لم أكن أبحث عن شيء حين ظهرت رسالته.
كنت أؤدي عملي كما أفعل كل يوم، بعقلٍ مشغول وروحٍ محايدة، لا تنتظر أكثر من انتهاء الساعات.
كانت رسالة عادية، تحمل نبرة رسمية، لا دفء فيها ولا وعد… ومع ذلك، توقفت عندها أكثر مما ينبغي.
أعدت قراءتها مرتين، لا لشيء، فقط لأن اسمه علق في ذهني بطريقة غريبة، كأنني مررت به من قبل في مكان لا أتذكره.
أجبت بهدوء، دون أي زيادة، دون محاولة لترك أثر.
لم أكن أعلم أن تلك الكلمات البسيطة ستكون أول خيط في نسيج طويل سيشدّني إليه دون مقاومة.
مرت الرسائل الأولى خفيفة، سريعة، محكومة بحدود العمل.
لكن شيئًا ما كان يتسلل بينها… نبرة مختلفة، اهتمام غير معلن، صمت أطول من اللازم قبل الرد.
كنت ألاحظ التفاصيل دون أن أعترف بها، أفسرها بعقلانية، وأقنع نفسي أن الأمر لا يتجاوز التعاون المهني.
ومع ذلك، بدأت أنتظره.
أنتظر رسالته دون سبب واضح، أراقب الشاشة أكثر مما أراقب الوقت، وأشعر بانقباض خفيف حين يتأخر.
كنت أبتسم أحيانًا دون أن أدري لماذا، وأغلق الهاتف سريعًا وكأنني ارتكبت خطأ غير مرئي.
لم يكن يحاول الاقتراب، ولم أكن أبتعد.
كنا نسير على حافة شيء لم نسمّه بعد، نقترب خطوة ونتراجع خطوتين، نحافظ على مسافة آمنة تخفي خلفها فضولًا متبادلًا.
وفي كل مرة ينتهي الحديث، كان الصمت بيننا أطول من اللازم… صمتٌ لا يشبه الفراغ، بل يشبه انتظارًا مؤجّلًا.
في الأيام التالية، لم يعد حضوره مجرد صدفة عابرة في يومي.
صار جزءًا خفيًا من تفاصيله، يظهر دون موعد، ويختفي دون تفسير، تاركًا خلفه فراغًا صغيرًا… لكنه ملحوظ.
بدأت رسائلنا تطول قليلًا، تخرج عن إطار العمل ثم تعود إليه سريعًا، وكأن كلًّا منا يختبر المساحة المتاحة دون أن يتجاوزها.
كنت أشعر بأن هناك كلمات تُكتب ثم تُمسح، أفكارًا تُقال في الصمت أكثر مما تُقال على الشاشة.
أحيانًا، كنت أتوقف قبل الرد، لا لأنني مشغولة، بل لأنني أخاف أن يظهر في كلماتي شيء لا أريد الاعتراف به بعد.
وأحيانًا أخرى، كنت أكتب بسرعة، كأنني أخشى أن يفلت مني الحديث إن تأخرت ثانية واحدة.
كان يعرف كيف يسأل دون أن يضغط، وكيف يصمت دون أن يبتعد.
وذلك أخافني أكثر مما لو اقترب بوضوح.
لأن المساحات الرمادية تفتح أبوابًا لا نعرف كيف نغلقها.
في إحدى المرات، سألني عن يومي.
سؤال بسيط، يقال مجاملة، لكنه أربكني.
توقفت طويلًا أمام الشاشة، أتساءل: هل أجيبه كما أجيب الجميع؟ أم أترك له نافذة صغيرة يرى منها شيئًا حقيقيًا عني؟
أجبته بصدقٍ مقتطع، لا كامل ولا فارغ.
وحين ردّ، شعرت بشيء يشبه الطمأنينة… شيء هادئ، لكنه عميق.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الرسائل مجرد كلمات.
صارت امتدادًا لمشاعر لا نعرف كيف نضع لها اسمًا.
كنت أقرأ رسائله ببطء، أعود لبعضها أكثر من مرة، أبحث بين السطور عن شيء لا أستطيع تحديده، لكنني متأكدة من وجوده.
بدأت أفتقده حين يغيب.
لا افتقادًا موجعًا، بل ذلك الشعور الخفيف الذي يذكّرك بأن شخصًا ما أصبح جزءًا من إيقاع يومك.
وكنت أتوتر حين يتأخر، ثم ألوم نفسي على هذا التوتر، كأنني تجاوزت حدًا لم أسمح لنفسي بتجاوزه.
في الليل، كانت أفكاري تعود إليه دون دعوة.
أتساءل: هل يشعر بما أشعر به؟
هل ينتبه لهذا الارتباك الصامت بيننا؟
أم أنني أبالغ، وأمنح الحروف أكثر مما تحتمل؟
لكن قلبي…
كان يعرف أن ما يحدث ليس عابرًا.
لم نكن نقترب، لكننا لم نعد بعيدين.
كنا نقف في تلك المنطقة الخطرة، حيث كل خطوة إضافية قد تغيّر كل شيء، وحيث التراجع لم يعد سهلًا كما يبدو.
وفي إحدى الليالي، وبعد حديث طويل انتهى دون سبب واضح، كتب لي:
«غريب… صرت أرتاح للحديث معك أكثر مما ينبغي.»
توقفت.
قرأت الجملة مرارًا، كأنني أبحث عن طريقة أقل عمقًا لفهمها… ولم أجد.
لم أجب فورًا.
لأن الرد هذه المرة لم يكن سؤال كلمات، بل سؤال حدود.
أغلقت الهاتف، لكن صوته ظل مفتوحًا في داخلي.
وأدركت، للمرة الأولى بوضوح أخافني، أنني لم أعد محايدة.
أنني لم أعد أكتب له بدافع الرد، بل بدافع الرغبة.
رغبة في أن أُرى، أن أُفهم، أن أكون حاضرة في ذهنه كما هو حاضر في قلبي… دون أن أقول ذلك بصوتٍ عالٍ.
في تلك اللحظة، فهمت أن الصمت لم يعد صامتًا،
وأن الحروف بدأت تقول أكثر مما ينبغي،
وأن ما بدأ برسالة عابرة…
لم يعد قابلًا لأن ينتهي ببساطة.