NOVELFLEX

بداية أخرى

رواية: ما بيننا وعد · بقلم زهرة سارة

مرت سنوات … ومع كل سنة، كانت لولا تكبر في العمر، لكن شيئًا في قلبها ظل صغيرًا — مجمّدًا في تلك اللحظة التي غادرت فيها حيّها، ودفنت قلبها مع والدها.

البلد الجديد كان مختلفًا … الناس ، اللغة ، الطقس ، الوجوه ، كل شيء بدا غريبًا في البداية .. لكن لولا كانت تتعلم كيف تخفي حنينها خلف ابتسامة بسيطة، كيف تنجز واجباتها، تتفادى المشاكل، وتبقى "الفتاة الهادئة"... وفي أول يوم لها في المرحلة الثانوية، كانت تقف في الساحة الخارجية، ترتب دفاترها بتوتر خفيف ... الطلاب يمشون في مجموعات، يضحكون، يتحدثون بسرعة … أما هي، فكانت وحيدة .. وفجأة، سمعت صوت فتاة مرِح يقول:

"أوه! أنظري ! دفترك على الأرض."

نظرت لولا بسرعة، ورأت فتاة بشعر بني مجعد، ترتدي سترة جلدية وحذاءً غريب الشكل، تمسك دفترها وتبتسم.

"شكراً…" تمتمت لولا بخجل.

"أنتِ جديدة في ثانوية صحيح؟ واضح عليك عليكِ."

أومأت لولا برأسها: "نوعًا ما…"

"أنا **كريستينا**، لكن الجميع يناديني **كريس**. وأنتِ؟"

"لولا."

"اسم لطيف...تحبين القهوة؟"

"مم… أظن."

"عظيم. سنكون صديقتين!" قالت كريس بحماس مفاجئ، ثم أضافت وهي تضحك: "لا تقلقي، أنا لست غريبة الأطوار، لكن نشيطة قليلا!"

ضحكت لولا بخفة، للمرة الأولى منذ فترة طويلة.

"أوه، لولا تضحك؟ سنترك هذه اللحظة تاريخية!" قالت كريس وهي تمثل أنها تكتب في دفتر غير مرئي.

شيء ما في كريس كان معديًا…

ربما دفئها، أو طاقتها، أو قدرتها الغريبة على جعل الناس يضحكون رغمًا عنهم.

**ومن تلك اللحظة، بدأت لولا تكتشف شيئًا لم تعرفه منذ رحيل والدها…

أن الحياة قد تمنحنا دومًا بداية أخرى، حتى لو كنا لا ننتظرها.**

خلال أسابيع قليلة، أصبحت **كريس** أشبه بعاصفة دخلت حياة **لولا**.

كانت كريس تعرف كل الزوايا في المدرسة، كل الأساتذة "الذين يحبون الكلام" و"الذين يجب عليهم الضحك على نكتهم من أجل تحسن نقاطهم"، وكانت تتعامل مع الحياة ببساطة مذهلة.

أما لولا، فكانت تراقب كل شيء بصمت، تبتسم بخجل، وتدوّن في دفترها الصغير ملاحظات عن العالم… وعن نفسها.

في أحد الأيام، بينما كانتا تجلسان على العشب خلف المدرسة، فتحت كريس كيسًا من رقائق البطاطا وقالت:

"حسنا .. لدي سؤال مصيري."

نظرت إليها لولا باستغراب:

"ما هو ؟"

"ماذا لو لم يكن هناك أي حدود… و لا قوانين… و لا ظروف… ما هو الشيء الذي تحلمين بفعله ؟"

صمتت لولا للحظة. نظرت إلى السماء.

ثم قالت بهدوء:

"أكون عارضة أزياء."

كادت كريس أن يسقط الكيس من يدها.

"ماذا ؟! حقا ؟! حسنا و لماذا لم تقولي لي ولا مرة ؟"

"لا أتحدث عنه كثيرا…"

قالتها لولا بصوت خافت وهي تعبث بعشب الأرض.

