خارج حدود الزمان وقوانين المكان المألوف، امتدَّ البرزخ.
لم تكن هناك شمس تشرق، ولا سقف يحدُّ السماء، ولا أرض ترابية تطأها الأقدام؛ بل فضاء أثيري شاسع يغرق في ضباب رمادي أزلي لا يتبدل.
تلوح في أرجائه أعمدة نحاسية عملاقة، تصعد من مجهول سحيق وتختفي في أفق غير مرئي، تعلوها تروس ضخمة ذات أسنان متداخلة، تدور في الفراغ دون أن تلامس بعضها، كأنها تحسب أنفاس العالم المادي وتزن دقات قلبه من بعيد.
وفي قلب هذا الفراغ المعلّق، فوق مجرى من الظلال الراكدة، انتصبت منصة حجرية وحيدة.
حول طاولة دائرية منحوتة من صخر أسود، جلس أربعة رجال يرتدون عباءات ثقيلة ذات ياقات عالية، جعلت وجوههم غارقة في الظلال البرزخية.
لم تكن هناك مشاعل أو قناديل تكشف ملامحهم، بل هالة ضئيلة ذات بريق أزرق بارد تنبعث من قلب القطعة النحاسية الرئيسية المستقرة فوق الركيزة الحجرية في منتصف الطاولة.
كانت القطعة عبارة عن قرص ضخم تتداخل في بنيته تروس دقيقة، أشبه بقلبٍ معدني قديم، ينبض بإيقاع بطيء ومنتظم منذ أزمنة بعيدة.
لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين كيف بدأ ذلك النبض.
لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا:
إنه مرتبط بالآثار التي ظهرت في عالم البشر.
وفجأة...
انكسر الإيقاع البرزخي.
دون صوت أو إنذار، اهتز القرص المركزي اهتزازة صامتة وحادة.
ارتجف الوهج الأزرق لثانية واحدة، كأن قوة خفية اضطربت في أعماقه، ثم انطفأ جزء كامل منه.
وعلى سطح النحاس العتيق، ظهر خط دقيق غائر، امتد ببطء من حافة القرص نحو مركزه.
ثم تشققت حوله خطوط دقيقة أخرى.
توقفت التروس المعلقة في الفضاء الشاسع عن الدوران للحظة.
ساد سكون أثقل من السابق.
ثم عادت التروس إلى الحركة ببطء، لكن هذه المرة بإيقاع مختلف... أكثر بطئًا، وأكثر غموضًا.
لم يتحرك أحد من الرجال الأربعة.
بقيت أجسادهم ساكنة، بينما كانت أعينهم تتأمل الشرخ الجديد الذي ظهر في قلب القطعة النحاسية.
رفع أحدهم يده. كانت أصابعه مغطاة بقفاز داكن خشن، فأشار بها نحو القرص دون أن يلمس سطحه. قال بصوت خفيض:
{الخيط الخامس... انكسر.}
رد الرجل الجالس في الجهة المقابلة، بصوت خالٍ من الانفعال:
{ليس تآكلًا.}
توقفت أصابعه للحظة فوق الشرخ.
{الشرخ حديث... ومنتظم.}
ساد الصمت. ثم أضاف:
{لقد حدث شيء في العالم المادي.}
لم يجب أحد.
كانوا جميعًا يراقبون الوهج الأزرق المتراجع حول الشرخ.
قال الرجل الأول:
{إذن لم يكن اختفاء العراف عشوائيًا.}
رفع أحد الجالسين رأسه قليلًا.
{أتظن أنه هو السبب؟}
{لا أعرف.}
كانت الإجابة هادئة، لكنها حملت شيئًا من الحذر.
{لكن شيئًا ما تغيّر.}
توجهت الأنظار جميعًا نحو الرجل الذي جلس في صدر الطاولة. كان أكثرهم صمتًا وهيبة.
لم يتكلم فورًا.
ظل يراقب الشرخ طويلًا، وكأنه يحاول قراءة شيء لا يظهر إلا لمن يعرف كيف ينظر إليه. ثم قال:
{لا نتحرك.}
رفع أحد الرجال رأسه.
{ولكن إذا كان ما حدث مرتبطًا بالعراف—}
قاطعه بصوت بارد:
{ قلت: لا نتحرك.}
ساد الصمت من جديد. ثم تابع:
{لا اقتحام. لا مواجهة. ولا أثر يدل على وجودنا.}
نظر إلى القرص النحاسي.
{إذا كان الشرخ يعني ما أظنه، فهناك شيء جديد ظهر في المدينة.}
سأل أحدهم:
{ونراقبه؟}
أجاب:
{نراقب المكان أولًا.}
ثم أضاف بعد لحظة:
{حارة النحاسين... والأحياء القديمة المحيطة بها.}
انحنى أحد الرجال قليلًا.
{وماذا نفعل إذا ظهر صاحب الشرخ؟}
ساد صمت قصير. ثم جاء الرد:
{لا تقتربوا.}
رفع الرجل نظره نحوهم.
{راقبوه فقط.}
لم يسأل أحد عن السبب. كانت الأوامر واضحة.
تراجعت الأيدي عن الطاولة، وعاد الرجال إلى سكونهم، بينما بدأت التروس العملاقة في أعماق البرزخ تدور من جديد.
وفي وسط المنصة، ظل الشرخ الدقيق محفورًا في قلب القطعة النحاسية.
كان الوهج الأزرق المحيط به يضعف شيئًا فشيئًا...
لكن الشرخ لم يختفِ.
ظل موجودًا.
كعلامة على أن شيئًا ما في العالم المادي قد تغيّر.
وأن شخصًا مجهولًا بدأ، دون أن يعرف، يلفت أنظارًا كانت تراقب العالم منذ زمن بعيد.