مسرح الألماس
12:10 ظهراً
امتلأت القاعة بالجمهور، بينما خفتت الأضواء تدريجياً.
ظهرت لارا على المسرح مرتدية بدلة سوداء أنيقة وقفازات بيضاء.
ابتسمت وقالت:
- أحتاج إلى ثلاثة متطوعين.
صعد ثلاثة أشخاص من الجمهور.
قدمت لكل واحد منهم بطاقة لعب، ثم طلبت منهم توقيعها بأسمائهم حتى يتأكد الجميع أنها البطاقات نفسها.
خلطت الأوراق بسرعة مذهلة.
ثم رمتها جميعاً في الهواء.
تناثرت البطاقات في كل اتجاه.
ساد الصمت.
ابتسمت لارا.
تقدمت نحو أول متطوع، وأخرجت بطاقته من جيب سترته.
أما الثانية، فكانت داخل ساعة رجل يجلس في الصف الأول.
والثالثة...
ابتسمت لارا وهي تنظر إلى السقف.
هبطت ثريا المسرح ببطء، وكانت البطاقة معلقة بخيط رفيع يكاد لا يُرى.
اهتزت القاعة بالتصفيق.
ضحك الأطفال، ووقف الجمهور مصفقاً.
لكن شخصاً واحداً لم يكن يصفق...
كان حازم.
لم يكن ينظر إلى البطاقات...
بل كان يراقب يدي لارا.
لاحظ أنها لم تترك حركة واحدة دون أن تستغلها، ولم تلتفت إلى الخدعة نفسها، بل إلى وجوه الجمهور، وكأنها تقرأ ردود أفعالهم قبل أن تتحرك.
ابتسم حازم في نفسه.
- لا تعتمد على سرعة اليد فقط... بل على تشتيت الانتباه.
أغلق أزرار معطفه واستدار نحو المخرج.
وقبل أن يفتح الباب، قال بصوت خافت:
- هذا بالضبط ما أحتاجه في كارڤين.
مدينة كارڤين
11:47 ليلاً
لم تكن كارڤين تنام...
حتى عندما ينام سكانها.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والمطر يهطل بلا انقطاع، بينما انعكست أضواء المصابيح الصفراء على الإسفلت المبلل، لتجعل الأزقة تبدو وكأنها تمتد إلى ما لا نهاية.
أغلقت معظم المتاجر أبوابها قبل ساعات، ولم يبق في الشوارع سوى خطوات متفرقة لأشخاص يسرعون نحو منازلهم، وكأن الليل في كارڤين لا يرحم من يتأخر.
فجأة...
شقّ صمت المدينة هدير خمسة محركات نارية.
ظهرت خمس دراجات سوداء من نهاية الشارع، تشق المطر بسرعة، بينما انعكست أضواءها على الجدران القديمة.
كان كل راكب يرتدي خوذة سوداء ومعطفاً طويلاً يخفي ملامحه.
لم يتبادلوا كلمة واحدة.
لكن شيئاً غريباً حدث…
ما إن مروا حتى أغلق أصحاب المحلات أبوابهم بسرعة، وخفض المارة رؤوسهم، وابتعدوا عن الطريق.
لم يكن ذلك خوفاً من الدراجات...
بل خوفاً ممن يقودها.
انعطفت الدراجات نحو أحد الأزقة الضيقة، ثم توقفت أمام مستودع مهجور، لا يحمل أي لافتة أو اسم.
ترجل الخمسة بصمت.
فتح أحدهم باباً حديدياً صدئاً.
لكن خلف ذلك الباب...
لم يكن هناك مستودع.
بل درج طويل يقود إلى أعماق الأرض.
هبطوا الواحد تلو الآخر.
وأُغلق الباب خلفهم.
في الأسفل...
امتد نفق حجري هائل تحت مدينة كارڤين، تملؤه الصناديق الخشبية والشاحنات الصغيرة التي تتحرك في صمت.
كان رجال مجهولون ينقلون صناديق خشبية من شاحنة إلى أخرى.
اقترب أحد العمال من الرجل الذي يتقدم المجموعة وقال:
- الشحنة جاهزة... وستغادر قبل الفجر.
اكتفى الرجل بهزة رأس.
ثم نظر إلى خريطة المدينة المعلقة أمامه.
