صباح يوم السبت … استيقظت لولا مبكرًا على غير عادتها، قلبها يخفق كأنه يركض قبلها .. السماء كانت رمادية قليلاً، وكأنها تقاسمها التوتر… لكن في قلبها، كان هناك ضوء صغير يقول: *اليوم مختلف.* ، وصلتها رسالة من كريس:
> **"أنا قادمة خلال خمس دقايق و معي الفطور، لا تفكري أن تهربي!"**
ابتسمت لولا، رغم التوتر .. بعد دقائق، وصلت كريس وهي تمسك بكوبين من القهوة وعلبة فيها بعض الفطائر
"جاهزة يا لولاتي؟"
"جاهزة؟ لست أعرف إن كنت حية أصلاً!"
" لا تقلقي ، أحضرت لك قهوة بثقة زايدة عن اللزوم، أشربي .. و تصبحين أفضل من قبل !" قالت كريس وضحكت.
ركبتا الحافلة معًا، وكل لحظة تقربهما من مكان التجربة، كانت يد لولا ترتجف أكثر.
"كريس…" قالت لولا فجأة، وهي تشد على حقيبتها.
"أنا حقا خائف... يمكن أن أصعد على المسرح وأنسى كيف أن أمشي."
"لولاتي، ماذا قلت لكِ ؟"
"إنك سوف تضحكين علي إن وقعت ؟"
"بالضبط! لكن بعد ما أساعدك على الوقوف !" ثم أضافت بابتسامة دافئة:
" انسي الناس… فكري أنك تمشين على منصة أبيك.. هو أول من رأى فيكِ الجمال، وهو أول مشجع لك. هل فهمتي؟"
وصلوا أخيرًا إلى المبنى، وكان هناك طابور طويل من فتيات مختلفات … طويلات ، قصيرات ، ممتلئات ، ناعمات ، كلاسيكيات … لكن كلهنّ كنّ يحملن شيئًا مشتركًا: **أمل.**
"اسمعي، لن أتركك وحدك . سأدخل معك، حتى لو كنتُ الوحيدة التي لم تدخل في مشاركة!"
"كريس ... حقا ، شكراً."
"لا تقولي شكراً. لكن خذيني معك عندما تصبحي مشهورة، حسنا ؟"
ضحكت لولا، وقالت:
"أنتِ أول اسم على قائمتي، مجنونة!"
دخلت لولا إلى قاعة الانتظار، وقدّمت اسمها.
ثم أعطوها رقماً، وطلبوا منها الانتظار حتى يُنادى عليها.
كأن قلبها توقف مؤقتًا، ثم عاد ينبض بقوة.
جلست تمسح على بنطالها بيديها المتعرقتين، تنظر إلى الفتيات من حولها، بعضهن يضعن مساحيق تجميل، أخريات يتدرّبن على المشي.
أما هي، فقد كانت تحمل شيئًا مختلفًا… شيئًا لا يُرى:
> **وعد… وذكرى… وابتسامة رجل قال لها ذات مرة: "أنا معكِ… حتى لو لم تريني."**
"رقم 23، لولا فيذر ."
سمعت اسمها، لكن قدميها بقيتا مكانهما.
كأن الأرض تسألها: *متأكدة؟*
نظرت إلى كريس التي أمسكت يدها وقالت بخفة:
"إذهبي ، لولاتي… هذا وقتك."
أومأت لولا، ونهضت ببطء.
دخلت القاعة، فسيحة، جدرانها بيضاء، وضوء قوي فوق منصة رمادية صغيرة، وفي نهاية الغرفة تجلس لجنة من ثلاثة أشخاص، لا يُظهرون أي ملامح.
واحدة تنظر في ملف، الثاني يكتب شيئًا على الكمبيوتر، والثالث يراقبها دون ابتسامة.
وقفت لولا في منتصف المنصة، ضوء قوي فوقها…
والصمت قاتل.
قالت المرأة المسؤولة عن اللجنة بصوت ثابت:
"عندما تكونين جاهزة، ابدئي بالمشي ثم قفي في المنتصف ثلاث ثوانٍ، وأخيرًا استديري وعودي. هل فهمتِ؟"
أومأت لولا، لكن يدها ترتجف.
ثم مشت.
خطوتها الأولى كانت بطيئة، والثانية مرتبكة.
شعرت كأن عيون الجميع تغوص داخل جلدها، كأن الأرض غير مستقرة تحت كعبيها.
**(سيضحكون عليّ، مكاني ليس هنا )**
قالها صوت صغير داخلها.
لكنها تذكّرت…
صوتًا أكبر من الخوف.
