وصلنا إلى القرية وبدأنا نتجول معاً ونستمتع بالطبيعة. لم نواجه الكثير من الناس، لأن عادة القرية تكون فارغة، وكل واحد يعيش في بقعة أرضه، وكل أرض بعيدة عن الأخرى، وما يجمعهما سوى الأراضي الفلاحية وجمالها. لذا شعرتُ بالراحة وأنا أيضاً، بل وجدنا بعض الحرية وقضينا وقتاً جميلاً.
بينما نمشي، أريتها أرضنا ومنزلنا، ثم توجهنا إلى بيت أحد أصدقاء والدي، فاستقبلونا وضيّفونا، ثم تناولنا وجبة العشاء وبدأ الحديث بيننا جميعاً. لم تشعر بما كانت تشعر به من قبل، لأنه حينها أصبح شيء ما يبدو طبيعياً بالنسبة لها، لأن العالم هناك متواضع وطبيعي هو وناسه، لذا كانت مرتاحة وسعيدة.
وحين أتى وقت النوم قلت لها: هل صدقتِ الآن؟ قالت: نعم، إن قريتكم جميلة حقاً.
تحدثنا قليلاً ثم نمنا. فاستيقظت في الصباح ولم أجدها، لا هي ولا كرسيها. قمت للبحث عنها، فقالوا لي إنها ذهبت مع النساء إلى الغابة منذ وقت طويل. قلت في نفسي: أرجو أن لا يفعلوا شيئاً يجرحها من دون قصد.
فجاءت إحدى النساء وقالت: هل استيقظت أخيراً؟ صباح الخير إذن، إن زوجتك استيقظت باكراً وأخذها البنات إلى الغابة. لقد كانت معنا في المطبخ قبل قليل.
قلت: ولِمَ ذهبوا إلى هناك؟
قالت: لجمع التفاح والعنب والبطاطس. قلت في نفسي: كيف ستمر هناك؟ لا شك أنهم تركوها في مكان ما.
ثم سكبت لي الحليب، وبينما أشربه قالت: ذلك الحليب حلبته هي.
قلت: حقاً؟ قالت: نعم، قبل أن نقوم بإعداد الفطور ذهبنا للحظيرة. كانت تراقبني حين كنت أحلب في البداية فسألتها: ألم تجربي هذا من قبل؟ قالت لي: لا لم أجرب. فأخبرتها أن تجرب وأريتها كيف. قالت: هل يمكن فعل ذلك بيد واحدة حقاً؟ ما كنت أراه هو أنه يفعلون ذلك بيدين. قالت: نعم، ألم تركلني ان جربت؟ قلت: لا، إنني أمسك بها.
قلت في نفسي: ليتني كنت هناك، لو رأيت تلك الفرحة الجنونية التي تشعر بها حين تفعل شيئاً. اقترب مني العم الذي كان يجلس بجالبي بعد ذهابها وهمس قائلا:لما تزوجتها؟ هل اج....
قاطعته قائلا:أحببتها،أحببتها يا عمي هذا كل شيء ثم اكمت الكلام في ذهني على الأقل انت لا تقل هذا
تناولنا الفطور، ثم توجهت مع أحد الرجال إلى الغابة فرأيتها سعيدة وتحمل السلة وتغني مع باقي الفتيات. وقفت أتفرج عليها، فضربني أحدهم من الخلف وقال: نحن لا نتفرج هنا على النساء.
قلت: أنا لا أتفرج على النساء بل أتفرج عليها.
قال: إنها لطيفة حقاً.
قلت: ماذا؟
قال لي: كنت في طريقي للحقل مع الحمار وكانت واقفة هناك والحمار لا يريد أن يمشي فضربته ضرباً مبرحاً فقالت لي من البعيد أن لا أضربه كثيراً. قلت لها إن لم أضربه فلن يستمع للكلام بل سيصبح مشاغباً. قالت: مع ذلك لا تضربه، ألا ترى أنه يحمل أثقالاً عنك؟ قلت: هذه هي وظيفته في الدنيا، لقد خُلق من أجل هذا. قالت لي: صحيح أنه خُلق لهذا، بل خُلق لكي يرحمك من ذلك، لذا ارحمه كما يرحمك وكما خلقه الله ليرحمك به في أعمالك.
قلت: ماذا إذن، هل قررت أن لا تضرب الحمار؟ ضحك وقال: قليلاً. المسكينة، لا تتركها بسبب ما هي عليه، فإنك محظوظ بقلبها هذا، بل ستكسب أجراً عظيماً برفقتها.
