اليوم التالي
مقر صحيفة ميرفا
09:10 صباحاً
كان إياد يجلس في مكتبه، يراجع صوراً التقطها في الليلة الماضية، قبل أن يضعها أمام رئيس التحرير.
دخل حازم بهدوء إلى غرفة التحرير.
اقترب من المكتب.
- إياد؟
رفع إياد رأسه.
- نعم... تفضل.
أخرج حازم بطاقة التعريف الخاصة به ووضعها على الطاولة.
- اسمي حازم... محقق في مقر التحقيق الوطني.
نظر إياد إلى البطاقة ثم أعادها إليه.
- تشرفت بمعرفتك... هل هناك مشكلة؟
أخذ حازم نفساً عميقاً.
- لدي مهمة في مدينة كارڤين... وأريدك أن تكون ضمن فريقي.
ساد الصمت.
ثم انفجر إياد ضاحكاً.
- أنا؟
وقف من مكانه وهو يهز رأسه.
- يبدو أنك أخطأت في العنوان يا حضرة المحقق. أنا صحفي... أكتب عن الجرائم، ولا أطارد المجرمين.
أجاب حازم بهدوء:
- لهذا السبب جئت إليك.
ابتسم إياد ساخراً.
- ابحث عن محقق آخر... ستجد المئات.
رد حازم وهو ينظر مباشرة في عينيه:
- لكنني لا أبحث عن محقق.
توقف إياد عن الابتسام.
- أبحث عن شخص يعرف كيف يصل إلى الحقيقة... حتى عندما يحاول الجميع إخفاءها.
ساد الصمت.
أكمل حازم:
- أمس رأيتك. لم تعرف أنني كنت أراقبك.
نظر إياد إليه بدهشة.
- كنت هناك؟
أومأ حازم.
- نعم...
اقترب إياد من النافذة، وظل صامتاً للحظات.
ثم قال:
- ولماذا كارڤين؟
أجاب حازم:
- لأن الفريق الذي سبقنا... لم يعد.
اختفت الابتسامة من وجه إياد.
استدار ببطء.
- ومتى ستغادرون؟
- غداً مع شروق الشمس.
أخذ إياد كاميرته من فوق المكتب، وعلّقها على كتفه.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
- كنت أبحث عن قصة تغيّر حياتي... يبدو أنها هي من جاءت تبحث عني.
مد يده إلى حازم.
- أنا معك.
صافحه حازم، ثم قال:
- بقي اثنان فقط.
غادر غرفة التحرير، بينما كان إياد ينظر إلى صورة مدينة كارڤين المنشورة في الجريدة ويتمتم:
- لنرَ... أي أسرار تخفينها هذه المرة.
المركز الوطني للتكنولوجيا
دخل حازم إلى المختبر، فوجد نور منهمكة في إصلاح لوحة إلكترونية معقدة.
لم ترفع رأسها.
- إذا كنت تبحث عن قسم الاستقبال، فهو في الطابق الأول.
ابتسم حازم.
- وأنا أبحث عن نور.
توقفت يداها عن العمل لثوانٍ، ثم رفعت رأسها.
- وجدتها... ماذا تريد؟
أخرج حازم بطاقته.
- اسمي حازم، من مقر التحقيق الوطني.
ألقت نظرة سريعة على البطاقة ثم عادت إلى عملها.
- إذا كانت لديكم مشكلة في الحواسيب، فاتصلوا بقسم الصيانة.
قال حازم بهدوء:
- ليست مشكلة في الحواسيب... بل في مدينة اسمها كارڤين.
ساد الصمت.
ثم وضعت المفك على الطاولة.
- سمعت بما حدث هناك.
- وأريدك أن تكوني ضمن فريقي.
ابتسمت نور بسخرية.
- وأنا لا أعمل ضمن فرق.
- لماذا؟
تنهدت.
- لأن الفرق تضيع الوقت. عندما تختلف الآراء، تتأخر القرارات... وأنا أفضل العمل وحدي.
رد حازم:
- ربما... لكن كارڤين ليست مكاناً يستطيع أحد دخوله بمفرده.
هزت رأسها.
- ابحث عن شخص آخر.
استدار حازم متجهاً نحو الباب.
وقبل أن يخرج قال:
- كنت أظنك تبحثين عن التحديات... لا عن الراحة.
توقفت نور.
- ماذا تقصد؟
التفت إليها.
- الجميع يقول إن نور عبقرية... لكنني لا أصدق ما يقوله الناس. أردت أن أرى بنفسي إن كانت تستطيع مواجهة شيء لا يمكن حله من خلف شاشة.
ساد الصمت.
