استيقظتُ في الصباح فوجدتها ترتب حقيبتنا. قلتُ: لماذا تفعلين هذا؟
قالت: ألم تقل إننا سنعود بعد يومين؟
قلتُ: بلى.نسيت ذلك
ثم لاحظتُ يديها وقلتُ: هل وضعتِ الحناء على يديكِ؟
قالت: نعم، وضعتها لي البنات على يدي، هل لديك مشكلة مع الحناء مثل بعض الرجال؟
قلتُ: لا، بل تبدو أجمل على يديكِ. فأمسكتُ يدها، شممتُ رائحتها وقبّلتُ يدها. فابتسمت وقالت: آسفة لأنني تركتك البارحة، الحقيقة أنني لم أنساك أبداً، بل الفتيات هن من كنّ يأخذنني، وخصوصاً أمينة.
قلتُ: لا تتأسفي، كنتُ سعيداً من أجلكِ.
قالت: مع ذلك لم يكن عليّ فعل ذلك، كان من الضروري أن أخصص لك وقتاً.
قلتُ: نعم، إنه كذلك. لقد فهمت الآن لماذا كان يقلقك هذا التصرف من الآخرين ومني، لكنه لم يكن سيئاً كما تشعرين به، لأنني كنتُ مع الأولاد والرجال أيضاً، وكنتُ سعيداً لأنك وجدتِ بعض السلام والمتعة. أما الآن فيجب أن أغسل وجهي ونودع الجميع.
غسلتُ وجهي وغيرنا ملابسنا، ثم فطرنا مع الجماعة وبدأنا نودع الجميع. ودّعونا بإهدائنا بعض الفاكهة، وودعتها الفتيات بتقديم بعض الصوف والملابس التقليدية لها . ثم أتى الأطفال من بعيد يركضون بباقة من الربيع والنعناع والزهور، ووضعت إحدى البنات الصغار تاجاً مصنوعاً من الزهور على رأسها.
ثم اقتربت مني أمينة قائلة: اعتنِ بها، فهذه هي الرومانسية بالنسبة لي. وابتسمت ثم قالت: زورونا مرة أخرى وبلغا سلامنا للخالة. ثم اقتربت منها وهمست بشيء في أذنها فضحكت، ثم انطلقنا بالسيارة.
بدأت تحدثني عن كل ما فعلته من الصباح إلى المساء بتفاصيل وعن ما أخبرونها عني وما يعرفونه. قلدتُ غضبها قائلاً: هل تذكرتِني الآن؟
قالت: نعم . هل انتم فقط من لهم الحق في تركي؟ ها هاها أعتذر حقاً.
ضحكت وقلتُ: لا بأس، حقاً سعدتُ بأنك كنتِ سعيدة معهم.
ثم قلتُ لها بعد سماع كل ما قالت: ألم تشكي بهم؟
ابتسمت وقالت: إن شككتُ بهم سيكون عيباً عليّ.
قلتُ: ربما، لكن هذا ليس بيديكِ.
قالت: الفقر والتواضع.
استغربتُ، فأكملت: نعم، إن فقري هو إعاقتي، وطبيعتي هي تواضعي. أما هم فأناس طيبون ومتواضعون، والفقراء يتعاونون فيما بينهم ويحبون بعضهم بتواضعهم، لذا استطعنا أن نحب بعضنا لأن لا عالٍ ولا غنيّ بيننا سوى الله ربي وربهم. وإن كنتُ سأشك فسيكون ذلك بسببك انت، لأنهم يحبونك فقط و لهذا يتظاهرون بحبهم لي، أو لأنك غني وتقدم لهم الصدقات وتساعدهم حتى بعد أن لم تعد هناك علاقة بينك وبينهم سوى الذكريات.و الصداقة القديمة لا علاقة لك بها، ولكي لا تنقطع تلك المساعدات و الصدقات التي تقدمها
ثم قالت: أليس هذا ما جعلك تكذب؟
قلتُ في نفسي: إنك حكيمة حقاً، .
ثم قلتُ لها: إن كانت كذبتي لها علاقة بما قلتِه، فإنني كذبتُ لأجد الحب الذي وجدته، لا لكي لا أتزوج كما كنت أعتقد،ولقد قلت لك ذلك من القبل.