قلت في نفسي: هل تزوجتها من أجل الأجر والجنة الآن؟ لمَ تفكر هكذا يا هذا؟ ثم قلت له: إنها ليست مسكينة ولمَ سأتركها؟ إنني أحبها يا هذا.
قال: اهدأ فقط قلت ذلك من باب الكلام. ثم نظر إليها وقال: أنت حقاً تحبها لأنها لطيفة، لقد أعجبت بكلامها.
نظرت إليه بغضب، فقال: لم أقصد شيئاً حقاً، لقد تعاطفت مع الحمار بفضل كلامها هههههه.
فانتبهت لوجودي فنادتني، ثم ذهبت لها فرأيت سلتها المليئة بالعنب. قالت: إن العنب طري هنا وأنا تمكنت من جمع هذه الكمية. قلت: صباح الخير أولاً. قالت: نعم نسيت، لكنها ظهيرة الآن، انظر يوجد نوعان
.قلت لقد شربت الحليب الذي حلبته
قالت مستغربة. نعم بصحة وهناك لكني لم احلبه لك بل للجميع
قلت: المهم انه من يديك أخبريني....
فهتفت إحداهن: ألم يبقَ هناك شيء؟
قالت: لا لقد قطفته. ثم انتبهت أن ملابسها مليئة بالتراب. قلت: هل سقطتِ؟
بدأت تضحك قائلة: نعم حين كنا قادمين إلى هنا حملتني إحدى الفتيات على ظهرها وتعثرت ثم وقعنا.
قلت: ألم تنجرحي؟
قالت: لا لم نُصب بشيء الحمد لله. وحين تعبت وجدنا طريقة لهذا.
قلت: ما هي؟
فأتت الفتيات وقالت إحداهن: لا تلعبوا هنا فيلماً رومانسياً، فلدينا ما نفعله.
فضحكنا بخجل.
وحين أردت حملها دفعتني تلك الفتاة وقالت: نحن النساء هنا نساعد بعضنا البعض في أعمالنا، إن أردت أن تعمل فاعمل مع الرجال هناك. أم أنك تريد البقاء معها؟
أردت قول شيء لكنها قطعتني وهي تسألها: هل تريدين البقاء مع زوجك؟
أرادت أن تقول شيئاً فأوقفتها قائلة: قالت إنها لا تريد البقاء معك. ثم صفّرت وجاء بعض الأطفال، قالت لهم: احملوا العرش وانطلقوا، وحملوها وهي على الكرسي. خفت أن تقع لكنها كانت سعيدة، ونظرت إليّ الفتاة قائلة: اذهب للعمل، ثم قم برومانسيتك في البيت، ولحقت بهم.
قلت: هل هي مجنونة أم ماذا؟ قال لي ذلك الفتى الذي كان معي: نعم إنها تكره أن ترى مثل هذه الأشياء في الأماكن العامة حتى لو كنت مع زوجتك. فضحكنا.
ذهبت للحقل وعملت قليلاً ثم عدنا للمنزل لتناول الغداء لكني لم أجدها في البيت. قالت العمة: لقد ذهبت الفتيات إلى الوادي وأخذوا بعض الطعام قالوا إنهم سيأكلون هناك. قلت في نفسي: ماذا إن وقعت فيه؟ قلت: ولمَ ذهبوا؟ قالت: يريدون غسل بعض الأغطية والبقاء هناك، الجو هناك جميل.
اتصلت بها لأطمئن عنها فردت وانقطعت الخط بعد حديث قليل دار بيننا. تغدينا ثم لحقنا بهم. ذهبت لأتحدث معها فبدأت تحدثني عنهم، فإذا بتلك الفتاة تناديها: هيا نذهب، الوقت تأخر.
قلت: أريد أن أتحدث معها.
قالت: بل تحدث مع من أتيت، يجب أن ننطلق قبل أن يأتي الظلام.
قلت: سنذهب نحن أيضاً.
قالت: هل أتيت معنا؟
قلت: لا.
قالت: إذن اذهب. قلت: أريد أن أتحدث معها قليلاً.
قالت: ستتحدث معها في المنزل، هيا يا عزيزتي.