ثم قال:
- يبدو أنني أخطأت.
وخرج.
ظلت نور تنظر إلى الباب المغلق.
ثم نظرت إلى شاشة الحاسوب أمامها.
بعد لحظات...
أغلقت الجهاز.
أخذت حقيبتها.
وقالت بهدوء:
- انتظر يا حازم...
استدار.
اقتربت منه.
- لدي شرط واحد.
- ما هو؟
- إذا حاول أحد أن يعاملني كموظفة تنفذ الأوامر... سأنسحب فوراً.
ابتسم حازم لأول مرة.
- وأنا أبحث عن عقول... لا عن منفذين.
مدت يدها.
- إذن... أنا معكم.
صافحها حازم.
ثم قال:
- بقي شخص واحد فقط.
خلف كواليس مسرح الألماس
12:20 ظهراً
انتهى العرض، وغادر معظم الجمهور.
كانت لارا تقف أمام المرآة تزيل مكياج العرض، بينما تضع أوراق اللعب داخل حقيبة سوداء.
طرق أحدهم الباب.
- ادخل.
دخل حازم بهدوء.
نظرت إليه لارا من خلال المرآة.
- إذا كنت تريد معرفة سر إحدى الخدع... فأعتذر، السحرة لا يكشفون أسرارهم.
ابتسم حازم.
- ولم آتِ لأجل الخدع.
استدارت نحوه.
- إذن؟
أخرج بطاقته ووضعها على الطاولة.
- اسمي حازم، من مقر التحقيق الوطني.
ألقت نظرة على البطاقة، ثم أعادتها إليه.
- وما علاقة محقق بعروضي؟
قال حازم:
- أريدك أن تنضمي إلى فريقي في مهمة بمدينة كارڤين.
انفجرت لارا ضاحكة.
- هل تبدو عليّ ملامح محققة؟
أجابت وهي تشير إلى المسرح:
- مكاني هناك... وليس بين الرصاص والمجرمين.
رد حازم بهدوء:
- أمس، لم أكن أشاهد عرضك... كنت أشاهدك أنتِ.
رفعت حاجبها باستغراب.
- رأيت كيف كنتِ تراقبين الجمهور قبل أن تبدأ الخدعة. ورأيت كيف أعطيتِ كل شخص ما أردتِ أن يراه... بينما كنتِ تخفين الحقيقة في مكان آخر.
ساد الصمت.
ابتسمت لارا وقالت:
- يبدو أنك كنت جمهوراً مزعجاً.
ابتسم حازم لأول مرة.
- وربما لهذا السبب اخترتك.
اقتربت منه.
- لنفترض أنني وافقت... ماذا سأستفيد؟
نظر إليها بثبات.
- لن يكون هناك جمهور يصفق لكِ... لكن إن نجحتِ، فقد تنقذين مدينة بأكملها.
اختفت الابتسامة من وجه لارا.
خفضت نظرها قليلاً.
ثم قالت:
- وهل المهمة خطيرة؟
- الفريق الذي سبقنا... لم يعد.
ساد الصمت.
أغلقت لارا حقيبتها ببطء.
ثم حملتها على كتفها.
- يبدو أن هذا سيكون أصعب عرض في حياتي.
مدت يدها.
- أنا معكم... لكن لا تنتظر مني أن أطيع كل أمر دون نقاش.
صافحها حازم.
ثم قال بابتسامة خفيفة:
- ولم أخترك لهذا السبب أصلاً.
خرج الاثنان من المسرح.
توقفت لارا عند الباب وسألته:
- بالمناسبة... من معي في الفريق؟
أجاب حازم وهو يواصل السير:
- صحفي فضولي... وخبيرة تكنولوجيا لا تثق بأحد... وأنتِ.
ضحكت لارا وقالت:
- يبدو أن الرحلة ستكون ممتعة... أو كارثية.
ابتسم حازم دون أن يلتفت إليها.
- سنكتشف ذلك في كارڤين.
بعدها اتصل بالبقية وأخبرهم أن اللقاء سيكون في المساء في المقر.
مساء اليوم : مقر مدينة ميرفا
وصل حازم إلى المقر، ثم دخل إلى قاعة المقر ووضع ملف المهمة فوق الطاولة المستديرة.
بعد دقائق، دخل إياد وهو يحمل كاميرته على كتفه، وألقى نظرة سريعة على القاعة قبل أن يجلس.
فُتح الباب مرة أخرى.
دخلت نور وهي تحمل حاسوبها المحمول، ثم اختارت أبعد مقعد وجلست دون أن تنظر إلى أحد.
ابتسم إياد وهو يراقبها.
ـ يبدو أن الحديث ليس من هواياتك.
