NOVELFLEX

العودة من الجحيم

عند منعطف الطريق · بقلم rakan780rakan1996

لقد مرت أربع سنوات، وأنا الآن أعمل عامل وطن. كيف وصل بي الحال إلى هنا؟ حسنًا، لقد عبرت الجحيم مشيًا على الأقدام، وما زلت صامدًا. أتذكر في مرة قد قلت جملة، وكنت أقول إنني لست كاذبًا عندما قلت: أحلامي ستتحقق.

​حسنًا... أنا كاذب لعِين.

ففي كل يوم، عندما كنتُ أستيقظ في الخامسة فجراً للذهاب إلى ذلك الشارع، كنتُ أتأمل الماضي وأنظر إلى المستقبل بغضب. أتساءل حقاً: هل هذا ما أريد أن أكونه؟ هل هذا أنا فعلاً؟

حسناً.. لن أكذب، فقد كنتُ يائساً جداً وعشتُ أياماً شديدة القسوة. كان الجميع من حولي يرددون أنني شخص فاشل، ولم أجد سنداً واحداً يقف معي أو يقويني. بل كان الجميع استغلاليين.. وللأمانة، لقد نجحوا جميعاً في استغلال براءة قلبي.

المبكي المضحك في الأمر، أنني عندما أتذكر الماضي الآن، أشعر أحياناً بالحنين إلى الأصدقاء! أتذكر تجارب كثيرة.. ولن أكذب، فقد كانت جميعها سيئة.

في أحد الأيام، وعند نهاية الدوام، رأيتُ أحد الأشخاص يختبئ في زاوية. سألني فجأة إن كنتُ أدخن، فأجبت بثقة مراهق: "نعم، أنا مدخن". طلب مني سيجارة فأعطيته إياها، لكنه فاجأني وكسرها أمام عيني! نظرتُ إليه بذهول ولم أستوعب ما يفعله، ليمد يده ويقايضني بسيجارة أخرى من عنده وهو يقول لي خفية: "اسحب من هذه".

حسناً.. لن أكذب، كان شعوراً غريباً ومرعباً جداً. بدأ العالم من حولي يلتف ويدور بي، واجتاحني خوف حاد وشديد. لا أذكر كيف وصلتُ إلى المنزل يومها وأنا مرتجف من الرعب، كل ما أذكره أنني رميتُ جسدي على الفراش ونمت فوراً.. لأستيقظ في اليوم التالي.

حسناً.. سأكون كاذباً إن قلتُ إنني أذكر ماذا حدث في ذلك اليوم، لذا سأقول ما حدث على لسان أحد أصدقائي الذين كانوا معي.

يقول صاحبي: "لم نكن نصدق أن هذا أنت! استيقظتَ في ذلك اليوم وكأن شيطاناً قد تلبّس روحك. فجأة، وبلا أي مقدمات، بدأت تصرخ في منتصف الشارع بأعلى صوتك، وتوجه شتائم مبهمة للاشيء. لم تتوقف عند هذا الحد، بل بدأت تفتعل مشاجرات عنيفة مع المارة لأسباب تافهة؛ كنت تنظر في عيون الناس بغضب وتدفعهم بيدك، وتبحث عن أي مشكلة لتفرغ فيها طاقة جنونية لم نعهدها فيك من قبل. كنا نحاول إمساكك وتهدئتك، لكنك كنت كالممسوس، تملك قوة غريبة وتردد كلمات غير مفهومة عن أحلامك وعن والدك وعن الجحيم الذي تعيشه".

حسناً، لن أقول إن صاحبي كاذب.. فأنا للأمانة لديّ تاريخ طويل وحافل من المواقف الغريبة جداً.

وهنا، أتذكر جيداً أحد تلك المواقف المجنونة التي أوصلتني فعلياً إلى الحضيض.

كنتُ في نهاية دوامي كالمعتاد، حين عثرتُ على علبة دواء؛ لا أذكر اسمها، لكنني أذكر جيداً أن من يتعالجون من الإدمان هم من يتناولونها. أخذتها معي إلى المنزل. وفي ذلك اليوم، كان أبي يشرب بشكل مجنون، وافترضنا مشكلة كالعادة ومن فرط خوفي ورعبي أن أتحول إلى مدمن يشبهه بسبب تلك السيجارة اللعينة، اتخذتُ قراراً مجنوناً.. أخذتُ أشرطة الدواء الثلاثة وابتلعتها دفعة واحدة!

لم يحدث شيء في تلك الليلة، لكن في اليوم التالي بدأت الأعراض. كان صديق لي يجلس معي ونظر إليّ بذعر وقال: "وجهك أصفر للغاية، اذهب لتنام". في اليوم التالي، عجزتُ تماماً عن الحركة؛ حرارتي كانت تحرق جسدي، وبقيتُ على هذا الحال ثلاثة أيام كاملة أصارع الموت. في اليوم الرابع، استيقظتُ ولم أكن أشعر بشيء، فظننتُ أنني تعافيت وذهبتُ إلى العمل.. وهنا بدأ الأمر المرعب حقاً.

اجتاحت جسمي تشنجات مؤلمة وحادت، تشنجات جعلتني أمشي في الشارع كالمجنون. المفارقة المضحكة، أنه كان معي مال، لكن لم تقبل أي سيارة أجرة أن تقف لي! هم بالطبع لا يعلمون ما أمرّ به، يرون فقط جسداً يتلوى ويركض بهستيريا. ركبتُ حافلة بصعوبة أوصلتني إلى مكان قريب من بيتي. وهناك، في منتصف الشارع، رأيتُ عمتي.. وعندما وقعت عيني عليها، انهرت تماماً وبكيتُ من شدة الألم وقهر العجز.

المفرح في هذا الجحيم، أن الصدفة البحتة لعبت دورها؛ ابن عمتي كان خارجاً إلى دوامه، وأبي كان قد نسي محفظته وعاد ليأخذها، فالتقينا جميعاً في نفس الشارع اللعين بالصدفة البحتة! نُقلتُ فوراً إلى المستشفى، وهناك.. رأيتُ الويلات.

المضحك هنا هي تفسيرات البشر؛ من قائل إنني "ملبوس بالجن"، ومن جزم بأنني "قد جننت تماماً"، حتى الأطباء أنفسهم شكوا بأنني أتعاطى المخدرات.. لكن لم يعلم أحد منهم الحقيقة الحرفية حتى هذه اللحظة! مررتُ بتجربة مرعبة داخل المستشفى، من وخز الإبر المتواصل إلى الصور الطبقية إلى الألم الذي لا يُطاق، ليخرجوا بتشخيص لم أستوعبه حينها: "التهاب حاد في قشرة المخ". لم أكن أعلم معنى هذا، فقد كنتُ مجرد مراهق جاهل بالطب المفرح وسط كل هذا الخراب، أنني تعافيتُ بسرعة غير متوقعة، وكان من المفترض أن أذهب للمراجعات الطبية، لكنني من شدة خوفي ورعبي.. لم أذهب إليها أبداً.

بعد هذه الحادثة تحديداً، اتخذتُ قراري الحاسم بترك العمل كعامل وطن، وقدمتُ طلباً للعمل في نفس المستشفى الذي تعالجتُ فيه وصارعتُ فيه الموت.

المفارقة المضحكة والمبكية في آنٍ واحد.. أن هذا المستشفى، هو نفس المكان الذي وُلدتُ فيه وجئتُ منه إلى هذا العالم. وكأنني كنتُ بحاجة لأن أعود إلى نقطة البداية ، لأبدأ من جديد