منزل حازم
08:42 صباحاً
تسللت أشعة الشمس عبر نافذة غرفة بسيطة، بينما كان حازم يجلس على الأريكة يحتسي كأساً من الشاي ويقلب صفحات صحيفة الصباح.
لفت انتباهه عنوان عريض على الصفحة الأولى:
"مقتل فريق التحقيق الرابع في مدينة كارڤين."
ظل يقرأ الخبر بصمت، ثم أغلق الصحيفة ووضعها على الطاولة.
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ضغط زر الإجابة.
- المحقق حازم؟
- نعم، من معي؟
- معك سارة، سكرتيرة مدير مقر التحقيق الوطني. يطلب منك المدير الحضور إلى مكتبه في أسرع وقت ممكن.
قطّب حازم حاجبيه.
- هل أخبرتِني بسبب الاستدعاء؟
- لا تؤاخذني، لكن المدير يفضل أن يشرح لك الأمر بنفسه.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أجاب بهدوء:
- سأكون هناك خلال نصف ساعة.
مقر التحقيق الوطني
09:18 صباحاً
توقفت سيارة حازم أمام بوابة المقر.
ما إن أغلق باب سيارته حتى اقترب منه طفل صغير يحمل مجموعة من الصحف.
- سيدي، صحيفة الصباح... النسخة الأخيرة.
ابتسم حازم، أخرج بعض النقود، وأخذ إحدى الصحف.
- شكراً.
طوى الجريدة ووضعها تحت ذراعه، ثم دخل إلى مقر التحقيق الوطني.
استقبله أحد الموظفين وأرشده إلى مكتب المدير.
طرق الباب.
- تفضل!
دخل حازم، وأدى التحية باحترام.
أشار المدير إلى المقعد المقابل.
- اجلس!
جلس حازم بصمت، بينما دفع المدير ملفاً نحوه.
- هل قرأت خبر كارڤين هذا الصباح؟
أومأ حازم.
- نعم، سيدي.
تنهد المدير وقال:
- الفريق الرابع... جميعهم قُتلوا. لم يتركوا خلفهم سوى أسئلة أكثر من الأجوبة.
ساد الصمت للحظات.
ثم تابع:
- أريدك أن تقود المهمة القادمة في كارڤين. سأكلّف ثلاثة محققين بمرافقتك، وقد بدأت الإدارة بالفعل باختيارهم.
رفع حازم نظره نحو المدير وقال بهدوء:
- إذا سمحت لي يا سيدي... لدي طلب.
- تفضل.
- إذا كنت سأقود هذه المهمة، فأنا أريد أن أختار فريقي بنفسي.
نظر إليه المدير باستغراب.
- ولماذا؟
أجاب حازم بثقة:
- لأنني لا أبحث عن أفضل المحققين... بل عن الأشخاص الذين أعرف كيف يفكرون، وأثق أنهم لن يتخلوا عن بعضهم عندما تصبح المهمة مستحيلة.
ظل المدير ينظر إليه لثوانٍ، ثم اعتدل في جلسته.
ـ حسناً... أمامك أربع وعشرون ساعة لتجمع فريقك. بعدها ستغادرون إلى كارڤين.
نهض حازم من مقعده.
- لن أخذلك، سيدي.
غادر حازم مكتب المدير وأغلق الباب خلفه بهدوء.
توقف للحظة في نهاية الممر، ثم أخرج صحيفة الصباح التي كان قد وضعها تحت ذراعه قبل دخوله المقر.
قلب صفحاتها ببطء.
توقفت عيناه عند ثلاثة عناوين.
"الصحفي إياد يكشف شبكة فساد بعد تحقيق استمر ثلاثة أشهر."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
قلب الصفحة.
"المهندسة نور تبهر الحضور بابتكار جديد في معرض التكنولوجيا."
أكمل القراءة بصمت.
ثم توقف عند صورة أخيرة.
"لارا تخطف أنظار الجمهور في أكبر عروض ألعاب الخفة بمدينة ميرفا."