رفعت عينيها عن الشاشة للحظة.
ـ ويبدو أن الصمت ليس من هواياتك.
ضحك إياد بخفة، لكن الباب انفتح من جديد.
دخلت لارا وهي تدير ورقة لعب بين أصابعها، ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الجميع.
ـ أعتذر عن التأخير... أتمنى أن الاجتماع لم يبدأ.
جلست بجوار نور مباشرة.
توقفت نور عن الكتابة، ثم أغلقت حاسوبها، وحملته وانتقلت إلى المقعد المقابل.
راقبتها لارا باستغراب.
ـ هل المقعد غير مريح؟
أجابتها بهدوء:
ـ أفضل أن أجلس وحدي.
ابتسمت لارا وهزت كتفيها.
ـ كما تشائين.
نظر إياد إلى حازم مبتسماً.
ـ أعتقد أن المهمة ستكون ممتعة.
لم يبتسم حازم.
فتح الملف، وأخرج صورة الفريق الذي أُرسل إلى كارڤين قبل أشهر، ثم وضعها في منتصف الطاولة.
اختفت الابتسامات.
ساد الصمت.
مرر حازم نظره بينهم، ثم قال بهدوء:
ـ هذا هو الفريق الذي سبقنا إلى كارڤين.
تأمل الجميع الصورة.
ثم أكمل:
ـ لم يعد منهم أحد.
ساد الصمت من جديد.
قاطعه إياد قائلاً:
ـ إذن... متى ننطلق؟
أغلق حازم الملف ببطء، ثم شبك يديه أمامه.
ـ لن ننطلق غداً.
نظر الثلاثة إليه باستغراب.
ـ قبل يومين، لم يكن أي واحد منكم يعرف الآخر. واليوم تريدون دخول أخطر مدينة في البلاد وكأنكم فريق واحد.
لم يتكلم أحد.
واصل حديثه بنبرة هادئة:
ـ لن أكرر الخطأ الذي وقع فيه من سبقنا. قبل أن تواجهوا المافيا... عليكم أن تعرفوا من يقف إلى جانبكم.
نظر إلى إياد، ثم إلى نور، ثم إلى لارا.
ـ ابتداءً من الغد، لن تكون هناك مهمة، بل فترة تعارف وتدريب. سأرى كيف يفكر كل واحد منكم، وكيف تتصرفون معاً تحت الضغط.
ـ وعندما أقتنع أنكم أصبحتم فريقاً... سنذهب إلى كارڤين.
خرج الأربعة من قاعة الاجتماعات بصمت.
أغلق حازم الملف الذي كان يحمله، ثم نظر إليهم قبل أن يغادروا الممر.
ـ انتهى اجتماع اليوم.
توقف الثلاثة ونظروا إليه.
ـ عودوا إلى منازلكم، وخذوا هذه الليلة للراحة. أريدكم جميعاً هنا غداً، في تمام الثامنة صباحاً.
رفع إياد حاجبيه مبتسماً.
ـ هل سنبدأ التدريب أخيراً؟
أومأ حازم.
ـ نعم... وغداً ستكون أول مرة تعملون فيها كفريق.
تنهدت لارا وهي تضع حقيبتها على كتفها.
ـ أتمنى ألا يكون التدريب مملاً.
أجابها حازم بابتسامة خفيفة.
ـ ستكتشفين ذلك بنفسك.
أما نور، فاكتفت بإغلاق حاسوبها المحمول وقالت:
ـ سأكون هنا في الموعد.
أدار حازم ظهره، ثم أضاف قبل أن يبتعد:
ـ ولا تتأخروا... فالوقت ليس في صالحنا.
غادر كل واحد منهم في اتجاه مختلف.
خرج إياد من بوابة المقر وهو يدير مفاتيح سيارته بين أصابعه، ثم ألقى نظرة إلى المبنى قبل أن يبتسم قائلاً بصوت خافت:
ـ يبدو أن حياتي أصبحت أكثر إثارة.
وفي الجهة الأخرى، كانت نور تسير بهدوء نحو سيارتها، تفكر في كلمات حازم أكثر مما كانت تعترف به.
أما لارا، فأوقفت سيارة أجرة، ونظرت من النافذة إلى مقر التحقيق قبل أن تبتسم.
ـ كارڤين... يبدو أنك تخفين الكثير من الأسرار.
وقف حازم عند مدخل المقر، يراقبهم حتى اختفى كل واحد منهم في الطريق.
ثم رفع بصره نحو السماء الملبدة بالغيوم، وتمتم بصوت منخفض:
ـ آمل أن أكون قد اخترت الأشخاص المناسبين…