NOVELFLEX

عملية سرية

كارڤين · بقلم Yassine

مقر التحقيق الوطني

08:00 صباحاً

توقفت سيارة إياد أمام المقر، ثم ترجل وهو يحمل كاميرته على كتفه.

في اللحظة نفسها، وصلت نور وهي تحمل حاسوبها المحمول، بينما نزلت لارا من سيارة أجرة وهي ترتب سترتها.

كان حازم ينتظرهم عند المدخل.

ـ صباح الخير.

ردوا التحية، ثم دخل الأربعة إلى المبنى.

بعد دقائق، وقفوا أمام باب مكتب المدير.

طرق حازم الباب.

ـ تفضلوا.

دخل الجميع، فرفع المدير رأسه عن الأوراق التي أمامه، ثم مرر نظره على أفراد الفريق واحداً تلو الآخر.

ظل صامتاً لثوانٍ، قبل أن يبتسم ابتسامة خفيفة.

ـ هذا هو الفريق الذي اخترته؟

أومأ حازم.

اقترب المدير بخطوات بطيئة، ثم توقف أمام إياد.

ـ صحفي.

ثم نظر إلى نور.

ـ مهندسة حواسيب.

ثم إلى لارا.

ـ وفنانة ألعاب خفة.

عاد بنظره إلى حازم وهز رأسه.

ـ كنت أظنك تبحث عن فريق للتحقيق... لا لتقديم عرض مسرحي.

ساد الصمت داخل المكتب.

ثم قال المدير بنبرة أكثر حدة:

ـ في رأيي...

هذا الفريق سيفشل قبل أن يصل إلى كارڤين.

تغيرت ملامح لارا.

ونظرت نور إلى المدير ببرود وهي تغلق حاسوبها.

ـ إذا كان هذا رأيك... فلا أرى سبباً لبقائي هنا.

التفتت نحو الباب.

وفي اللحظة نفسها، تحركت لارا أيضاً.

ـ وأنا لم آتِ لأسمع أنني عبء على الفريق.

وقبل أن تصلا إلى الباب...

تقدم حازم خطوة.

ـ توقفا.

ساد الصمت.

نظر إليهما، ثم قال بهدوء:

ـ إذا كان رأي شخص واحد سيجعلكما تنسحبان...

فهو محق.

توقفتا مكانهما.

تابع حازم:

ـ في كارڤين، لن تسمعا كلمة واحدة فقط... ستسمعان التهديد، والسخرية، والخوف، وربما ما هو أسوأ من ذلك.

ثم نظر إلى الجميع.

ـ من يريد المغادرة بسبب جملة...

فلن يصمد ساعة واحدة هناك.

ساد الصمت من جديد.

أنزلت نور يدها عن مقبض الباب.

أما لارا، فابتسمت ابتسامة خفيفة وكأنها أدركت ما يقصده.

عندها فقط...

ابتسم المدير لأول مرة.

ثم عاد إلى مكتبه وقال:

ـ ممتاز...

رفع الجميع أنظارهم إليه باستغراب.

ـ كنت أختبركم فقط.

نظر إلى حازم.

ـ والآن فهمت لماذا اخترت أن تكون قائداً لهذا الفريق.

ثم أغلق الملف الذي أمامه، وقال بنبرة جادة:

ـ من هذه اللحظة... أنتم فريق المهمة الخاصة بمدينة كارڤين.

أتمنى أن تعودوا جميعاً...

لأن من سبقكم...

لم يعد.

ساد الصمت في المكتب، بينما تبادل أفراد الفريق النظرات لأول مرة…

خرج الأربعة من مقر التحقيق، وساروا في صمت حتى توقف حازم أمام مقهى صغير يطل على ساحة المدينة.

دفع الباب الزجاجي، ثم دخلوا وجلسوا حول طاولة في الزاوية البعيدة.

اقترب النادل وسجل طلباتهم، ثم ابتعد.

ساد الصمت لثوانٍ.

قطعه إياد وهو ينظر إلى الجميع.

