لم أعرف ملامحه يومًا،
ولا لون عينيه،
ولا الطريقة التي يبتسم بها حين يفرح.
عرفته من صمته أكثر مما عرفته من كلماته،
ومن حضوره في غيابه،
ومن تلك المسافة الغريبة التي جعلتني أشعر به أقرب من كل القريبين.
كان يكتب كمن يختار نفسه بعناية،
لا يترك كلمة في غير موضعها،
ولا يرسل رسالة إلا وفيها شيء منه… أو شيء لي.
حين يتأخر، كنت أشعر بالفراغ قبل أن أشعر بالقلق،
وحين يكتب، كانت الطمأنينة تسبق القراءة.
لم يكن صوته يصلني،
لكن نبرته كانت واضحة،
نبرة رجل يعرف متى يقترب،
ومتى يترك المسافة تتكلم عنه.
في رسائله لم يكن كثير الكلام،
لكنه كان عميق الحضور.
يكتب جملة واحدة
فتظلّ معلّقة في صدري ساعات،
كأنها سؤال لا يريد جوابًا.
كنت أعرف متى هو متعب،
من ترتيب كلماته،
ومتى هو خائف،
من محاولته أن يبدو عاديًا.
كنت أقرأه كما تُقرأ القلوب…
سطرًا سطرًا.
لم ألمسه،
لكنّه لمس فيّ أماكن لم أعرف أنها موجودة.
ولم أره،
لكنّه شكّل في داخلي صورة لا تشبه أحدًا.
هكذا كان:
رجلًا لم يدخل حياتي من باب،
بل تسلّل إليها عبر الحروف،
واستقرّ فيها…
كأنه كان يعرف الطريق منذ البداية.لم يبدأ الأمر باعتراف،
ولا بسؤال مباشر.
كان يكتب بعد حديثنا الأول،
وأنا كنت أؤجّل الردّ…
ليس تجاهلًا،
بل لأن الحياة كانت تسبقني بخطوة.
العمل، التعب، الطريق إلى البيت.
وحين أعود أخيرًا،
وأفتح الرسائل،
كان يسألني كأنه كان ينتظر:
أين كنتِ؟
لماذا طال الغياب؟
لم يكن سؤالًا عاديًا،
كان قلقًا مقنّعًا بكلمات بسيطة.
ثم، دون اتفاق،
استلمنا الحديث.
صار سؤال اليوم طقسًا ثابتًا،
وصار حضوره ممتدًا على ساعاتي كلها.
كان يراسلني في فراغه،
وفي انشغاله،
في لحظات السرقة الصغيرة من الوقت،
حتى شعرت — لأول مرة —
أن العالم يمكن أن يضيق…
ليتّسع لي وحدي.
كنت أشعر أن شيئًا ما يتشكّل،
شيئًا لا أملك له اسمًا بعد.
علاقة؟
بداية؟
أم مجرد شعور جميل يخيفني؟
كنا نتحدّث ليلًا،
عن ما نحب،
عن أفكارنا،
عن أشياء لم أكن أقولها لأحد.
وكانت إجاباتي تفاجئه.
أراه من خلال كلماته
وهو يتوقّف قليلًا،
ثم يكتب:
«تفكيرك مختلف…»
«عقلك ناضج…»
«لم أعرف فتاة مثلك من قبل.»
كنا نضحك،
نختلف،
نناقش،
ولا نشبه حديث الأمس.
وفي إحدى الليالي،
تسلّل سؤال بين الكلام،
كأنه لا يقصدني…
لكنه كان يقصدني تمامًا.
قال:
«صديقي، إذا أحب امرأة، هل يذهب إليها مباشرة؟»
أجبته بعقلانية حاولت أن أختبئ خلفها،
قلت:
إذا كان سيستمر،
فليكن القرار واضحًا.
الأفضل ألا تطول العلاقات…
الأفضل أن يتقدّم،
أن يكون الأمر صريحًا.
كنت أشرح،
وأنا أشعر أن السؤال لم يكن سؤالًا.
صمت قليلًا.
ذلك الصمت…
كان أطول من كل الرسائل.
ثم قال:
«أريد أن أخبرك بشيء.»
توقّف قلبي عن القراءة.
قلت في داخلي:
لا تقلها…
ليس الآن…
لست مستعدة.
لكنه قالها.
قال إنه معجب بي.
قال إنه وجد فيّ
كل ما كان يبحث عنه.
وفي تلك اللحظة،
لم أعرف ماذا أجيب.
عرفت فقط
أن ما بدأ برسائل عابرة
لم يعد عابرًا أبدًا.