> *"أنا معكِ حتى لو لم تريني… أنا مؤمن بك، لولاتي."*
شهقة خفيفة… ثم رفعت رأسها.
أخذت نفسًا عميقًا، وغيّرت نظرتها.
**العالم تغيّر في لحظة.**
لم تعد تمشي كطفلة خائفة…
بل كمَن تمشي بين أذرع والدها، تحت تصفيق قلبه، لا أعين الغرباء.
مشت مجددًا، هذه المرة بثقة.
وقفت في منتصف المنصة، مدت ذقنها للأمام قليلاً كما كانت تفعل أمام مرآتها وهي طفلة،
ثم استدارت بهدوء، وعادت بخطى ثابتة…
كأنها تسير على حلمها ذاته.
وعندما نزلت من المنصة…
كانت اللجنة صامتة.
قال أحدهم أخيرًا:
"شكراً يا لولا. سنتواصل معك قريباً."
لم تدرِ إن كان هذا جيدًا أو سيئًا…
لكنها عرفت شيئًا واحدًا:
> **لقد فعلتها. وللمرة الأولى… مشت بثقتها، لا بخوفها.**
وما إن عادت إلى كريس، حتى قفزت الأخيرة عليها وضحكت:
"كنتِ رهيبة! ماشية كأنك داخلة تنتقمي من العالم!"
"أشعر إنني سأبكي…" قالتها لولا وهي تضحك وتبكي في آنٍ واحد
ثم همست وهي تنظر إلى السماء:
"رأيتني .. أليس كذلك؟ رأيني وأنا أمشي، أبي …"
مرّت أيام قليلة على تجربة الأداء، وكانت لولا تعود إلى روتينها في المدرسة الثانوية الجديدة.
الصفوف مختلفة، الوجوه غريبة، واللغة لا تزال تعلّق على لسانها أحيانًا… لكن كريس كانت دائمًا هناك، تلوّن الأيام الرمادية بخفة دمها.
في الاستراحة، جلستا سويًا تحت شجرة كبيرة في ساحة المدرسة.
كانت لولا تشرب عصيرها بصمت، وعيناها تتفحصان الممرات.
وفجأة… توقفت عيناها.
شاب طويل القامة، بشعر داكن، خطواته واثقة، وابتسامة نصف ساخرة على شفتيه.
أوقفته مجموعة فتيات عند المدخل، وكل واحدة منهن كانت تضحك كأنها تنتمي إلى مسرحيته الخاصة.
قالت لولا بخفّة، وعيناها متسعتان:
"كريس… من هذا؟"
نظرت كريس باتجاهه، ثم تنهدت وكأنها تعرف الحكاية من أولها لآخرها:
"آه، هذا ديفيد. الولد المغرور في المدرسة.
والده مليونير، ولديه سيارة وهو لايملك رخصة بعد، كل شيء بحياته ماركات عالمية ، وهو مقتنع ان كل البنات يريدون مواعدته فقط لأنه وسيم وغني."
شهقت لولا بخفة، وعقدت حاجبيها باشمئزاز:
"أوف. حقا؟ وكيف تتحملونه؟"
ضحكت كريس:
"لا أتحمله ! لكن كل البنات يمثلن أنهن مهتمات من أجل إلفات نظره .. بصراحة ، أتمنى لو يخسر بطاقة الفيزا ، و حينها سنرى كيف يتصرف."
لولا هزّت رأسها وقالت وهي ما تزال تراقبه من بعيد:
"كنت أعتقد للحظة انه يشبه ماكس… لكن لا.. لا .. لا .. ماكس ليس هكذا أبداً.. ماكس ليس مغرور.. كان دائمًا لطيف، عفوي، لا بيهتم بالشكل، ولا بالمال…"
ثم نظرت للأسفل، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيها:
"غبية… كيف اعتقد انه من ممكن أن يكون ماكس؟ ماكس لن يتكرر…"
قالت كريس بلطف وهي تميل نحوها:
" ماكس صديقك القديم؟"
"أكتر من صديق. كان أقرب شيء لقلبي… اتمنى لو ألتقي به مرة أخرى فقط… لا أعرف إلى أين ستأخذنا الحياة ."
"يمكن أن تلتقيا.. الحياة أغرب من أي فيلم درامي"
"أتمنى…"
ثم عاد الصمت بينهما، لكن في صدر لولا، كانت صورة ماكس تلمع من جديد، كأن قلبها أوقف الزمن عند تلك اللحظة…
عندما ربطت خنصرها بخنصره، ووعدا بعضهما أن يلتقيا، مهما طال الزمن.