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
- لتبدأ الليلة رحلة جديدة... ولن يعلم أحد من أين بدأت.
في الأعلى...
كانت كارڤين تبدو مدينة هادئة.
أما في الأسفل...
فكانت مدينة أخرى لا يراها أحد.
مدينة تُدار في الظلام... وتحكمها المافيا.
وقف فيكتور وهو يشعل سجارته، بينما كان بقية أفراد العصابة يراجعون مسار الشحنة القادمة.
قطع الصمت صوت خطوات سريعة.
دخل أحد الرجال وهو يلهث، وفي يده جهاز اتصال صغير.
- سيدي... وصلتنا رسالة مشفرة.
مدّ الجهاز إلى فيكتور.
أخذ الجهاز بهدوء، وضغط الزر.
انبعث صوت مشوش لعدة ثوانٍ، ثم ظهر صوت فتاة مجهول:
"مصدرنا داخل مقر التحقيق الوطني يؤكد أن المهمة لم تُغلق... سيتم إرسال فريق جديد إلى كارڤين خلال الساعات القادمة."
انقطع الإرسال.
ساد الصمت.
نظر أفراد العصابة إلى فيكتور، ينتظرون ردة فعله.
ابتسم ابتسامة خفيفة...
ووضع جهاز الاتصال على الطاولة.
قال أحد أفراد العصابة:
- هل نلغي الشحنة؟
هز فيكتور رأسه بالنفي.
- لا.
تقدم خطوة نحو الخريطة.
ثم قال بصوت هادئ:
- إن كانوا سيرسلون فريقاً جديداً... فهذا يعني أنهم لم يتعلموا من أخطائهم بعد.
ابتسم أحد الرجال وقال:
- سنقضي عليهم كما فعلنا بمن سبقهم.
لكن فيكتور لم يبتسم.
ظل ينظر إلى الخريطة، ثم قال:
- لا تستهينوا بخصم لم تروه بعد.
ساد الصمت من جديد.
رفع فيكتور رأسه، ونظر إلى أفراد العصابة واحداً تلو الآخر.
- ابتداءً من هذه الليلة... لا مجال لأي خطأ.
ثم أمسك بخنجر صغير، وغرسه في منتصف خريطة مدينة كارڤين.
- من يدخل هذه المدينة... لن يغادرها إلا بإذننا.
رفع نظره نحو أفراد فريقه.
- ريان.
تقدم ريان خطوة إلى الأمام.
- النفق سيكون تحت مسؤوليتك الليلة. لا أريد أن يعبره أحد دون أن أعرف هويته.
- مفهوم.
التفت فيكتور إلى الرجل الثاني.
- أدريان.
- نعم؟
- ستخرج الشحنة قبل الفجر. غير المسار المعتاد... الشرطة بدأت تحفظ طرقنا.
ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة.
- لن يراني أحد.
ثم نظر إلى الفتاة الواقفة قرب الباب.
- سيلفا.
رفعت رأسها.
- أريد كل ما تستطيعين جمعه عن الفريق الجديد. أسماء... صور... عادات... حتى إن كانوا يشربون القهوة أم لا. لا أريد مفاجآت.
ابتسمت إلينا.
- اعتبر الأمر انتهى.
وأخيراً...
نظر إلى الفتاة الأخيرة.
- إيلينا.
كانت أصابعها تتحرك بسرعة فوق لوحة مفاتيح حاسوب محمول.
دون أن ترفع رأسها قالت:
- أستمع.
قال فيكتور:
- راقبي جميع الاتصالات الخارجة والداخلة إلى كارڤين. إذا وصل أي اتصال يخص التحقيق... أريد أن أعرفه قبل صاحبه.
توقفت أصابعها.
ثم رفعت رأسها لأول مرة.
- لن تصلهم رسالة... إلا بعد أن تمر بي.
ساد الصمت.
ألقى فيكتور نظرة أخيرة على فريقه.
ثم قال بصوت منخفض لكنه حازم:
- من هذه اللحظة... كارڤي
ن تحت المراقبة.
- وإذا دخلها أحد...
تبادل أفراد العصابة النظرات.
فأجابوا بصوت واحد:
- فلن يخرج منها.
ابتسم فيكتور ابتسامة باردة.
- إذن... ليبدأ اللعب.