابة.
وأن الشرطة كانت مزيفة
وجد أربعة أشخاص فقط...
رجلين...
وفتاتين.
تبادل الأربعة النظرات.
أكملت لارا:
— كانوا جميعًا يضعون أقنعة.
ولم يذكر أحد منهم اسم الآخر.
قال إياد:
— إذًا هم يتعمدون إخفاء هوياتهم حتى عن ضحاياهم.
هزت لارا رأسها.
— لكنه وصفهم.
قال إن أحد الرجلين هادئ جدًا...
أما الآخر فأصغر سنًا ويبدو أقوى جسديًا.
وإحدى الفتاتين كانت تتحدث بثقة طوال اللقاء...
بينما الأخرى كانت تضحك وكأن كل ما يحدث مجرد لعبة.
ساد الصمت.
كان حازم يعيد ترتيب المعلومات في ذهنه.
ثم قال:
— هذا أول وصف حقيقي وصلنا عنهم.
أضافت لارا:
— وهناك شيء آخر...
هو مقتنع أنهم تركوه يغادر عمدًا.
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة.
— لأنهم يريدون منه خطوة أخرى.
تمامًا كما توقعت.
نهض من مكانه، واتجه نحو الخريطة.
— كلما تقدمنا...
أدركنا أننا نواجه أشخاصًا لا يتركون شيئًا للصدفة.
وفي تلك اللحظة...
نظرت لارا إلى الساعة المعلقة على الحائط.
كانت تقترب من السابعة مساءً.
وقفت بهدوء.
التفت إليها الثلاثة.
قال حازم:
— إلى أين؟
ابتسمت وهي تتجه نحو غرفتها.
— سأخرج قليلًا.
رفع إياد حاجبيه.
— الآن؟
أجابت وهي تفتح باب الغرفة:
— نعم...
لدي موعد على العشاء.
نظر إليها حازم باستغراب.
— موعد؟
استدارت نحوه وابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لا تقلق...
قد يفيد مهمتنا أكثر مما تتوقع.
ثم دخلت الغرفة وأغلقت الباب.
ساد الصمت.
نظر إياد إلى حازم.
— هل نتركها تذهب وحدها؟
مرت دقائق من الهدوء...
ثم فُتح باب الغرفة ببطء.
خرجت لارا بثوب أنيق بلون كحلي، ينسجم مع أضواء المساء، وقد تركت شعرها منسدلًا على كتفيها.
توقف الجميع عن الكلام.
حتى إياد ابتسم وقال مازحًا:
— يبدو أن هذا ليس عشاءً عاديًا.
ابتسمت لارا وهي تعدل سوار معصمها.
نظر إليها حازم بنظرة جادة.
— هل أنت متأكدة من هذه الخطوة؟
اقتربت منه.
— متأكدة.
— قد يكون هذا الشخص خيطًا يقودنا إلى العصابة... وقد لا يكون.
لكن إن لم أذهب، فلن نعرف أبدًا.
ظل حازم صامتًا للحظات.
ثم قال:
— لا تنسي سبب وجودنا في كارڤين.
ابتسمت بثقة.
— لن أنساه.
أنا ذاهبة لأستمع أكثر مما سأتكلم.
ولن أذكر شيئًا عن مهمتنا.
ولا عنكم.
ولا عن أي شك يدور في رأسي.
أضاف إياد:
— وإذا حدث شيء؟
أخرجت هاتفها من حقيبتها.
— سأرسل رسالة فورًا.
قالت نور وهي تنظر إليها:
— كوني حذرة.
ابتسمت لارا.
— لا تقلقي...
لن أعود إلا وأنا بخير.
تقدم حازم خطوة، ثم قال بهدوء:
— إذًا...
استمتعي بالعشاء...
لكن أبقي عينيك مفتوحتين.
أومأت برأسها.
— دائمًا.
فتحت باب المنزل.
لفحتها نسمات المساء القادمة من البحر.
ألقت نظرة أخيرة على الفريق.
— إلى اللقاء.
ثم أغلقت الباب خلفها...
واختفت خطواتها في شوارع كارڤين التي بدأت تضيء مصابيحها استعدادًا لليلة جديدة.
انعكست أضواء المدينة على سطح البحر، بينما كانت الأمواج تتكسر بهدوء على الصخور.
وصلت لارا إلى المكان المتفق عليه.
المقعد الخشبي المطل على البحر...
المكان نفسه الذي التقته فيه آخر مرة.
كان يقف بالقرب منه، ويداه في جيبي سترته، يراقب الأفق.
ما إن لمحها حتى ارتسمت ابتسامة صادقة على وجهه.
تقدم نحوها بخطوات هادئة.
— كنت أخشى أن تغيّري رأيك.
ابتسمت.
— وأنا لا أحب أن أخلف وعدًا.
أخرج من خلف ظهره وردة حمراء، ثم مدها إليها.
— بما أنك أعطيتني وردة هذا الصباح...
رأيت أن أعيدها بطريقة أفضل.
ابتسمت وهي تتسلمها برفق.
— يبدو أنك تتعلم بسرعة.
ضحك بخفة.
ثم أخرج علبة صغيرة من جيب سترته.
فتحها ببطء.
كان بداخلها عقد تتوسطه نجمة صغيرة.
نظر إليها وقال:
— لا تقلقي...
ليست هدية كبيرة.
لفت نظري في أحد المحلات، وشعرت أنه يليق بك.
تفاجأت لارا للحظة.
ثم أغلقت العلبة برفق وأعادتها إلى يده.
— إنه جميل...
لكننا لم نتعرف إلى بعضنا بما يكفي لأقبل هدية كهذه.
نظر إليها مبتسمًا، دون أن ينزعج.
— سأحتفظ به...
إلى أن يأتي اليوم الذي تقبلينه فيه.
ابتسمت لارا دون أن تجيب.
وأشار إلى دراجته النارية.
— هل أنت مستعدة؟
نظرت إلى الدراجة، ثم إليه.
— إلى أين؟
— ستعرفين بعد دقائق.