قالت: هل وجدته حقاً؟
قلتُ: نعم مند ان كانت هناك صعوبة في إقناعك انت وواليديك كرجل عاديا من تلك القرية. هل ما زلتِ تشكين في حبي لكِ؟
قالت: ربما لأنك كنتَ فقيراً وأنا فقيرة أيضاً...
اكملت الكلام قائلا: وما جمعنا سوى التواضع والصدق.
قالت: بل أصلك الذي لم تنساَه وفقرك.
ثم قلتُ لها: حقاً تحبين ذلك الرجل الذي أحبك في ذلك الزفاف؟
فابتسمت وقالت: نعم، لكني ما كنتُ لأتزوجه.
قلتُ: نعم، هذه هي الحقيقة المؤلمة.
قالت: لكني تزوجتُ به حقاً.
ثم قلت لها ماذا قالت لك امينة؟
قالت لا شيء مجرد كلام بين النساء ها ها ها لا تبقى غاضبا من هاهاه انها مضحة ولطيفة
قلت في نفسي: أتمنى الا يخيب ظنك هذه المرة ، وان يكون إعتقادك صحيحا.
وصلنا للمنزل. مرت الأيام وتزداد فيها الصعوبات حين أخرج لمواجهة العالم وهمسهم، كلام يُسمع وكلام لا يُسمع. الحيرة تراودني، وحين نخرج معاً إلى مكان ما أنزعج بشدة، لكن كيف تتحمل هي كل ذلك؟ كلنا نجد السلام في البيت حتى أنه نبقى بدون خادمة أحياناً، لذلك كانت تشعر بسعادة كبيرة لأنها عاشت أياماً كزوجة تعيش مع زوجها بدون خادمة.
وفي أحد الأيام اصطحبتها معي إلى شركتي كي تغير الجو وأريها أين يعمل زوجها وأحدثها عما أفعله. حين دخلنا الشركة الكل ينظر تلك النظرات المعتادة ومنهم من ينظر نظرات طبيعية. قلتُ: هذه مريم، زوجتي، أعرفكم على العروسة التي كنتم تسألون عنها. كان كل شيء طبيعياً، استقبلوها وتعرفوا عليها بمحبة ومنهم من تعرف عليها بشفقة، لكننا لم نبالِ لذلك كما تفعل هي أحياناً.
دخلنا المكتب، شربنا بعض القهوة وأنا أعمل وهي تتفرج عليّ وعلى المكتب حتى أتى موعد اجتماع بسيط، فطلبت الإذن للذهاب لقاعة الاجتماع. قالت لي: هل بإمكاني الخروج من هنا والتجول لأرى ماذا يفعلون؟صحيح لم أفهم لكني سأتكفي بالمشاهدة
قلتُ لها: الشركة شركتك، خذي وقتك يا سيدتي. وابتسمت ثم ذهبت، لكني كنتُ أراقبها من النافذة حين تكون قريبة منها، وحين لاحظتني رسمتُ قلباً على زجاج النافذة، ابتسمت لي بالفخر والحب وذهبت.
مر وقت قصير وانتهى الاجتماع وذهبتُ إلى المكتب فوجدتها قلقة.
قلتُ: ماذا حدث؟
قالت: لا شيء.
قلتُ: هل قال أحد شيئاً يزعجك؟
قالت: هل من الضروري أن يقول أحد شيئاً لأقلق؟ إنني متعبة قليلاً.
قلتُ لها: لكن...
قالت: إن رأسي يؤلمني، هل يمكننا العودة إلى المنزل؟
قلتُ لها: حسناً، أمهليني خمس دقائق فقط.
عدنا للمنزل وكانت هادئة طوال الوقت، أتحدث معها لكنها ليست على طبيعتها. وفي هدوء الليل قلتُ لها: هل أنتِ بخير؟
لم تجبني بل نامت دون أن نتحدث قبل نومنا كما اعتدنا، وحين لمستها ابتعدت وأكملت النوم، لذا أدرتُ وجهي متسائلاً ماذا حدث لها أو هل فعلتُ شيئاً لها؟!