ـ بما أننا سنخاطر بحياتنا معاً... أعتقد أنه من حقي أن أعرف شيئاً عنكم.

ابتسمت لارا وهي ترتشف عصيرها.

ـ وأنا أيضاً... فمن غير المعقول أن نسافر مع غرباء.

أغلقت نور حاسوبها ونظرت إليهما.

ـ لن يغير الكلام من المهمة شيئاً.

ابتسم حازم.

ـ بل سيغير الكثير.

نظروا إليه جميعاً.

ـ في كارڤين، قد يضطر أحدكم إلى وضع حياته بين يدي الآخر. إذا لم تعرفوا بعضكم... فلن تثقوا ببعضكم.

هز إياد رأسه موافقاً.

ـ معك حق.

ابتسمت لارا.

ـ حسناً... سأبدأ أنا.

وضعت يدها على الطاولة وقالت ضاحكة:

ـ اسمي لارا، أعشق ألعاب الخفة، وأكره الاستيقاظ باكراً.

ضحك إياد.

ـ بداية جيدة.

ثم أشار إلى نفسه.

ـ صحفي... أحب مطاردة القصص أكثر من مطاردة الناس.

التفتت الأنظار نحو نور.

ترددت قليلاً، ثم قالت بهدوء:

ـ أحب العمل بصمت... ولا أحب الفوضى.

ابتسمت لارا.

ـ هذا يفسر نظراتك لي أمس.

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه نور للمرة الأولى.

لاحظها حازم، لكنه لم يعلق.

أخرج بعدها خريطة صغيرة ووضعها على الطاولة.

اختفت الابتسامات.

ـ من هذه اللحظة... هناك أمر يجب أن تعرفوه.

اقترب الجميع من الخريطة.

ـ مهمتنا سرية بالكامل.

مرر إصبعه فوق اسم كارڤين.

ـ لن ندخل المدينة كمحققين.

نظر إليه إياد باستغراب.

ـ إذن كيف؟

ـ كمواطنين عاديين.

ثم أكمل:

ـ لا أحد في كارڤين يجب أن يعرف من نكون. لا الشرطة... ولا السكان... ولا المافيا.

سألته لارا:

ـ وإذا اكتشفوا حقيقتنا؟

نظر إليها مباشرة.

ـ عندها... ستنتهي المهمة قبل أن تبدأ.

أعاد الخريطة إلى الملف.

ثم قال بحزم:

ـ سنغادر بعد غدٍ عند الساعة السادسة صباحاً.

لدينا يومان فقط لنتعرف على بعضنا ونتدرب.

عندما وقف الجميع استعداداً للمغادرة، قال حازم بصوت هادئ:

ـ استمتعوا بهذين اليومين...

فقد يكونان آخر يومين تعيشونها بهدوء .

مدينة كارڤين

المقر السري - أسفل المدينة

10:40 ليلاً

كان الصمت يملأ القاعة الحجرية الممتدة تحت المدينة.

في منتصفها، وُضعت طاولة كبيرة تعلوها خريطة مفصلة لبنك كارڤين المركزي، تحيط بها صور المداخل، وكاميرات المراقبة، وأنفاق الصرف الصحي، وحتى أوقات تبديل الحراس.

وقف فيكتور أمام الخريطة، بينما كان بقية أفراد الفريق يراقبونه بصمت.

أدار الخريطة نحوهم، ثم قال بهدوء:

ـ خلال سبع دقائق... سندخل البنك ونخرج منه.

لم يشكك أحد في كلامه.

أشار إلى المدخل الرئيسي.

ـ ريان... ستراقب محيط البنك المركزي .

أومأ ريان بثقة.

انتقل إصبعه إلى الجهة الخلفية للبنك.

ـ أدريان... مسؤول عن الحراس.

ابتسم أدريان ابتسامة باردة.

ـ لن يطلق أحد منهم رصاصة.

ثم نظر إلى الفتاة الجالسة أمام حاسوب محمول، تتنقل أصابعها بسرعة بين الشاشات.

