NOVELFLEX

ظلال في السوق

برزخ الرصد · بقلم mahmoud

ظل يونس واقفًا في منتصف الورشة، وعيناه لا ترمشان، تحدقان في البؤرة الزرقاء التي ظهرت على سطح القطعة النحاسية فوق الطاولة. كان السكون ثقيلًا، والذبذبة الميكانيكية الخاطفة التي انبعثت من قلب المعدن الصلب لا تزال ترن في أرجاء عقله.

سحب نفسًا متقطعًا، وبخطوات أثقلها الذهول، مد يده اليمنى المكشوفة نحو القطعة.

ترددت أصابعه لثوانٍ، ثم لامست أطرافها المرتجفة حافة النحاس.

في لحظة التلامس، نبضت العروق النحاسية الغائرة تحت جلده بنبضة حادة. سرت حرارة مباغتة من معصمه نحو القطعة، وبدأت العين الزرقاء بالاضطراب؛ اشتد وهجها للحظة، ثم أخذ يخفت تدريجيًا، كشرارة تحتضر.

وعلى سطح النحاس الأملس، ظهرت تشققات دقيقة كخيوط عنكبوت، امتدت حول العين الزرقاء. تكسرت معها حواف النحت، ثم بدأت ملامحها بالتلاشي شيئًا فشيئًا، حتى اختفت تمامًا.

عادت القطعة مجرد قرص نحاسي صامت، مشوه السطح، خاليًا من أي أثر للعين.

سحب يونس يده بسرعة.

ساد الصمت من جديد.

نظر إلى كفه النحاسية، ثم إلى القطعة المشوهة أمامه، وقال بصوت خافت:

{ماذا يحدث لي...؟}

لم تجبه الورشة.

ولا جاءه صوت من المخطوطة.

بقي السؤال معلقًا في صمت المكان.

على بُعد أزقة قليلة من الورشة، كانت الحياة تنبض بإيقاعها اليومي المعتاد تحت شمس الظهيرة.

أصوات المطارق وهي تضرب صفائح النحاس في حارة النحاسين، وروائح التوابل النفاذة الممتزجة برائحة الخبز الساخن، وصياح الباعة المتداخل مع وقع خطوات المارة بين الأزقة الضيقة... حركة دؤوبة لا تعرف شيئًا عن العزلة التي تحاصر يونس خلف باب ورشته المغلق.

وسط هذا الصخب، دخل رجلان غريبان إلى الحارة.

لم تكن على ملامحهما أي علامة تكشف وجهتهما أو المكان الذي أتيا منه. كانا يتنقلان بين الأزقة بخطوات ثابتة ومحسوبة، تتفحص أعينهما الوجوه والمحال من حولهما، كأنهما يبحثان عن شخص بعينه.

توقفا أمام دكان قديم لبيع النحاسيات والأواني العتيقة.

كان صاحب الدكان رجلًا مجعد الوجه، يمسح إبريقًا نحاسيًا بقطعة قماش بالية.

تقدم الرجل الأكبر سنًا، ذو البنية القوية والملامح الصلبة التي غزا جانبها الشيب، وقال بصوت هادئ يحمل نبرة حازمة:

{نبحث عن رجل يُعرف بالعراف.}

توقف البائع عن مسح الإبريق، ورفع رأسه يتفحص الرجلين بعينين ضيقتين.

{العراف؟}

لم يتغير تعبير الرجل الأكبر، فأجاب باقتضاب:

{رجل يحمل عصًا قديمة... ويعرف أشياء لا ينبغي لأحد أن يعرفها.}

تردد البائع، ثم هز رأسه بالنفي، وعاد إلى مسح إبريقه.

{لا أعرف أحدًا بهذا الاسم يا بني... السوق مليء بالدراويش والشيوخ.}

تدخل رجل مسن كان يجلس على دكة خشبية قريبة، يرتشف كوبًا من الشاي:

{إن كنت تقصد الرجل الصامت صاحب العباءة الداكنة، فقد رأيته قبل أسبوع يمر قرب حارة العطارين القديمة... عند أطراف الحي القديم.}

لكن حمالًا كان يعبر أمام الدكان وهو يحمل حمولة ثقيلة، ألقى كلمته دون أن يتوقف:

{عن أي عراف تتحدثون؟ ذلك الرجل لم يطأ هذا السوق منذ سنوات طويلة. يقال إنه رحل شمالًا.}

تبادل الغريبان نظرة سريعة.

كانت المعلومات متناقضة، والناس في السوق ينسجون الحكايات حول كل شخص غامض، لكن الرجلين لم يعلّقا على شيء، ولم يكشفا سبب بحثهما عن ذلك الرجل.

اكتفى الأكبر بإيماءة قصيرة، ثم تابع السير مع رفيقه.

غاصا أكثر في عمق الأزقة القديمة الملتوية، حيث تقل الحركة وتزداد رطوبة الجدران الترابية.

وبعد دقائق، مرا بشارع ضيق تقع في نهايته ورشة يونس.

بدت الورشة من الخارج ساكنة؛ بابها الخشبي مغلق، ولا يصدر من داخلها أي صوت.

مرا بجانبها ببضع خطوات.

وفجأة...

توقف الغريب الأصغر.

كان أكثر حذرًا من رفيقه، فالتفت ببطء نحو الورشة، وأخذ يتأمل بابها المغلق دون أن يعرف سبب انجذابه إليه.

ظل صامتًا للحظات.

لاحظ رفيقه توقفه، فتوقف بدوره وسأله:

{هل شعرت بشيء؟}

بقي الأصغر محدقًا في الورشة. ثم قال:

{لا أعرف.}

نظر إليه الأكبر لحظة، ثم قال:

{إذن تابع.}

ألقى الأصغر نظرة أخيرة على الباب، ثم استدار ولحق به.

واصلا سيرهما بين الأزقة القديمة، بينما بدأت أصوات السوق تخفت خلفهما شيئًا فشيئًا.

وبعد مسافة قصيرة، قال الأصغر:

{إن كان العراف ما يزال في هذه المدينة... فسوف نجده.}

توقف الأكبر عند زاوية زقاق مظلم، ونظر إلى الطريق الممتد أمامهما. سأل بهدوء:

{وإن لم نجده؟}

ساد صمت قصير. ثم أجاب:

{سنبحث عن سبب اختفائه.}

تابعا طريقهما بين الأزقة الضيقة، وابتلعتهما ظلال الحي القديم.

أما المدينة، فبقيت على حالها...

لا تعرف أن رجلين غريبين دخلاها بحثًا عن شخص لم يعرف أحد أين اختفى.