غضبت بينما هي تضحك بسرية. ذهبوا الفتيات ونحن نتبعهم من الخلف وهي تدير رأسها وتضحك، ثم تأتي تلك الفتاة أمامي كي لا أراها ولا تراني، فأغضبني الأمر، بل ما أغضبني هو أنني لم أمضِ الوقت معها، لكنها هذه المرة تبدو سعيدة حقاً وأنا سعدت لذلك.
وصلنا للبيت فصادفت تلك الفتاة وهي ذاهبة للمنزل، قالت: الآن اذهب وتحدث إلى زوجتك. قلت: أخيراً. فذهبت إليها لأتحدث معها فوجدت باقي الفتيات معها، أردت الجلوس فقالوا لي: بل ستجلس في الغرفة الأخرى مع الرجال، هذه المرة سوف ننقسم، النساء وحدهن والرجال وحدهم.
قلت: حسناً دعوني أتحدث معها قليلاً.
فنظروا إليّ بغضب. قلت: في الخارج؟ فإذا بعزيزتي تقول لي: سنتحدث فيما بعد
.قلت: ماذا؟
قالت: نعم.
قلت: حقاً؟
ثم عم السكوت، فخرجت من الغرفة غاضبا وبدأت أقلق عليها خوفاً أن يقولوا لها شيئاً أو يشعرونها بالوحدة كما اعتادت.
مع مرور وقت فجأة سمعنا أصوات الضحك عالية، قلت: يا ترى على ماذا يضحكون؟ هل هي بخير؟
مرت عدة دقائق وهم يضحكون، قمت وسألوني أين أنت ذاهب؟
قلت: إلى الحمام، نعم سأذهب إلى الحمام. فخرجت من الغرفة وألقيت نظرة على الغرفة بسرية فرأيتها غارقة في الضحك تمسك بطنها وتبكي من الضحك. شعرت بشعور جميل وكأنني أراها لأول مرة، فهتف أحدهم خلفي: أتتجسس على النساء؟
فأدرت وجهي وجدتها العمة. قلت: كلا فقط كنت أريد... أريد لا شيء، آه! أريد أن أسألها عن شاحن هاتفي أين وضعته.
قالت: لا شك أنه في غرفتك.
قلت: آه معك حق، ثم باتت تنظر إليّ وكأنها تنتظرني أن أذهب، فذهبت محرجاً.
تناولنا العشاء، قلت: أخيراً سأقضي معها بعض الوقت. ذهبت لأخذها من الغرفة فوجدتهم يرتبون المكان للنوم لأنفسهم. قلت: هيا تصبحون على خير. قالت إحدى الفتيات: تصبح على خير. أردت أخذها معي فإذا بصوت خفي يقول: هل بدأت سهرتنا يا فتيات؟ أدرت وجهي ووجدت تلك الفتاة مجدداً فقالت: قررنا أن نقوم بسهرة الليلة خاصة بالفتيات، أليس كذلك يا عزيزتي؟
ثم نظرت إليّ وقالت: ألم تخبرك زوجتك؟ فسحبت الكرسي وقالت: آه نسيت لم تتحدث معها على أي حال ستتحدثون بعضكم البعض لاحقاً، ثم دفعتني خارج الباب وأغلقته.
قلت في نفسي: ما مشكلتها معي؟ ثم سمعتهم يضحكون وزاد غضبي، لكن من جهة أخرى كنت سعيداً. ذهب الرجال للنوم لأنهم يستيقظون باكراً لأجل العمل، لذا ذهبت للغرفة التي كنا فيها، فغضبت بشدة لأنني لم أقضِ وقتي معها، بل فهمت ما كنت تشعر به، يا إلهي لقد اشتقت إلى البقاء معها والحديث معها. تباً لتلك الفتاة المعقدة لم تدع لي أي فرصة للبقاء معها، بل تركتني هي هي أيضاً.
مهلاً، لقد تركتني هي وحدي ولم تشعر بالوحدة كما اعتادت أنا سعيد لهذا، نعم كانت سعيدة من دوني، إن هذا يبدو جميلاً حقاً. لكنها تركتني، ألم تشتاق لي؟ تباً لقد اشتقت لها.
فجأة بدأن بالضحك، قالت: يا إلهي، فصرخت العمة قائلة: إن سمعتكم تضحكون مجدداً فسأطرد كل واحدة من المنزل والباقي سأفرقهم في الغرف. قلت: فقط أخرجيها من هناك. يا إلهي.
فنمت مشتاقاً لها وسعيداً من أجلها منتظراً للغد يجمعنا.