ـ إيلينا... أريد جميع الكاميرات تحت سيطرتك قبل أن نصل.

لم ترفع رأسها.

ـ لا تقلق سأتصرف .

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه فيكتور.

ثم التفت إلى سيلفا.

كانت ترتدي معطفاً طويلاً، وتضع على الطاولة بطاقات تعريف مزورة، ومفاتيح إلكترونية، وأجهزة صغيرة لا يتجاوز حجمها راحة اليد.

ـ دورك يبدأ قبل أن نصل.

ابتسمت وهي تلتقط إحدى البطاقات.

ـ عندما يدخل الناس غداً إلى البنك... سيقسمون أنني موظفة أعمل هناك منذ سنوات.

ساد الصمت.

رفع فيكتور حقيبة سوداء ووضعها فوق الطاولة.

فتحها ببطء...

لتظهر أدوات احترافية لفتح الخزنة، وأجهزة تشويش، وأقنعة، وأجهزة اتصال صغيرة.

أغلق الحقيبة.

ثم نظر إليهم جميعاً.

ـ لا أريد إطلاق نار.

ـ لا أريد قتلى.

ـ ولا أريد أي أثر يدل على أننا كنا هناك.

اقترب ريان من الخريطة.

ـ وإذا تدخلت الشرطة؟

رفع فيكتور عينيه إليه.

ـ قبل أن تصل الشرطة...

سنكون قد عدنا إلى هذا المكان.

08:15 صباحاً 

استيقظت مدينة كارڤين على صباح هادئ.

امتلأت الشوارع بالموظفين والطلاب، وفتحت المقاهي أبوابها، بينما بدأت السيارات تملأ الطرق الرئيسية.

لكن في أحد الأزقة البعيدة...

كان خمسة أشخاص يستعدون لتغيير هذا الهدوء.

خرجت سيلفا من المبنى المهجور بعد أن أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً.

ارتدت بدلة رسمية أنيقة، وربطت شعرها بعناية، وحملت حقيبة جلدية سوداء، حتى بدا وكأنها موظفة متجهة إلى عملها.

وقفت أمام الباب.

بعد لحظات، دوّى صوت محرك دراجة نارية.

توقفت الدراجة أمامها، وكان أدريان يقودها مرتدياً خوذة سوداء وسترة جلدية.

ركبت خلفه دون أن تنطق بكلمة.

انطلقت الدراجة بهدوء بين شوارع المدينة.

كان أدريان يقود بسرعة، لكنه لم يتجاوز قوانين السير، وكأنه مواطن عادي في طريقه إلى عمله.

بعد دقائق...

ظهرت واجهة بنك كارڤين المركزي.

خفف أدريان السرعة، ثم توقف على بعد أمتار قليلة من المدخل.

نزلت سيلفا، وعدلت سترتها، ثم نظرت إلى البنك.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

ـ حان وقت العمل.

أجابها أدريان وهو يضع خوذته من جديد:

ـ أمامك خمس دقائق فقط.

أومأت برأسها.

ثم سارت بخطوات واثقة نحو الباب الرئيسي.

في اللحظة نفسها...

كان ريان يراقب المكان من سطح مبنى مقابل.

أما إيلينا، فجلست أمام ثلاثة شاشات داخل المقر السري، تتحكم في شبكة كاميرات المدينة.

وفي مكان آخر...

كان فيكتور يجلس داخل سيارة سوداء متوقفة في شارع جانبي، يراقب البنك من بعيد دون أن يحرك عينيه.

ضغط زر جهاز الإتصال.

ـ الجميع في مواقعهم؟

جاءه صوت ريان أولاً:

ـ السطح تحت السيطرة.

ثم صوت إيلينا:

ـ الكاميرات تعمل كما نريد... لا كما يريدون.

وأخيراً، جاء صوت سيلفا وهي تعبر البوابة الرئيسية للبنك:

ـ دَخلتْ.

ساد الصمت لثوانٍ.

ابتسم فيكتور ابتسامة باردة، ثم قال بهدوء:

ـ إذن... لنبدأ.