لم يتحرك أحد.
حتى صوت أجهزة المراقبة اختفى.
بقيت الجملة معلقة في الظلام:
"يونس… لا تثق بأبي."
كان الصوت واضحًا.
واضحًا إلى درجة جعلت يونس يشعر بأنه عاد إلى طفولته للحظة.
ذلك الصوت…
كان صوته.
صوته عندما كان طفلًا.
رفع يونس نظره نحو الرجل العجوز.
كان والده واقفًا في مكانه، لا يبدو عليه الذهول كما توقع يونس.
وهذا ما أخافه أكثر.
قال يونس:
— أنت كنت تعرف.
لم يجب الرجل.
— كنت تعرف أن هناك طفلًا ثالثًا.
ظل صامتًا.
تقدم يونس نحوه.
— أجبني!
قال سامر بسرعة:
— يونس، اهدأ.
التفت إليه يونس.
— أنت أيضًا كنت تعرف؟
خفض سامر عينيه.
كانت الإجابة واضحة.
صرخ يونس:
— كلكم كنتم تعرفون!
ارتج صدى صوته في الممر.
الطفل الموجود داخل الغرفة ظل واقفًا خلف الزجاج، يراقبهم.
قال الأب أخيرًا:
— لم يكن من المفترض أن تصل إلى هنا.
ضحك يونس بمرارة.
— هذه الجملة سمعتها كثيرًا.
ثم أشار إلى الغرفة.
— لكنني وصلت.
اقترب الأب خطوة.
— لأنهم سمحوا لك.
توقف يونس.
— من؟
— الأشخاص الذين يديرون المشروع.
— المشروع انتهى.
رفع الأب عينيه.
— لا.
سكت للحظة.
ثم قال:
— المشروع لم يبدأ أصلًا من أجلك.
تجمد يونس.
— ماذا يعني ذلك؟
— أنت كنت نتيجة جانبية.
شعر يونس بأن الكلمات لم تصل إلى عقله.
— نتيجة… جانبية؟
أومأ الأب.
— التجربة الأصلية كانت تهدف إلى شيء آخر.
— ماذا؟
نظر الأب إلى الطفل خلف الزجاج.
— نقل الذاكرة.
لم يفهم يونس.
— نقلها إلى أين؟
قال سامر:
— إلى جسد آخر.
نظر إليه يونس.
— لا.
— يونس…
— لا تقل لي إن هذا حقيقي.
قال الأب:
— عندما كنا في البداية، كنا نحاول نسخ الذكريات من شخص إلى شخص آخر. لكن الذاكرة ليست ملفًا يمكن نسخه.
اقترب من الزجاج.
— لذلك بدأنا باستخدام الأطفال.
نظر يونس إلى الطفل.
كان الطفل واقفًا بصمت.
قال الأب:
— الطفل الأول كان أنت.
— والثاني؟
— أخوك.
— والثالث؟
لم يجب الأب.
عاد صوت الطفل من داخل الغرفة:
— أنا.
استدار يونس نحوه.
كان هناك باب صغير في نهاية الغرفة.
لم يكن قد لاحظه من قبل.
بدأ الباب يفتح ببطء.
خرج منه طفل آخر.
أصغر من الطفل الأول بعامين تقريبًا.
شعره أسود.
وجهه شاحب.
لكن عينيه…
كانتا عيني يونس.
تراجع يونس خطوة.
— لا…
اقترب الطفل.
كان يحمل في يده لعبة صغيرة على شكل سيارة.
وقف أمام الزجاج.
ثم رفع اللعبة.
قال:
— أنت وعدتني أنك ستأخذني معك.
شعر يونس بصداع شديد.
ثم بدأت الصور تظهر في رأسه.
ثلاثة أطفال يركضون في ممر أبيض.
ضحكات.
أبواب مغلقة.
امرأة شابة تحمل أحدهم.
رجل يقف خلف زجاج.
ثم صوت طفل:
"إذا خرجنا من هنا، لن نفترق."
فتح يونس عينيه.
كان يتنفس بسرعة.
قال:
— أنا أتذكر…
اقترب سامر.
— ماذا تذكرت؟
نظر يونس إليه.
— كنت هنا.
— متى؟
— قبل سنوات.
أمسك يونس رأسه.
— كنت أعرفهم.
ثم نظر إلى الطفلين.
— كنت أعرفهما.
قال الطفل الأكبر:
— نعم.
سأل يونس:
— لماذا نسيت؟
أجاب الطفل:
— لأنك طلبت منهم أن يمحوها.
تجمد يونس.
— أنا؟
— نعم.
— لماذا؟
اقترب الطفل من الزجاج.
— لأنك كنت خائفًا.
ظهر الأب فجأة أمام يونس.
— كفى.
نظر إليه يونس.
— لا.
— يجب أن تخرج من هنا.
— لن أخرج.
— يونس، هذا المكان ليس آمنًا.
ضحك يونس.
— الآن تتذكر أنه ليس آمنًا؟
تقدم الأب نحوه.
— إذا بقيت، ستتذكر كل شيء.
— هذا ما أريده.
— لا.
تغيرت ملامح الأب.
— أنت لا تعرف ماذا يعني أن تتذكر كل شيء.
قال يونس:
— إذًا أخبرني.
صمت الأب.