أغلق الصحيفة.
ظل ينظر إلى غلافها للحظات، ثم قال في نفسه:
- صحفي يعرف كيف يبحث عن الحقيقة...
- خبيرة تكنولوجيا ترى ما لا يراه الآخرون...
- وفنانة تستطيع خداع أعين مئات الأشخاص...
رفع رأسه، وابتسم ابتسامة عريضة.
- ربما... هذا هو الفريق الذي أبحث عنه.
أدار ظهره واتجه نحو موقف السيارات.
كانت محطته الأولى...
مقر صحيفة ميرفا.
مقر صحيفة ميرفا
10:12 صباحاً
توقفت سيارة حازم أمام مبنى صحيفة ميرفا.
ترجل منها، ثم دخل إلى بهو الصحيفة حيث كان الصحفيون يركضون بين المكاتب حاملين الكاميرات والملفات.
اقترب من موظفة الاستقبال.
- صباح الخير، أبحث عن الصحفي إياد.
ابتسمت الموظفة وقالت:
- إذا كنت تبحث عنه، فمن المستحيل أن تجده في مكتبه.
قطب حازم حاجبيه.
- ولماذا؟
- لأنه لا يبقى في مكان واحد أبداً.
في تلك اللحظة، انفتح باب المبنى بعنف.
دخل شاب يحمل كاميرا حول عنقه ودفتر ملاحظات بيده، وقد بدا عليه التعب.
توجه إليه أحد المحررين بسرعة.
- إياد! هل حصلت على شيء؟
ابتسم الشاب وأخرج بطاقة ذاكرة صغيرة من جيبه.
- ليس شيئاً... بل كل شيء.
أخذها المحرر وبدأ يشاهد الصور، ثم اتسعت عيناه بدهشة.
- كيف التقطت هذه الصور؟ الشرطة لم تستطع دخول المكان!
ابتسم إياد وهو يخلع سترته.
- لأنني لم أدخل بصفتي صحفياً.
ثم أضاف وهو يبتعد:
- أحياناً... الحقيقة لا تُمنح، بل تُنتزع.
كان حازم يراقب المشهد من بعيد.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال في نفسه:
- صحفي... لكنه يفكر كمحقق.
ثم استدار وغادر، دون أن يعلم إياد أن شخصاً كان يراقبه طوال الوقت.
المركز الوطني للتكنولوجيا
11:05 صباحاً
دخل حازم إلى مبنى حديث تملؤه الشاشات والروبوتات والنماذج الإلكترونية.
كان عشرات الأشخاص يتجمعون حول منصة صغيرة، بينما ارتفعت همسات الحاضرين.
اقترب حازم ليرى ما يحدث.
وقف أحد المهندسين أمام شاشة عملاقة وقال بثقة:
- حاولنا لأكثر من ساعتين، ولم نتمكن من استعادة النظام.
في تلك اللحظة، تقدمت فتاة ترتدي سترة رمادية وتحمل حاسوباً محمولاً.
قال أحد الحاضرين مبتسماً:
- يا نور... يبدو أن الدور عليكِ.
وضعت نور الحاسوب على الطاولة دون أن تتكلم.
تحركت أصابعها بسرعة فوق لوحة المفاتيح.
مرت ثوانٍ فقط...
ثم عادت جميع الشاشات للعمل في وقت واحد.
ساد الصمت.
وبعده مباشرة دوّى التصفيق في القاعة.
ابتسم المهندس وقال:
- كيف فعلتِ ذلك؟
أغلقت نور حاسوبها بهدوء، ثم قالت:
- لأنكم كنتم تحاولون إصلاح النتيجة... ولم تبحثوا عن السبب.
حملت حقيبتها وهمّت بالمغادرة.
كان حازم يتابعها من بعيد.
ابتسم وقال في نفسه:
- لا تبحث عن الحلول... بل عن أصل المشكلة.
راقبها حتى غادرت المبنى، ثم التفت نحو الباب.
- بقي شخص واحد... لارا.