"كان حلمي وأنا صغيرة… لكن الظروف تغيرت."

"لكن لولا… لديك وجه جميل بشكل غير طبيعي! وطولك ممتاز! و حتى جسمك مثالي ..  أيضا لديك… حضور هادئ لكنه يلفت الانتباه."

ثم اقتربت منها وقالت نصف همس:

"أنا كنت أفكر في أنكي من الممكن أن تصلحي في أن تكوني عارضة .. من أول يوم رأيتك فيه، لكن خفت أن أكون وقحة."

ضحكت لولا لأول مرة بصوت واضح.

"أنتِ لست وقحة… لكن مجنونة قليلا ."

"شكراً، سأتقبلها كمديح!"

ثم استقامت كريس وقالت بجدية:

"اسمعي، يجب علينا أن نسترجع حلمك إلى الحياة. إذا كنتي تحبين الأزياء، يجب أن نجد طريقة ... عروض مدرسية؟ تصوير؟ صفحات أونلاين؟ أي شيء!"

أخفضت لولا عينيها وقالت:

"أنا وعدت أبي… إنني أكمّل دراستي وأتخرّج. قال لي : أتركي حلمك و الأساس هو العلم."

جلست كريس بهدوء بجانبها، وربّتت على كتفها بلطف.

"ولم يقل أحد أنك ستختارين بين الإثنين. بالعكس… من الممكن أن تدرسي، وتلاحقي حلمك في نفس الوقت. أبوك كان يريد لكِ مستقبلا مشرق، صحيح ؟"

أومأت لولا بصمت، والحنين يمرّ في قلبها كنسمة برد خفيفة.

"سأكون إلى جانبك، لولاتي. خطوة بخطوة."

"لولاتي؟!" ضحكت لولا بدهشة.

"ماذا ؟ اسم لطيف، أليس كذلك؟"

"هكذا كان يناديني أبي ... و ماكس…" قالتها بهمس مفاجئ.

سكتت كريس، وابتسمت بلطف...

"ماكس؟ أول (crush)؟"

هزّت لولا رأسها وقالت:

"ليس( crush)… كان أكثر من ذلك. لكن تركته ورائي، مثل كل شيء أخر ."

**لكنها لم تكن صادقة تمامًا.

ماكس لم يكن خلفها.

كان في مكان عميق داخلها، حيًا… مثل الحلم الذي بدأ يستيقظ من جديد.**

بعد أسابيع من تلك الجلسة على العشب، لم تتوقف كريس عن الحديث عن حلم لولا، وكأن الحلم صار الآن مشتركًا بينهما.

كانت تُرسل لها روابط لعروض محلية، دروس تصوير، وحتى مسابقات على الإنترنت.

ولولا، كانت تردّ بابتسامة خفيفة، وكأن قلبها يقول: *"أريد… لكن لا أعرف إن كنت أستطيع."*

وفي أحد الأيام، اقتحمت كريس الصف وهي تصرخ بخفوت:

"لولا! تعالي بسرعة!"

سحبتها من يدها إلى خارج الصف، ودفعت في يدها ورقة مطبوعة، عنوانها بالخط العريض:

> **"اختبار وجوه جديدة لعروض الأزياء – نبحث عن الجمال الطبيعي، الثقة، والأحلام."**

"كريس… ما هذا؟"

"مسابقة محلية، بسيطة! لكن أهم شيء ؟ إنها أول خطوة… خطوة حقيقية."

"لكن أنا لا أملك خبرة…"

"لم يطلبون خبرة .. يريدون بنات عاديات ، طبيعيات .. وهي فرصة تنفتحي على المجال … أو حتى فقط تكسر خوفك."

نظرت لولا للورقة، وشعرت كأنها تحترق في يدها.