فقال يونس:
— أخبرني لماذا قتلت أمي.
ساد الصمت.
نظر سامر إلى الأرض.
أما الأب…
فتغير وجهه.
— من قال لك ذلك؟
— ذكرياتي.
— ذكرياتك تكذب.
— لماذا؟
اقترب الأب منه.
— لأن الشخص الذي زرعها في رأسك كان يريدك أن تكرهني.
توقف يونس.
— من؟
قال الأب:
— النسخة الثالثة.
نظر يونس إلى الطفل الأصغر.
— هو؟
هز الأب رأسه.
— لا.
ثم أشار إلى الممر خلفهم.
— النسخة الثالثة ليست طفلًا.
نظر الجميع إلى الممر.
أكمل الأب:
— النسخة الثالثة هي أنت.
لم يفهم يونس.
— ماذا؟
قال الأب:
— أنت لم تكن النسخة الأولى.
ثم أشار إلى الطفل الأكبر.
— هو النسخة الأولى.
ثم إلى الطفل الآخر.
— وهو النسخة الثانية.
وأخيرًا نظر إلى يونس.
— وأنت النسخة الثالثة.
توقف كل شيء داخل يونس.
— مستحيل.
قال سامر:
— هذا هو السبب في أن ذاكرتك غير مستقرة.
بدأت أجزاء كثيرة من الماضي تتجمع في ذهنه.
الرجل الذي يشبهه.
الأب.
الغرفة 17.
الأطفال.
الذكريات المتناقضة.
كل شيء كان مبنيًا على كذبة واحدة.
أنه يونس.
لكن…
من يكون يونس فعلًا؟
رفع الطفل الأصغر اللعبة التي في يده.
ضغط على زر صغير.
خرج منها تسجيل صوتي.
كان صوت طفل.
صوت يونس عندما كان صغيرًا.
"إذا نسيت من أكون… ذكرني."
ارتجف يونس.
اقترب من الطفل.
— ماذا قلت؟
كرر الطفل التسجيل.
"إذا نسيت من أكون… ذكرني."
ثم تغير التسجيل.
ظهر صوت آخر.
صوت رجل.
كان الأب.
"لا تدعه يتذكر."
تراجع يونس.
نظر إلى أبيه.
— كنت تخاف أن أتذكر.
قال الأب:
— كنت أحاول حمايتك.
— من ماذا؟
— منك.
صمت يونس.
ثم قال:
— ماذا فعلت؟
لم يجب الأب.
لكن الطفل الأكبر تكلم:
— أنت لم تفعل شيئًا.
نظر إليه يونس.
— إذًا لماذا يخافون مني؟
أجاب الطفل:
— لأنك الوحيد الذي نجح.
— نجح في ماذا؟
اقترب الطفل من الزجاج.
— في الاحتفاظ بذكريات النسخ الثلاث.
توقف يونس عن التنفس للحظة.
— ماذا؟
قال سامر:
— هذا مستحيل.
هز الطفل رأسه.
— لهذا السبب كانوا يبحثون عنه طوال هذه السنوات.
— من؟
نظر الطفل إلى السقف.
ثم قال:
— الأشخاص الذين صنعونا.
وفجأة…
انطفأت الإضاءة.
لكن هذه المرة لم يكن انقطاعًا عاديًا.
بدأت الأبواب الإلكترونية تُغلق واحدًا تلو الآخر.
طَق.
طَق.
طَق.
ثم ظهر صوت آلي في الممر:
"تم تفعيل بروتوكول الاستعادة."
نظر سامر إلى الأب.
— ماذا فعلت؟
أجاب الأب:
— لم أفعل شيئًا.
ظهر ضوء أحمر فوق الباب.
ثم ظهرت رسالة على الشاشة:
"تم تحديد موقع النسخة الثالثة."
نظر يونس إلى نفسه.
بدأ قلبه يخفق بقوة.
ظهرت رسالة ثانية:
"الهدف: آدم سليم."
ثم رسالة ثالثة:
"المرحلة الأخيرة تبدأ الآن."
قال سامر:
— يجب أن نخرج.
لكن الأب لم يتحرك.
كان يحدق في يونس.
قال بهدوء:
— الآن فهمت لماذا كنت أحاول منعك من الوصول إلى هنا.
— لماذا؟
رفع الأب عينيه.
— لأن الغرفة 17 ليست مكانًا لحفظ الأسرار.
سكت.
ثم قال:
— إنها المكان الذي بدأ فيه كل شيء.
انفتح الباب الموجود خلف الطفلين.
ظهر ممر طويل مظلم.
وفي نهايته…
كانت هناك غرفة أخرى.
وعلى بابها رقم مختلف:
18
لكن الشيء الذي جعل يونس يتجمد…
هو الصوت القادم من داخلها.
صوت امرأة.
صوت يعرفه جيدًا.
قالت:
— آدم…
أغمض يونس عينيه.
كان يعرف هذا الصوت.
كان يعرفه رغم أنه لم يسمعه منذ سنوات.
ثم فتحت المرأة الباب.
ظهرت أمامهم.
وتوقفت عينا يونس عليها.
همس:
— أمي؟
ابتسمت المرأة.
وقالت:
— تأخرت كثيرًا يا بني.
يتبع…
الطفل الثالث
حين نسيتُ من أكون · بقلم Amor Ken