NOVELFLEX

بداية أخرى

عند منعطف الطريق · بقلم rakan780rakan1996

لم تكن العودة إلى المستشفى مجرد انتقال من مكان عمل إلى آخر، ولم تكن مجرد محاولة للبحث عن مصدر رزق أفضل. كان الأمر بالنسبة لي أشبه بالعودة إلى مكان يحمل من ذاكرتي أكثر مما يحتمل مكان واحد.

في ذلك الصباح، دخلت المستشفى بصفتي موظفًا، لا مريضًا جاء يبحث عن النجاة.

كان المكان مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه. الممرات ذاتها، والأبواب ذاتها، ورائحة المستشفى التي لا تشبه أي مكان آخر. لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا هذه المرة؛ لم أكن مستلقيًا على سرير أنتظر نتيجة فحص أو خبرًا يطمئنني، بل كنت أقف على قدميّ، أحاول أن أبدأ حياة جديدة.

لم أكن أعلم ماذا ينتظرني، ولم أكن أملك تصورًا واضحًا عن الأيام القادمة. كل ما كنت أعرفه أنني تركت خلفي مرحلة لم أعد أرغب في استكمالها، وأن عليّ أن أتعلم كيف أبدأ من جديد، حتى لو اضطررت إلى البدء من الصفر.

لم تكن البداية سهلة.

وربما كانت تلك إحدى المرات القليلة التي بدأت فيها أنظر إلى الناس بطريقة مختلفة؛ لم أعد أكتفي بما يظهرونه أمامي، فقد يكون الشخص الذي يبتسم في وجهك قد قضى ليلته يبكي، وقد يكون الذي يبدو غاضبًا يحمل من الهموم ما لا تستطيع تخيله.

ومع مرور الوقت، بدأت أتعلم كيف أتعامل مع المكان، ومع الأشخاص، ومع نفسي أيضًا.

لم تكن كل المعارك التي خضتها ظاهرة للآخرين. بعضها كان يدور في داخلي، وبعضها الآخر كان مؤجلًا منذ سنوات طويلة.

كنت قد اعتدت حمل أشياء أكثر مما ينبغي؛ ذكريات قديمة، وخيبات لم أجد لها تفسيرًا، وأخطاء كنت أعود إليها كلما حاولت التقدم خطوة إلى الأمام.

لكن الحياة، بطريقة لا أفهمها دائمًا، لا تتوقف حتى ننتهي من ترتيب فوضانا الداخلية.

وكان عليّ أن أبدأ بترتيب فوضاي.

أما المال، فقد كان حكاية أخرى.

لسنوات طويلة، لم يكن الراتب يعني بالنسبة لي أكثر من وسيلة للبقاء حتى موعد الراتب التالي. أعمل، وأقبض، وأسدد، ثم أعود إلى نقطة البداية. كنت أشعر أحيانًا أنني أركض في طريق لا نهاية له، وأن كل ما أفعله هو محاولة اللحاق بأشياء تسبقني دائمًا.

مررت بتجارب لم تنجح، ومشاريع لم تكتمل، وقرارات تمنيت لو أنني فكرت فيها أكثر قبل اتخاذها.

لكنني لم أكن أملك رفاهية البقاء طويلًا أمام أخطائي.

شيئًا فشيئًا، بدأت الحسابات القديمة تُغلق. دينًا بعد دين، والتزامًا بعد التزام، حتى جاء اليوم الذي استطعت فيه القول إنني لم أعد مدينًا لأحد.

قد يبدو الأمر بسيطًا لمن لم يعش تلك التجربة، لكنني كنت أعرف جيدًا ماذا يعني ذلك.

لم يكن الأمر مجرد أرقام اختفت من دفتر الحسابات، بل شعور بأن جزءًا من الحمل الذي لازم ظهري لسنوات قد زال أخيرًا.

للمرة الأولى منذ وقت طويل، أصبح بإمكاني التفكير في الغد دون أن أبدأ حساباتي من قائمة الديون.

لم أصبح غنيًا، ولم تتغير حياتي فجأة، لكنني امتلكت شيئًا كنت أفتقده؛ مساحة صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها دون أن يطاردني موعد استحقاق جديد.

وفي وسط كل هذه التفاصيل، ظهرت شخصية صغيرة لم تكن تعرف شيئًا عن كل ما سبق.

سوسو.

ببغاء الكوكتيل الصغيرة التي دخلت حياتي في السابع من أيلول.

لم أكن أتوقع أن يصبح لهذا الكائن الصغير حضور بهذا الحجم في يومياتي. في البداية، كانت حذرة، تخاف اقترابي، وتبتعد كلما حاولت مد يدي إليها. كنت أراقبها وأحاول فهم تصرفاتها، وهي بدورها كانت تراقبني وكأنها تحاول تحديد ما إذا كنت شخصًا يستحق ثقتها أم لا.

لم تكن المهمة سهلة، ويبدو أنها قررت منذ اليوم الأول أن تجعلني أستحق كل خطوة من خطوات التقارب.

كانت تعض أحيانًا، وتهرب أحيانًا أخرى، ثم تعود لتأكل وكأن شيئًا لم يحدث.

ومع مرور الأيام، بدأت المسافة بيننا تتقلص. أصبحت تقبل الطعام من يدي، وأحيانًا تقف عليها، ثم تعود إلى شخصيتها المعتادة وكأنها تذكّرني بأنني لم أفز بثقتها بالكامل بعد.

كنت أسميها أحيانًا «سوسو المتوحشة»، ولم أكن أعلم أن هذا الاسم سيصبح جزءًا من يومياتي.

ربما كان وجودها تفصيلًا صغيرًا في حياة مليئة بالتفاصيل الثقيلة، لكنه كان تفصيلًا جميلًا.

فبعد يوم طويل في المستشفى، كان هناك كائن صغير ينتظر طعامه واهتمامه، لا يسألني عن عملي، ولا عن راتبي، ولا عن ديوني، ولا عن الأشياء التي لم أحققها.

كان يكفيني أحيانًا أن أجلس وأراقبها وهي تأكل، أو تنظف ريشها، أو تنشغل بشيء لا أفهم سبب اهتمامها به.

وكانت تلك اللحظات كافية لتذكيري بأن الحياة لا تتكون من المعارك الكبيرة وحدها.

واليوم، وأنا أكتب هذه السطور، لا أريد أن أقدم نفسي بطلًا انتصر على الحياة، ولا ضحية هزمتها الظروف.

أنا مجرد إنسان مرّ بطريق لم يختر جميع منعطفاته، لكنه حاول في كل مرة أن يجد طريقًا للعبور.

وربما كانت المفارقة أنني احتجت إلى كل تلك السنوات، وكل تلك الخسارات والبدايات المتعثرة، حتى أفهم أن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة للعودة إلى ما كنا عليه، لكنها تمنحنا أحيانًا فرصة لنصبح أشخاصًا مختلفين.

أما ذلك الطفل الذي ترك مقاعد الدراسة في الخامسة عشرة، فلا أعرف إن كان سيفهم كل ما أكتبه الآن، لكنني أتمنى لو أستطيع الجلوس بجانبه لدقائق، وأخبره أن الطريق طويل، وأن بعض الأيام ستكون قاسية، وأنه لن يحصل دائمًا على ما يستحقه.

لكن عليه أن يستمر.

ليس لأن النهاية مضمونة، بل لأن الطريق لم ينتهِ بعد.

وهكذا، عند منعطف الطريق، لم أجد الحياة التي كنت أحلم بها، لكنني وجدت نفسي أحاول أن أبني حياة أستطيع أن أعيشها.