كأن الماضي عاد فجأة، بصوت والدها في المستشفى:

> *" أكمّلي دراستك ، تخرّجي… ووقت تخرّجك ، تعالي على قبري وقولي لي: فعلتها يا أبي."*

قالت ببطء:

" لا أستطيع … لا أريد أن أخون وعدي لأبي."

كريس تنهدت، لكنها لم تضغط.

"أنا أفهمك … لكن فكري في الأمر ، ليس تمردا ، و لا تنازل. فكري فيها كاختبار… هل حلمك لا يزال حيا ؟ أو مات مع الوداع؟"

في تلك الليلة، جلست لولا على سريرها، وأمامها المرآة.

نظرت إلى وجهها، ليس كما تراه كل صباح، بل كما كانت تراه وهي طفلة…

وجه فتاة تؤمن أنها ستكون على المسرح يومًا ما.

وجه لولا التي لم تخف من شيء… إلا من أن تُنسى.

وبينما كانت تمسك الورقة، سقطت دمعة واحدة على طرفها.

> **ربما آن الأوان… لأقول له: أنا ما زلت أحاول يا أبي. لم أستسلم بعد .**

في تلك الليلة، بعد أن غادرت كريس، جلست **لولا** على سريرها، والغرفة صامتة كأنها نسيت كيف تصدر أصواتًا.

النافذة نصف مفتوحة، والهواء البارد يحرّك الستارة بخفة، كأن أحدهم يمرّ بهدوء. أمامها كانت الورقة — إعلان الاختبار — لا تزال على طاولتها، تنظر إليها كأنها رسالة من عالم آخر.

وعلى الحائط المقابل، كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود: **لولا بعمر خمس سنوات، تجلس على أكتاف والدها، وهي تضحك بشدة.**

"أبي …" همست.

"أنا خائفة… خائفة من أن أخون وعدك… وخائفة من أن أضيّع حلمي."

وفجأة… لم تكن وحدها.

من بين الظلال الخفيفة، ومن زاوية الغرفة، شعرت بحضور مألوف، دافئ…

كأن شيئًا داخلها نبض، واستيقظت فيه الطفلة التي عرفت صوته حتى في نومها.

نظرت ببطء… وهناك، بين ظلال الستارة المتراقصة…

**رأت خيال أبيها.**

لم يكن واضح المعالم، لم يكن صوته صريحًا، لكن **شعوره** كان حقيقيًا تمامًا.

سمعته يقول… لا بصوت، بل بقلبها:

"لولاتي… أنا قلت لك أكمّلي دراستك، لا أن تتركي حلمك. أنا لم أكن أريد أن تطفئي الحلم… كنت أريدك أن تحميه."

شهقت لولا بخفة، دموعها تنزل بهدوء وهي تهمس:

"لكن وعدتك… إنني سأتخرج قبل أي شي أخر ."

ردّ خياله، بابتسامة لم تتغيّر:

"والوعد لا يزال قائما. لكن يا ابنتي… الحياة ليس إما حلم إما علم... الحياة توازن. وأنا واثق من أنك تستطعين أن توازني."

تقدمت لولا خطوة، كأنها تقترب من قلبها قبل أن تقترب من خياله، وهمست:

"أبي ... اشتقت لك."

"وأنا معك. كل خطوة. كل لحظة خوف. كل نجاح. أنا معك… حتى و لو لم تريني."

ثم بدأ الخيال يتلاشى، كما جاء، تاركًا دفئًا هادئًا في صدرها، كأن أحدهم حضنها دون أن يلمسها.

نظرت إلى الورقة مجددًا.

مسحت دموعها، وتنفست بعمق، ثم همست لنفسها:

" سأفعلها ... سأكمّل دراستي… وسألاحق حلمي. سأكون الذي كنت أظنه مستحيل."

**في اليوم التالي، كتبت اسمها على استمارة التسجيل، وسلّمتها.

ولأول مرة منذ سنوات… شعرت أن قلبها ينبض في الاتجاه الصحيح.**